قبل تناول مشكلة اليورو، وأسباب تراجعه أمام الدولار، ينبغي أولا أن نشير الى أهمية الشراكة الخليجية مع الاتحاد الأوروبي من منطلق ما تشكله دول هذا الاتحاد من ثقل في التجارة العالمية، فضلا عن حصتها الضخمة من الناتج العالمي. مما يجعل تنظيم التعاون معها عملية مهمة لأية دولة أو مجموعة دول تريد أن تندمج في الاقتصاد العالمي. فقد بلغ الناتج القومي الاجمالي لدول الاتحاد الأوروبي المحسوب وفقا لأسعار الصرف نحو 9.8261 مليار دولار، بما يشكل نحو 6.28% من الناتج العالمي عام ،1998 علما بأن الناتج القومي الأمريكي بلغ في العام نفسه نحو 1.7923 مليار دولار بما يشكل 5.27% من الناتج العالمي. وعلى صعيد التجارة السلعية أسهمت دول الاتحاد الأوروبي بنحو 5.40% من الصادرات العالمية، وبنحو 6.38% من الواردات العالمية عام 1998 علما بأن حصة الولايات المتحدة من الصادرات السلعية العالمية لم تتجاوز 4.12% ولم تتجاوز حصتها من الواردات العالمية نحو 8.16% في عام 1998 بما يوضح الفارق الهائل في القوة التجارية بين الطرفين لصالح دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما يدعو فعلا الى تنظيم الشراكة الاقتصادية مع دول هذا الاتحاد. إلا أن هذه الرؤية الايجابية اصطدمت في الشهور الماضية بانخفاض سعر العملة الأوروبية المتحدة (اليورو) أمام الدولار، وبقائها عند مستوى متدن يقل بنحو 24% عن سعرها مقابل الدولار عند اطلاقها في بداية عام 1999 مما أثار العديد من التساؤلات حول أسبابه ودلالاته وتأثيراته على الاقتصاديات العربية، وبالتالي كيفية التعامل مع هذا الوضع عربيا. وفي الحقيقة فإن سعر اليورو عند اطلاقه مقابل الدولار كان أعلى من قيمته الحقيقية، وهو ما يظهر عند تعادل القوى الشرائية بين العملتين، فقد كان سعر اليورو في البداية نحو 18.1 دولار، وهو سعر يفوق قيمته الحقيقية مقابل الدولار بنسبة 10% تقريبا. وفي يناير 1999 انخفض سعر اليورو الى 9.0 دولار أي بنسبة 24% وهو ما يعني تجاوز هدف تصحيح الأسعار الى أسباب أخرى تتعلق بحقيقة القوة الاقتصادية لدول اليورو. أثر تراجع اليورو على الاقتصادات الخليجية تتأثر الاقتصادات الخليجية بأي تحركات قوية لسلة العملات الحرة الرئيسية بالنظر الى أنها العملات التي تتم من خلالها تسوية المعاملات الخارجية لبلدان دول مجلس التعاون الخليجي. ذلك أن خمس دول من بلدان المجلس هي السعودية والامارات والبحرين وقطر وعمان، تربط عملاتها بمعدل تحويل ثابت مقابل الدولار. أما الكويت فإنها تربط عملتها بسلة من عملات شركائها التجاريين الرئيسيين. ويمكن أن يؤثر تراجع سعر اليورو مقابل الدولار على الاقتصادات الخليجية في رفع قيمة الصادرات النفطية عند تقويمها باليورو، وهو ما يعني ضمنيا رفع القدرة الشرائية لعائد الصادرات النفطية من أسواق دول اليورو. وبالتالي من الممكن توقع تزايد واردات الدول الخليجية من دول اليورو، لأن انخفاضا بنسبة 24% مقابل الدولار خلال ما يقل عن عام ونصف يعني تحسن القدرة التنافسية للصادرات الأوروبية، لاسيما وأن غالبية عملات هذه الدول مرتبطة بالدولار، وبالتالي تزايد