ترتبط دول مجلس التعاون الخليجي بدول الاتحاد الاوروبي بعلاقات حيوية وهامة ومميزة ومن ابرزها العلاقات الاقتصادية وتتمثل العلاقات الاقتصادية بالخصوص في مجال التجارة الخارجية وتدفق رؤوس الاموال وفي نقل التكنولوجيا وتوظيف العمالة. ففي مجال التجارة الخارجية يعتبر الاتحاد الاوروبي احد ثلاثة شركاء رئيسيين مع اليابان والولايات المتحدة، ويحتل الاتحاد الاوروبي المركز الثاني بالنسبة للصادرات السلعية الخليجية والمرتبة الاولى بالنسبة للواردات. وعلى العكس مثل ماهو الشأن بالنسبة لليابان فان التجارة الخارجية لدول مجلس التعاون الخليجي مع الاتحاد الاوروبي تتميز بعجز ضخم يؤثر سلبا على الميزان التجاري وميزان المدفوعات لهذه الدول. واذا كانت صادرات دول مجلس التعاون الى الاتحاد الاوروبي لاتزيد على 15% من اجمالي صادراتها بما فيها النفط، فان وارداتها تقارب 40% من اجمالي وارداتها السلعية بحيث ان الصادرات لاتغطي سوى 37% من الواردات اي مايزيد بقليل على الثلث. واذا كانت صادرات دول مجلس التعاون تتركز في عدد محدود من المنتجات اهمها النفط الخام الذي يتجاوز نصيبه 90% ومن بينها البتروكيماويات والالمنيوم، فان وارداتها وبصفة خاصة من الاتحاد الاوروبي متنوعة جدا وتغلب عليها المنتجات المصنعة والتي تمثل ثلاثة ارباع الواردات بالاضافة الى المنتجات الزراعية والغذائية والتي تصل نسبتها الى 10%، والعلاقة على مستوى التجارة الخارجية السلعية بين التكتلين لاتقف عند الارقام (الكمية والقيمة) بل تتعداها الى الدور الذي تلعبه كل منهما وفي اتجاه معاكس في تحديد سعر النفط الخام المنتج الاستراتيجي العالمي وما يترتب عليه من آثار ايجابية او سلبية على الطرفين بشكل متقابل في الغالب، ويمثل التكتل الاول العرض عنصرا فاعلا في تحديد حجمه ويساهم في التحكم في سعره بينما يمثل التكتل الثاني الطلب ويساهم ضمن البلدان الصناعية المستوردة للنفط في التحكم في حجم العرض والتأثير على الاسعار من خلال معدلات ونسق النمو الاقتصادي والتحكم في التكنولوجيا ومن خلال السياسة المالية باستخدام الضرائب، وبالاضافة للتجارة البينية فان حجم التبادل بين التكتلين في مجال الخدمات مرتفع جدا، ويشمل ذلك السياحة والسفر والاتصالات والنقل والشحن والخدمات المالية بالاضافة الى الخدمات المختلفة الاخرى ومن بينها التعليم والصحة. ويميل الميزان التجاري بحدة لصالح الاتحاد الاوروبي مما يؤثر سلبا على الميزان التجاري وميزان المدفوعات لدول مجلس التعاون الخليجي. ولايقتصر التعاون الاقتصادي بين التكتلين على مجال التجارة الخارجية بل يتعداه الى مجالات اخرى متنوعة ومتعددة ومن بينها مجال تدفق رؤوس الاموال حيث تشهد العلاقات بينهما حركة كثيفة في الاتجاهين، ويأتي تدفق رؤوس الاموال على شكل استثمارات مباشرة في القطاع الانتاجي او في شكل محافظ استثمارية او في شكل قروض لتمويل عمليات استثمار كبيرة او لتغطية جزء من عجز ميزانية الدولة ويساهم في ذلك القطاع الخاص الى جانب القطاع العام من الجانبين، كما يعمل في دول مجلس التعاون الخليجي عدد كبير من رعايا دول مجلس الاتحاد الاوروبي اغلبهم من العمالة الماهرة ذات الخبرة العالية تساهم بدورها في نقل التكنولوجيا المتطورة. اذا كانت العلاقات الاقتصادية بين التكتلين وثيقة ومتنامية فانها لاتزال مختلة التوازن لصالح الاتحاد الاوروبي في معظم المجالات. فحجم الصادرات الخليجية من المنتجات المصنعة غير النفطية الى الاتحاد الاوروبي على سبيل المثال ضئيل جدا يكاد لايذكر مقارنة بما تستورده هذه الدول وذلك رغم المحاولات الجادة من قبل دول مجلس