بقيت التجارة البينية بين اوروبا والدول العربية خجولة رغم وصولها الى معدلات معقولة في الآونة الاخيرة، ولعل هذا الخجل كان نابعا من طبيعة العلاقة التي فرضتها اوروبا نتيجة الانتداب المباشر على الوطن العربي, مما دفع الولايات المتحدة الامريكية الى التسلل الاقتصادي عبر اقنيتها المختلفة حيث وجدت الفرصة كبيرة للفوز بالحصة الكبيرة التي تطمح اليها اصلا، ولكن سرعان ما ادركت اوروبا ان الشرق الاوسط وخاصة الوطن العربي هو الموضوع الاهم لتجارتها الخارجية فبدأت الشراكة المتوسطية تطرح نفسها بقوة وصار التوجه المزدوج للوطن العربي واوروبا يفتح ابوابا واسعة نحو الاسواق الاقتصادية لكلا الطرفين وخاصة ان الموقع الجغرافي اعطى قيمة نسبية اضيفت الى الحساب التجاري الذي اعتمدته الاسواق سواء العربية منها او الاوروبية حتى وصلت المؤشرات الاقتصادية الى القول بأن الاسواق العربية استوعبت اكثر من ثلث استيرادها من الدول الاوروبية خلال العقدين الماضيين واتت في المرتبة الثانية اليابان ثم الولايات المتحدة الامريكية مع الاشارة الى ان اكبر المصدرين الاوروبيين للوطن العربي فرنسا ثم ايطاليا وألمانيا وانجلترا. الخليج الموحد بعد انشاء مجلس التعاون الخليجي في مايو عام 1981 والعمل بشكل جدي ليضع بعد اشهر قليلة الاتفاقية الاقتصادية الموحدة ثم الاتفاق عام 1983 على منطقة تجارة حرة تعفي بموجبها المنتجات الوطنية لدول المجلس من الرسوم الجمركية، صار العمل ينطلق نحو الاتحاد الجمركي الذي يعتبر الركيزة الرئيسية للسوق المشتركة والاتحاد الاقتصادي الخليجي الذي يمكن ان يؤدي بالمقابل الى اتحاد سياسي عربي تكون بنيته الاولى هي البنية الاقتصادية التي يسعى اليها الخليج العربي من خلال فرصة حقيقية يمكن لها ان تكون الطموح الخليجي المشروع الذي اخذ على عاتقه تجاوز العقبات القليلة نسبيا بالمقارنة مع تكتل آخر استطاع الوصول الى عملة موحدة وهو التكتل الاوروبي. فأوروبا رغم اختلاف الايديولوجية السياسية فيها استطاعت العمل ومنذ اتفاقية السوق الاوروبية المشتركة عام 1957 للوصول الى معاهدة ماستر يخيت عام 1992 رغم ما عانته قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية من حروب فيما بينها وسياسات متناقضة كان اقلها القتال العسكري الذي حصد ما حصده خلال الحرب العالمية الثانية من دمار للبنية الاقتصادية والاجتماعية والذي افرز بدوره ايديولوجيات مختلفة بل متناقضة بكل مستوياتها. وهذا المثال لا يمكن سحبه على الخليج العربي ففرصة الخليج العربي من خلال الواقع هي اكبر من الفرصة الاوروبية التي تجاوزت الحرب ووصلت الى اليورو بينما الخليج العربي ليس فيه تلك المشاكل الاوروبية وخاصة فيما يتعلق بالجانب الايديولوجي الذي يعتبر متشابها الى ابعد الحدود في رؤيته الاجتماعية والسياسية والدينية وحتى الاقتصادية، ولذلك فإن امام مجلس التعاون الخليجي واقعا مشجعا لاقامة السوق المشتركة وخاصة من خلال ما نراه عمليا فعلى سبيل المثال بلغت الشركات المساهمة بدول مجلس التعاون الخليجي التي تعطي الحق في تداول اسهمها من قبل مواطني دول المجلس، وصلت الى حوالي 280 شركة برأس مال قدر بحوالي 30 مليار دولار، كما ان