يبدو ان العلاقات الخليجية ـ الاوروبية سوف تشهد تحريكا في المياه الراكدة منذ سنوات طويلة، ادت الى ان تفعل التباينات في المواقف فعلتها لصالح المتنافسين على المنطقة من امريكيين وآسيويين. واذا كان العنوان الواسع للعلاقات الخليجية ـ الاوروبية يتمحور حول الجوانب الاقتصادية والتجارية، فإن المعطيات الراهنة تنبىء بأن شيئا ما يعتمل، وان هذه العلاقة لا يمكن لها ان تستمر متراخية لتحصد اطراف اخرى نتاج هذا التراخي وعدم الشروع في معالجة القضايا الخلافية بجدية اكبر. فمنذ قيام مجلس التعاون الخليجي مطلع الثمانينيات، والحوار بين الجانبين لم يتوقف، بل ان مستوياته شهدت ارتقاء وبدت النظرة الجدية تأخذ مكانا لها على طاولة المفاوضات في العواصم الاوروبية والخليجية. ولكن ما هي النقاط الرئيسية التي يمكن الحوار فيها والوصول بها الى نهايات مرضية للطرفين بما يعزز العلاقة بينهما؟ وهل العلاقة بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الاوروبي معزولة ومفصولة عن علاقة الاخير بالعالم العربي؟ ولماذا تواجه العلاقة صعوبات في التطوير وحل الاشكالات القائمة؟ وماذا عن اليورو الذي خذله الدنماركيون قبل ايام؟ في البدء لابد من التأكيد على ان هناك عناوين واسعة يمكن الحديث فيها مثل النفط ومنطقة التجارة الحرة بما يعزز التبادل التجاري بين المنطقتين ويخلق حالة من الاتفاق على ارضيات للتعاون بين الكتلتين مجلس التعاون والاتحاد الاوروبي. الا ان الموضوعات الرئيسية التي تشغل بال الطرفين تتمحور حول السياسات الحمائية التي تمارسها دول الاتحاد الاوروبي ضد منتجات دول مجلس التعاون البتروكيماوية والالومنيوم والمنتجات النفطية المكررة. هذا من جهة. ومن جهة أخرى تعاني دول التعاون من اشكالية تعاطي الاتحاد الاوروبي معها، حيث يضغط الاخير لتوحيد التعرفة الجمركية بين دول الخليج والخارج، وهو امر تم اتخاذ قرار فيه خلال القمة الاخيرة للمجلس الاعلى تقضي بتطبيق التعرفة الموحدة مطلع العام 2005م. اذن فالمعضلة ليست سهلة بين الجانبين، خاصة وان الاتحاد الاوروبي يعتبر هذه السلع حساسة وموقفه معروف منها ولم يتغير شيء حتى الآن. وذات السلع (منتجات النفط، البتروكيماويات، الألومنيوم) هي اهم منتجات لدى مجلس التعاون الخليجي، الذي تعتمد دوله بشكل رئيسي على العوائد النفطية، وبالتالي فإن الحديث عن شراكة اوروبية خليجية بعيد المنال في الوقت الحاضر الذي ترى فيه دول الاتحاد انه مناسب لضخ المزيد من المنتجات وعقد الصفقات الاسطورية المدنية منها والعسكرية لسحب الفائض المالي بسبب ارتفاع اسعار النفط، او اعادة تدوير هذه العوائد في شكل استثمارات خليجية في بلدان الاتحاد الاوروبي، اضافة للولايات المتحدة، التي تعتبر الموقع التقليدي للاستثمارات الخليجية. ان الشروط الجديدة التي فرضتها معطيات قيام منظمة التجارة العالمية، والتطور السريع في جوهر التجارة الدولية لصالح اقتصاديات الخدمات على حساب الاقتصاد الصناعي التقليدي تفرض نمطا جديدا من العلاقات بين الجانبين، اولها ان المرجعية، في الوقت الراهن على الاقل، هي منظمة التجارة العالمية التي تتميز بنودها بشروط تخدم الاقتصاديات الاوروبية، خصوصا وان بعض دول التعاون لا تزال غير منضوية تحت لواء المنظمة الدولية، ما يعطي للاوروبيين مبررا اكثر قوة للتمسك بشروط اتفاقيات منظمة التجارة التي هي اصلا جاءت مفصلة على مقاسات الدول الصناعية الكبرى. اذن كيف يمكن الوصول الى اتفاقات محددة في ظل السياسات الحمائية التي تمارسها دول الاتحاد الاوروبي على السلع الرئيسية التي تصدرها دول المجلس؟! وفي الجانب الآخر، ومع تطورات السوق النفطية دخلت هذه المادة الخام على الخط فمورست ضغوط شديدة وكبيرة على الدول المنتجة (أوبك) كي تضاعف من انتاجها، ولم تترك المنظمة النفطية التي عقدت قبل ايام في فنزويلا قمتها الثانية من التدخلات الامريكية والاوروبية. وقد اعترف الرئيس الفرنسي جاك شيراك انه مارس ضغوطا يومية على زعماء اوبك عندما كانوا يعقدون قمتهم. بمعنى ان النفط لا شك سيكون عنصرا حاضرا في اللقاء الخليجي الاوروبي المقبل، وقد يكون عنصر تضاد وتصادم في المواقف. فما يجري في اوروبا منذ عدة اسابيع، حيث اخذت الاجتماعات مدا لم يتوقعه كثيرون من الزعماء الاوروبيين انفسهم بسبب الضرائب المتزايدة المفروضة على الوقود، لدرجة ان فرنسا التي خفضت جزءا من هذه الضريبة فقدت نحو اربعمئة مليون دولار من ميزانيتها لهذا