التعاون في المشاركة او اقامة المعارض الصناعية داخل دول الاتحاد الاوروبي في السنوات الاخيرة، ويضغط الاتحاد الاوروبي باتجاه توحيد التعرفة الجمركية بين دول المجلس وفتح الاسواق وتطبيق اتفاقيات الجات في حين انه لم يتخذ بعد خطوات ملموسة لازالة الرسوم الجمركية والعراقيل الاخرى امام المنتجات الصناعية الخليجية او لتخفيض الدعم على منتجاته الزراعية، وقد استبدل بعض الرسوم الجمركية برقابة مشددة على المواصفات بشكل مبالغ فيه مما يحد من فرص تصدير المنتجات الصناعية الخليجية. اما حركة الاستثمار الاوروبي المباشر في القطاعات الاقتصادية غير النفطية في دول المجلس وبصفة خاصة في الصناعات التحويلية وفي المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فلاتزال ضعيفة وحركة نقل التكنولوجيا لاتزال دون المستوى المطلوب، اما بخصوص اسعار النفط فلاتزال دول الاتحاد الاوروبي تفرض رسوما عالية تصل احيانا الى 80% من سعر السوق على استهلاك المحروقات وتمول خزائن الدول بدعوى الحفاظ على البيئة وتطالب الدول المصدرة للنفط بزيادة الكمية المعروضة لتخفيض السعر بينما هي لاتتدخل عندما ينهار السعر وينزل الى مستوى يهدد مصالح المنتجين، اما على مستوى السياسة النقدية لدول مجلس التعاون الخليجي فان الامر يحتاج الى تحول نوعي تجاه العملة الاوروبية الموحدة اليورو التي اصبحت حقيقة ملموسة لايمكن تجاهلها، والملاحظ انه لايوجد تناسب بين السياسة النقدية لهذه الدول وهيكل تجارتها الخارجية من حيث التوزيع الجغرافي مما قد يعرضها لضغوط وأزمات، اذ ان الاحتياطي من العملات لدى البنوك المركزية يهيمن عليه الدولار الامريكي بينما تمثل وارداتها من اوروبا اربعة اضعاف وارداتها من الولايات المتحدة الامريكية واليابان معا، وترتبط عملات دول مجلس التعاون الخليجي بشكل ثابت بالدولار الامريكي مما يحدث ضغوطا تضخمية وانكماشا للحركة الاقتصادية عند انخفاضه وتدني القدرة التنافسية للمنتجات الصناعية غير النفطية عند ارتفاعه مما يحد من عملية تنويع مصادر الدخل، وقد آن الاوان ليحتل اليورو مكانته ليكون عامل توازن واستقرار مالي. ومن جانب اخر وتعزيزا للعلاقات التجارية والاقتصادية القائمة بين الطرفين وحتى يكون هناك توازن في المنفعة وحتى تكون هناك مراعاة مصلحة من كل طرف للطرف الآخر الامر الذي وبلاشك سيؤدي الى توثيق هذا النوع من العلاقات وضمان استمراريتها فانه من الضروري تفهم الاتحاد الاوروبي لوضع دول مجلس التعاون من حيث حاجتها الى تعزيز مصادر دخلها وتخفيف الاعتماد على الايرادات النفطية من خلال تطوير قطاعاتها الانتاجية غير النفطية وخاصة قطاع الصناعات التحويلية، فاذا كان الاتحاد الاوروبي لايأخذ بجدية مصالح دول مجلس التعاون ويحاول تعزيز مصالحه فقط فانه يتوجب على دول مجلس التعاون الخليجي التفاوض والسعي مع الاتحاد الاوروبي وتنمية مصالحه وذلك بمطالبة الاتحاد الاوروبي بضرورة تشجيع الاستثمار الاجنبي المباشر في الصناعات التحويلية في دول مجلس التعاون الخليجي وخاصة انه من اليسر تبرير ذلك حيث ان دول مجلس التعاون تقدم تسهيلات مميزة وجذابة لجذب الاستثمار الاجنبي، كما انه من الضروري ان تقوم دول مجلس التعاون في الدخول في مفاوضات مع الاتحاد الاوروبي وحثه على تخفيض الرسوم الجمركية على المنتجات المصنعة بدول مجلس التعاون وفتح اسواقه امام منتجات دول المجلس اضافة الى ذلك فان العلاقة الاقتصادية الموجودة بين الطرفين يجب ان تساهم في عملية نقل التكنولوجيا وخاصة تنمية الموارد البشرية بدول المجلس. بقلم: د. محمد صالح كمشكي _ مركز البحرين للدراسات والبحوث