التراخيص التجارية الممنوحة للمواطنين الخليجيين خارج حدود دولهم وفي دول المجلس وصلت الى 4500 ترخيص والقروض الى 5.1 مليار دولار. ونحن على موعد قريب لتطبيق الاتحاد الجمركي الخليجي بشكل كامل مع مارس 2001 وهو بطبيعة الحال لا يمكن الا ان يكون نقلة خليجية واضحة نحو التكامل الاقتصادي الخليجي ثم السوق الخليجية المشتركة والفرصة لتحقيق وحدة نقدية وبنك مركزي موحد، وبالطبع لا نجد ذلك مستبعدا امام ما حققه مجلس التعاون الخليجي من قفزات اقتصادية مشتركة بانتظار القفزات النهائية الواقعية. مصالح مشتركة وبعد انعقاد القمة الخليجية الاوروبية في مدينة دبي واشترك فيها مجموعة كبيرة من الوزراء والاقتصاديين في دول مجلس التعاون وكبار المسئولين في المفوضية الاوروبية، نتساءل عن امكانية واشكال التعامل الاقتصادي بين الطرفين؟! ففي عام 1988 اتفقت اقطار مجلس التعاون الخليجي والمجموعة الاوروبية على تحرير التبادل التجاري بينهما وقد استعرضت الدورة الرابعة والسبعون للمجلس الوزاري الخليجي في ابريل 2000 العلاقات الاقتصادية بين المجلس والاتحاد منذ توقيع اتفاقية التعاون الثنائي. وبذلك فإن من شأن المرحلة المقبلة ان تشهد تطورات كبيرة في العلاقات المشتركة بين الجانبين والتي بقيت متعثرة نسبيا بسبب الضرائب الاوروبية على النفط الخليجي. ولكن اوروبا الآن امام واقع مختلف ترى فيه مصلحة مهمة ومشتركة مع الخليج العربي ينبع من تصور استراتيجي بين الطرفين لايجاد علاقات مشتركة فأوروبا تريد التوسع في مناطق تعاملها الاقتصادي وهذا بالطبع لهدفين رئيسيين الاول الوقوف في وجه التوسع الامريكي والاقتصادي الاحادي والثاني دعم قوة تماسك مجموعتها التي تسعى الى منافسة الدول الكبرى اقتصاديا كالولايات المتحدة واليابان اضافة الى ان هذا التوسع سيفتح اسواقا جديدة لمنتجاتها ويساعدها على استيراد منتجات تلك الاسواق مما يؤدي الى تكامل بين السوقين تستفيد منه الدول الخليجية بإقامة الاستثمارات الاوروبية في مجالات الصناعة ونقل التقنيات او صناعتها في الخليج وهو الاصح كاضافة الى ان الدول الخليجية يمكن ان تستفيد من خلال مطالبتها لأوروبا بدعم التنمية الزراعية المتواضعة نتيجة الظروف الجغرافية في الخليج. ولعل أهم ما يمكن الافادة منه بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي هو التوسع في الصادرات لمواجهة تحرير الاقتصاد العالمي الذي لا يرحم الدول غير الصناعية من سيطرته وخاصة ان منتجات دول مجلس التعاون الخليجي هي منتجات تنافسية لا تكاملية وان السوق المحلية صغيرة نسبيا نتيجة قلة عدد المواطنين وهنا يمكن ان تستفيد دول المجلس من الاستثمارات الاقتصادية الصناعية اذا اعتمدت على التجارة التكاملية بين اعضائها وبين الاتحاد الاوروبي من خلال برامج بحثية مشتركة والنهوض بالبحث العلمي الاقتصادي اولا الذي يؤدي بدوره الى توزيع الاستثمارات الصناعية بشكل تكاملي وخاصة في مجالات التقانة والاتصالات والتبادل الالكتروني وبالطبع من خلال مشاريع تقام على ارض دول المجلس. ولكن هذا التبادل يجب ان يأخذ بعين الاعتبار مجموعة من القضايا الملحة اولها تحديد مستويات التعرفة الجمركية الموحدة بين الدول الخليجية. ومن