قيمة عملائها مقابل اليورو تبعا لصعود الدولار أمامه. أما الصادرات العربية غير النفطية الى دول اليورو فمن المتوقع أن تتراجع نظرا لأن أسعار هذه الصادرات الى السوق الأوروبية سوف ترتفع عند تقويمها باليورو، وبالتالي فإن الميزان التجاري للدول العربية المصدرة سوف يتأثر سلبا بالتراجع الكبير لليورو خلال الفترة من اطلاقه وحتى الآن. وهو ما يتطلب ضرورة أن تراجع الدول العربية ارتباط عملاتها بالدولار وحده حتى لا تتأثر بما يتعرض له من تذبذب الأمر الذي يعرض قيمة عملاتها أيضا للتذبذب بسبب تحركها بشكل تابع للدولار بعيدا عن أي مبررات اقتصادية حقيقية. وأن يكون ارتباط العملات العربية بسلة عملات وحدة حقوق السحب الخاصة، أو بسلة من عملات شركائها التجاريين الرئيسيين بشكل متوازن يحقق الاستقرار للعملات العربية، ويؤثر بشكل متوازن على الصادرات العربية. واذا كان الاتجاه الأساسي في الاقتصاد العالمي يرتكز بشكل كبير اليوم على مدة استقرار ونمو اقتصاد دول الاتحاد الأوروبي التي تشكل 54% من اجمالي الاقتصاد العالمي، فمما لاشك فيه أن هذا الاقتصاد العالمي مكبل حاليا بالعديد من القيود منها الانتعاش الاقتصادي الكبير الذي تشهده الولايات المتحدة، كذلك الأزمات والمخاطر التي تحف بالاقتصاد الياباني، والبطء الذي أصاب نمو اقتصاديات الدول الغربية، ناهيك عن الاقتصاد الآسيوي الهش، وبالنظر للانتعاش الكبير الذي يشهده الاقتصاد الأمريكي، وتأثيره على الدول العربية التي ترتبط عملتها بالدولار، فإن الخبراء الاقتصاديين في العالم ينظرون اليه بقلق كبير لتخوفهم من أن تتسع دائرة نمو هذا الاقتصاد وتخرج عن نطاق السيطرة، ومن ثم ينقلب الى الضد ويوقع الاقتصاد الأمريكي، والدول التابعة له، في عثرة يصعب القيام منها، مما قد يتسبب في أزمة مالية عالمية طاحنة، ذلك أن كسر حاجز 10 آلاف نقطة في بورصة وول ستريت خلال 4 سنوات فقط طرح العديد من الأسئلة عن مدى تأثر ذلك على الاقتصاد الأمريكي في المستقبل، وهل ستظل نسبة الارتفاع على هذا النحو، أم ستنخفض الى حافة الهاوية؟ وكيف سيكون موقف مجلس الاحتياط الفيدرالي الأمريكي تجاه ذلك؟ وهل سيتطلب ذلك رفع أسعار الفائدة لتهدئة النيران المشتعلة في البورصة؟ إن انضمام أعداد هائلة من رؤوس الأموال قصيرة المدى الى ساحة المال والاقتصاد ونسبة كبيرة منها قادمة من الدول العربية الخليجية يؤدي بالطبع الى انتعاش مالي كبير، إلا أن انسحابها السريع بسبب الأزمات المالية يؤدي حتما الى انهيار اقتصادي يصعب تدارك مداه، كما حدث في الدول الآسيوية عام ،1997 وفي روسيا في 17 أغسطس 1998. واذا رجعنا الى اليورو، سنجد أنه ولد على عملة مساوية وموازية هي الدولار، ومحور مزدوج للعملة العالمية في القرن الجديد. ولكنه تأثر بالسلب بسبب حرب البلقان الأخيرة عندما شن حلف الناتو عام 1998 حملته العسكرية ضد يوغسلافيا، ويمكن الاستعانة بهذه الظاهرة المالية كنوع من التقييم التجاري للقوة الاقتصادية لدولة ما. فعقب مؤتمر هونج كونج لمحافظي البنوك المركزية للدول السبع الصناعية الكبرى وبنك التسويات الدولية في 11 يناير 1999 