تشغل عملية انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبي ساسة وقادة حكومات اوروبا, وتثير قلق تركيا بسبب تناقضات السياسة الخارجية الاوروبية, وكذلك الاتهامات التي توجهها اوروبا بان تركيا تهدر حقوق الانسان, وتتعامل مع الاقليات الكردية والمسيحية بعنصرية وتعصب. ومن ناحية ثانية تخشى تركيا على امن واستقرار الاوضاع الداخلية بسبب مخاوفها من استعداء اوروبا للمهاجرين الاتراك في اوروبا, خاصة المانيا التي يعيش على اراضيها مليونا مواطن تركي, وتنشيط اوروبا ودعمها للحركات الاسلامية الاصولية تحت زعم مناصرتها لقضايا حقوق الانسان ومساندة حرية الرأي, فوسط هذه المتناقضات والاتهامات من الجانبين تعلن اوروبا على الساحة الدولية استعدادها لقبول تركيا شريكا في الاتحاد الاوروبي, وتعلن تركيا انها قد نفذت الطلبات الاوروبية بالمحافظة على حقوق الانسان داخل بلادها, وتؤكد انها قد نفذت بدقة نصائح البنك الدوليين وصندوق النقد الدوليين, لكن كل ذلك لم يؤد لوجود سياسات واضحة من الطرفين, حيث ان سياسة المفاوضات من وراء الابواب وتحت طاولة المناقشات تؤكد مخاوف وعدم ثقة كل طرف في الآخر .. فهل يحدث ذلك بسبب خوف اوروبا من عودة العثمانيين للسيطرة على اوروبا دخولا من باب الاتحاد الاوروبي؟ ام بسبب ان تركيا دولة اسلامية لا يجب ان يكون لها مكان بين الدول المسيحية اعضاء الاتحاد الاوروبي؟ ام بسبب رغبة اوروبا في سن القوانين المدنية في دول الشرق الاوسط الاسلامية من باب تركيا؟ ايا كانت الاجابة فالحقائق واضحة وتكمن في ان لعبة السياسة لا تعرف الدين ولا الاقتصاد بقدر لغة المصالح فقط, فقد تتنازل دولة كبرى او منظمة سياسية عن مبادىء سياسية اليوم وتقبلها غدا .. وقد تغمض عيونها عن الحقوق المشروعة لممارسة شعب ما او اقلية لعقيدتها الدينية في وقت لتمرير قضية في صالحها في دولة او منطقة من العالم ثم تدافع عن ذات القضايا في مكان آخر .. وهذه هي بورصة السياسة الدولية في عصر العولمة. اكدت التقارير السياسية للجنة المسئولة عن بحث واجراء الاستعدادات لتوسيع الاتحاد الاوروبي في العاصمة البلجيكية (بروكسل) ان انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبي على المدى القريب امر لا يمكن التصدي له بعد الآن او وضع العقبات لمنعه, خاصة بعد اتخاذ القرار السياسي الذي اتخذه زعماء وقادة اوروبا في قمة هلسنكي شهر ديسمبر من العام الماضي ,99 ومنذ هذا التاريخ اعتبرت تركيا مرشحا حقيقيا لعضوية الاتحاد الاوروبي, كما اصبحت ابواب اوروبا مفتوحة تماما امام تركيا بعد اعلان حكومة اليونان ـ اقوى جيرانها عدوها التقليدي ـ بعدم استخدامها حق (الفيتو) لمنع وضع تركيا على قائمة الدول المرشحة لعضوية الاتحاد, كما ان حوادث الزلازل في تركيا قبل قرار قمة هلسنكي الاوروبية اذابت جليد معارضة دول اوروبا المسيحية التي شكلت لسنوات طويلة عقبات سياسية امام اعتبار تركيا شريكا اوروبيا, ايضا اكدت تقارير السياسة الخارجية الاوروبية ان حكومة انقرة قد قدمت وعودا للجنة الاوروبية باجراء تغييرات في دستور بلادها حتى يتماشى الدين