العام. الا ان هذا قد يعالج بطريقة تراها اوروبا مناسبة اذا ما استحوذت على جزء مهم من العوائد النفطية لدول المجلس والمقدرة بـ 125 مليار دولار لهذا العام، وذلك في شكل عقود واتفاقات تجارية وعسكرية. اما مشكلة العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) فهي قد تكون احد العناصر المنفرة للتقارب المنشود بين التكتلين. فليس في الوارد اعتماد اليورو بدلا عن الدولار في تسعير النفط، على سبيل المثال، وقبل ذلك فإن خمسا من دول مجلس التعاون الخليجي تعتمد ما يسمى بـ »حقوق السحب الخاصة« اي ان العملات الخليجية، باستثناء الكويت التي تعتمد سلة عملات، مربوطة بالدولار الامريكي، وبالتالي فإن اليورو لن يكون له مكان على الاقل في المستقبل القريب، خاصة وان النفط الخام الذي تشكل عوائده في بعض دول التعاون نسبة تسعين بالمئة من الدخل القومي، وعليه فإن هناك ترابطا عضويا بين النفط والدولار الذي استمر قويا اكثر مع ارتفاع الاسعار النفطية خلال هذا العام. كما ان العملة الاوروبية التي انطلقت مطلع العام الماضي فقدت حتى الاسبوع الاخير من الشهر الفائت قرابة 28 بالمئة من قيمتها امام الدولار الامريكي. فقد انطلق اليورو بسعر صرف يساوي 17.1 دولار لليورو الواحد في يناير 1999م واصبح 85 سنتا في نهاية سبتمبر الماضي، ما يعني ثمة عدم ثقة في الاقتصاديات الاوروبية مقارنة بالاقتصاد الامريكي الذي يعتبره العديد من الخبراء انه اقتصاد متجدد ويواكب متطلبات العصر العولمية، فيما يعاني الاقتصاد الاوروبي من مشكلة تمسكه بالهياكل التقليدية التي شهدت تراجعا كبيرا في مساهماتها في الاقتصاديات الكبرى. وبقياس النمو الاقتصادي المحدود في دول الاتحاد الاوروبي مقارنة بالنمو الاقتصادي بالولايات المتحدة الامريكية، تبدو المراهنة على اليورو في غير محلها، خاصة وان ضربة مهمة قد وجهت اليه بعد ان رفض الدنماركيون الانضمام الى العملة الاوروبية الموحدة، ما يشكل عنصر ضغط جديدا اضافة للاداء الاقتصادي في دول الاتحاد وضغط ارتفاع اسعار النفط. كما ان احد استطلاعات الرأي في السويد خلص الى ان 59 بالمئة من السويديين يعارضون الانضمام الى اليورو، ناهيك عن بريطانيا التي لا يوجد لها برنامج للانضمام للعملة الاوروبية الموحدة. هذه المعطيات قد تؤسس الى تنافر خليجي اوروبي اذا ما قيست مصالح التكتلين من زاوية استخدام العملة. فالنفط المرتفع الذي هو في صالح دول التعاون، يشكل ضغطا كبيرا على المستهلك الاوروبي الذي يعاني من سياسة ضرائبية غير رحيمة من حكوماته، وبالتالي يفقد نسبة لا بأس بها من دخله، قد تؤدي به الى ان يكفر بالعملة الموحدة حتى وان كانت تقود الى الوحدة السياسية المنشودة. بُعد عربي ولكن هل ثمة بعد عربي للعلاقات الخليجية ـ الاوروبية؟ اذا كان الحديث يتمحور حول العلاقة المميزة بين الاتحاد الاوروبي ومجلس التعاون، فإن العنصر الجغرافي والتاريخي لابد وان يشكل حضورا قويا اذا ما اريد لهكذا علاقة ان تنجح وتتطور وتلبي مصالح الطرفين. فالقدرة المالية الهائلة لأوروبا لا يمكن مقارنتها بمداخيل الدول الخليجية، او حتى الدول العربية التي لا يتجاوز الناتج المحلي الاجمالي فيها مجتمعة 600 مليار دولار امريكي مقابل قرابة سبعة آلاف مليار دولار هو الناتج المحلي الاجمالي لدول الاتحاد الاوروبي، وان اي مقارنة في اي حقل من حقول الاقتصاد والتجارة، لن تكون منصفة. فعلى سبيل المثال لوجمعت الميزانية العامة لكل المصارف العربية لن تصل الى ميزانية واحد من المصارف الالمانية مثل مصرف ديوتش، وان متوسط دخل الفرد في اوروبا يزيد بمعدل 15 مرة على نظيره في البلدان العربية. ولكن بالمقابل، تستورد الدول العربية من الاتحاد الاوروبي ما نسبته 40 بالمئة من اجمالي وارداتها وتصدر له ما نسبته 28 بالمئة من اجمالي صادراتها الخارجية. نخلص الى القول بأن العلاقات الخليجية ـ الاوروبية مرتبطة بمصالح الطرفين، والتي تحدد نسق تطورها. ففي حين تقف المنتجات الرئيسية من دول المجلس للاتحاد عائقا امام شراكة فعلية، فإن النفط يشكل هو الآخر عنصر تنافر بين الجانبين. بيد ان هناك عناصر تجاذب قد تبرز للسطح تتمثل في مصلحة الاتحاد الاوروبي بأن يخلق علاقات جيدة مع بعض الاقاليم في المنطقة العربية وفي مقدمتها اقليم الخليج لمواجهة الخلاف الاوروبي ـ الامريكي الذي يتزايد في اروقة منظمة التجارة العالمية والذي ينذر ببوادر حرب تجارية ازاء بعض المنتجات. بقلم: رضي الموسوي _ كاتب بحريني