ثم بين دول المجلس وبين الاتحاد الاوروبي، فقد أشارت بعض التقارير الى ان 41% من صادرات الاتحاد الاوروبي الى الخليج العربي تدخل بلا رسوم جمركية، وبالمقابل فإن الصادرات الخليجية الى اوروبا تعاني بشكل واضح من ارتفاع التعرفة الجمركية خاصة على الصناعات البتروكيمياوية وترتفع بشكل هائل ومتزايد الضرائب على النفط خليجي المصدر الى اوروبا، وبحل هذه الاشكالية يمكن اقامة منطقة تجارة حرة بين الجانبين الى جانب حل المشاكل الاخرى. ومن موقع آخر فإن دعم الاقتصاد يعتبر الموجه الاول لكل التيارات الاقتصادية التي تسعى الى المشاركة الحقيقية ويتجلى ذلك بإزالة عوائق الاستيراد والتصدير بين الطرفين ومتابعة الاصلاحات الاقتصادية والانفتاح الاقتصادي في اطار قانوني تنظيمي متحرر اضافة الى الضمانات المتبادلة بين الطرفين وهذا بطبيعة الحال يمكن ان يتوفر لدى دول المجلس والاتحاد الاوروبي. الطرف الآخر لقد سعى الاتحاد الاوروبي الى اقامة علاقات اقتصادية واسعة بينه وبين الدول العربية بشكل عام والدول الخليجية بشكل خاص بعد ان وضع الحملة الاوروبية الموحدة لتكون منافسا للدولار الامريكي واصبح الصراع الاقتصادي صراعا هجوميا يقود طرفه المهاجم »اليورو« في مقابلة »الدولار« وسعى الاتحاد الاوروبي ايضا الى تخفيض العجز في موازناته والسعي العملي نحو استقرار اسعار الصرف وبالمقابل فتح اسواقه على بعضها بشكل تكاملي، وشجع صناعات البحث العلمي لكي يكون صاحب المكانة الكبيرة في الاسواق العالمية حتى وصل حجم الانتاج الاوروبي الى حجم اكبر بحوالي 29% من اجمالي الناتج الامريكي ووصلت نسبة التجارة الاوروبية في الاسواق العالمية الى 25% وبالمقابل لم تتجاوز التجارة الامريكية 20% ومع ذلك بقيت التجارة الامريكية هي المسيطر الاقوى عالميا ولعل ذلك ينطلق من شكل العلاقات السياسية التي ما زالت قائمة في اوروبا مقابل الولايات المتحدة المجتمعة سياسيا ولكن اوروبا ظهرت في الفترة الاخيرة متحديا حقيقيا امام العولمة الامريكية كونها طرحت عملتها الموحدة التي ترتفع قليلا عن الدولار الامريكي وكأنها بذلك تسعى الى تنحيته، ودعمته بالاتحاد الاوروبي الذي يقدم افضل الصناعات مما يجعل الاستيراد الخارجي متواضعا امام ثورته الصناعية وحرية انتقال رؤوس الاموال بين الدول الاعضاء وهذا الجانب رغم انه موجه الى الدولار اولا وأخيرا لكنه انعكس بشكل سلبي على نوعية وكمية الاستيراد الاوروبي او بشكل اوضح على الدول المصدرة لأوروبا، ولكن تبقى مواجهة العولمة الامريكية الامر الاهم في التصور المستقبلي للعلاقات الخليجية الاوروبية كون هذه العلاقات يمكن ان تنشأ على اسس مشتركة تفيد كلا الطرفين من الجانب الاقتصادي الذي تحدثنا عنه ومن الجانب السياسي الذي يضعف السيطرة الاقتصادية الامريكية كونه يدخل الطرف الثالث في معادلة »المعولم« بكسر اللام و»المعولم« بفتحها وهذه المعادلة لابد ان تخل بالسيطرة الامريكية فتستطيع من خلال ذلك (الدول النامية) ان تتحرك اقتصاديا بل تبحث عن نموها ومكانتها بشكل واقعي خاصة انها بدأت تعمل بشكل فعلي لايجاد تكتل اقتصادي مهم كمجلس التعاون الخليجي. بقلم: محمد أحمد يوسف _ كاتب وصحفي فلسطيني مقيم بدمشق