تبنت الولايات المتحدة موقف الصين على حساب عملة اليورو، وكان وسيلة أمريكية لضمان بقاء سيادتها على دول العالم، وذلك برفع نسبة اليورو الى حوالي الثلث من اجمالي مخزون العملات الأجنبية في الولايات المتحدة، كل هذه الحقائق تدل على مدى أهمية التنافس الاقتصادي، والمواجهات العسكرية، كعناصر استراتيجية مهمة ومؤثرة في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب الباردة. خلاصة القول ينبغي أن تتنبه له الدول الخليجية التي يعتمد اقتصادها بشكل أساسي على عائدات النفط، والتي تصب بعد ذلك في سوق المال العالمي، إنها سوق أشبه بحقل مليئ بالألغام ذلك أن النظام المالي الهش في معظم دول العالم قد فتح الباب على مصراعيه لظهور أزمات مالية مفاجئة، وما قد يصاحبها من تهديد كبير لاقتصاديات وأمن هذه الدول، فالصفقات العالمية للعملات والسندات المالية قد أحالت العالم الى صالة مقامرة كبيرة تلعب فيها قوانين الاقتصاد الجديد دورا هاما، كما أن صناديق التمويل على استعداد كامل الآن لشن حروب مالية جديدة على اتحاد القوة المالية الأمريكية والأوروبية، كذلك فإن الانهيار الاقتصادي في اليابان وكوريا الجنوبية ومعظم دول آسيا يرجع الى اتباعها نظما مالية بالية، ومؤسسات مالية هشة، وتراكم الديون المعدومة، مما أدى الى فتح باب القروض على مصراعيه، وانسحاب رؤوس الأموال الغربية من المشروعات الخارجية وبالتالي تعثر اقتصاديات هذه الدول والحيلولة دون قيامها من عثرتها رغم محاولات الاصلاح الأمريكية وهو ما ينبغي أن تضعه الدول الخليجية في الاعتبار عند تعاملها مع العملات الآسيوية. وتحديدا للقول، فإن الأمن الاقتصادي لدول الخليج العربية لا يقل أهمية عن الأمن العسكري لها، وهو ما يتطلب منها تأمين سلامة النفط وحركته باعتباره المصدر الرئيسي بل الوحيد لمواردها المالية، واستقرار اقتصادها، وحياة مواطنيها. كما أنه في ذات الوقت أحد الأسباب الرئيسية للصراعات العسكرية كما حدث في حرب الخليج 1991 واذا كانت بعض الدول الأوروبية تقوم اليوم باستيراد كميات ضخمة من الفحم و تخزينها في مناجم مهجورة كنوع من التأمين لمصادر الطاقة لديها في مواجهة أية أخطار مستقبلية، فإن الأولى بدول الخليج المنتجة للنفط أن تتحسب جيدا في سياسة انتاجها للنفط. كما ينبغي أن تعطي أهمية خاصة لـ (الأمن المعلوماتي) حيث سيتجه النمو الاقتصادي الى الاقتصاد المعلوماتي مستقبلا، فستعتمد الأعمال التجارية على المعرفة والشركات الحساسة لاشعال المنافسة فيما بينها على الساحة الاقتصادية، فالحرب التجارية العالمية ستظهر في شكل حروب معلوماتية، وكذا الساحة المالية العالمية ستعتمد كليا على سرعة انتقال المعلومات، وبعبارة أخرى، سيلعب استقرار المعدلات في الأسعار دورا غاية في الأهمية في اقتصاديات الكثير من الدول، ومن ثم فإن الانذار المبكر للوقاية يعتبر أساس الأمن الاقتصادي القومي لأنه يحفظ الدولة من الأخطار والأزمات الاقتصادية التي قد تهدد الدولة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه (الأمن الوقائي). بقلم: لواء ركن حسام سويلم _ خبير استراتيجي مصري