الاسلامي مع التطورات المدنية في اطار العولمة. هذه الاسباب ادت بدورها لسحب البساط من تحت اقدام الاحزاب الاصولية المسيحية الاوروبية صاحبة النفوذ السياسي التي تمارس ضغوطا على منع حتى المفاوضات الجادة لترشيح تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبي, وعلى الرغم من هذه الحقائق الا انه لا تزال توجد ابواب لسياسة اوروبية خلفية وهو الامر الذي تكشفه مختلف تقارير ودراسات سياسية حيث ورد في بعضها (ان السؤال الذي يفرض نفسه على الدول الاوروبية المسيحية هو: كيف يمكن تحقيق ذلك مع الدين الاسلامي الذي يواجه صعوبة في ان يتكيف او يتماشى مع متطلبات عملية التحديث والتمدين التي تسير على قدم وساق في اوروبا. كان هذا السؤال هو احد الدوافع التي وقفت وراء اتخاذ اللجنة الاوروبية قرارا لبحث نتائج وتأثير انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي على الاسلام. وكذلك ما اطلقت عليه ـ اللجنة الاوروبية ـ بخطر الاسلام على دول الاتحاد الاوروبي المسيحية, اضافة لدراسة مدى استعداد الشيوخ في تجديد اسلام تركيا , وفي الوقت الذي تعلن فيه اللجنة الاوروبية ان تركيا اصبحت شريكا اوروبيا ذا قيمة عالية يحظى بالاحترام والتقدير, توجد مؤشرات ودلائل تتضمن مفارقات وتضارب في الاقوال, حيث لا تعكس السلوكيات السياسية الاوروبية نواياها الحسنة تجاه تركيا, تلك المفارقات التي تكشف اللثام عن ان تصريحات الثناء والاطراء السياسي الاوروبي على تركيا محفوفة ومحاصرة بتحفظات ومخاوف, تهدد بانخفاض اسهم تركيا في بورصة السياسة الخارجية للاتحاد الاوروبي. مخاوف اوروبية تنطلق الابحاث الديمغرافية الاوروبية من نتائج الدراسات الاجتماعية الاكاديمية التي تفيد بانه حال تحقيق انضمام تركيا الاسلامية للاتحاد الاوروبي ستصبح اكبر الدول الاعضاء من حيث تعداد السكان خلال 20 سنة, في الوقت الذي تسير فيه معدلات التطور والنمو الديموغرافي الاوروبي بخطوات اجتماعية متوازنة, تتماشى مع عمليات العرض والطلب في سوق العمل, وان الخلل في تعداد السكان بين الشعب التركي والشعوب الاوروبية الاخرى سيؤدي لتغليب الجنس التركي في المنطقة الاوروبية تدريجيا, ويوقظ من جديد النعرة القومية العثمانية ذات الاهداف الاحتكارية التي تهدف للسيطرة, كما تؤكد تقارير البعثات الدبلوماسية لسفارات دول الاتحاد الاوروبي في تركيا الى انها تعاني من مشاكل داخلية اجتماعية, ثقافية, دينية, واخطر هذه المشاكل هي الخلافات بين الاتجاهات السياسية التي تدور حول قضايا الدين الاسلامي ودورها في المجتمع العلماني المتحضر في تركيا وتباين وجهات النظر تتفاقم ولا تقترب, كما لا توجد مؤشرات اجتماعية بتحسن هذا الوضع في المستقبل القريب. قلق وشكوك وتتابع اوروبا وترصد عن كثب احداث وتطورات الساحة الداخلية التركية في قضية الدين الاسلامي بشكل خاص لذلك فان (اجاويد) رئيس وزراء تركيا يؤكد في كل مناسبة وبشكل قاطع على (علمانية الدولة التركية) وعدم التراجع عن هذا الخط, واعلن في مؤتمر دولي عقد مؤخرا في اسطنبول ان الدستور التركي ينص على فصل الدين عن الدولة, وتوجد ادارة خاصة للديانات قوامها 70 الف موظف, تحت رئاسة (محمد نوري يلمظ) الذي يقود هذه المؤسسة منذ ثمانية اعوام, وهي مؤسسة قديمة قدم الجمهورية التركية, ومهندس هذه المؤسسة هو (كمال اتاتورك) الذي انشأها عام ,1923 ولما لمؤسسة الديانات من اهمية بالغة في تركيا, وانطلاقا من معرفة اللجنة الاوروبية بان هذه المؤسسة لها دور قوي ومؤثر في الحياة الدينية لانها تقوم بوضع خطط بناء المساجد ومناهج الدراسات الدينية, وكذلك بتعيين رجالات الدين بوظائف التدريس والدعوة وهم مسئولون امام (مؤسسات الديانات) قانونيا, وتخضع هذه المؤسسة لرئاسة رئيس الوزراء مباشرة, ايضا تقع تحت مسئولية هذه المؤسسة حماية حرية الاديان الاخرى, ورعاية الاقليات, لذلك فان اللجنة الاوروبية كثفت مؤخرا علاقتها بـ (محمد يلمظ) رئيس مؤسسة الديانات, وهي تطالبه صراحة بالاهتمام بالاقليات المسيحية وحمايتها, وسلمته مؤخرا تقريرا رسميا عما وصفته (باهدار حقوق الاقليات المسيحية في تركيا, وجاء رد يلمظ بانه يجري اتصالات مستمرة ويعقد لقاءات بين ممثلي الاديان الثلاثة (الاسلامية واليهودية والمسيحية) مؤكدا بان الخلافات بين ابناء هذه الاديان طفيفة, ايضا اشار الى الاستعداد وسعة الرحب من الفاتيكان لاستقباله في روما تؤكد مدى تعاملات مؤسسة الديانات مع كافة الاديان بتوازن واعتدال. لم تقتنع اللجنة الاوروبية بردود ودفاعات (محمد يلمظ) رئيس مؤسسة ديانات, وقدمت له تقريرا ثانيا بناء على معلومات الكنيسة الكاثوليكية والانجيلية في تركيا, جاء فيه ان الاقليات المسيحية في تركيا لا تحظى بحماية مؤسسة الديانات, واشتكى التقرير مما اطلق عليه بالمعاملة العدائية لشيوخ المسلمين تجاه المسيحيين, وانهم لا يثقوا في الاقليات المسيحية, وانه توجد تفرقة عنصرية في معاملة الدولة حيث من يريد بناء مسجد جديد يستطيع الحصول على ترخيص في يوم واحد بينما يتعطل تصريح بناء كنيسة لسنوات طويلة, اضافة الى ان السلطات التركية قد القت القبض على عدد من المبشرين التابعين للكنيسة الانجيلية اثناء توزيعهم لنسخ من الانجيل في الشوارع, وان مؤسسة الديانات تحمي مصالح 65 مليون نسمة من المسلمين, ولا توفر ذات الحماية للاقليات المسيحية. واشار التقرير الى ان الجيش التركي يحمي مصالحه ويحافظ على النظام في الداخل ويهدر مصالح المسيحيين, في الوقت الذي تحمي فيه اوروبا مصالح المسلمين المقيمين على اراضيها, وفي اشارة ضمنية هدد التقرير باللعب بورقة المسلمين في اوروبا وامكانية استعداءهم على النظام التركي, لو سمحت السلطات الاوروبية الامنية باطلاق الحرية للاصولية الاسلامية. ورقة تهديد لا ترى تركيا مشاكل مستقبلية حقيقية في انضمامها لعضوية الاتحاد الاوروبي, بقدر ما تخشى تنامي الحركات الاسلامية الاصولية التركية واستعداءها لاتراك اوروبا على النظام السياسي في تركيا, والاتحاد الاوروبي يهدد بهذه الورقة من تحت طاولات المفاوضات السياسية التركية الاوروبية, وهو الامر الذي لا يخفى على الحكومة التركية, حتى ان نظرة المجتمعات والحكومات الاوروبية للسياسة التركية وتقييم تركيا يتم على اساس تصرفات وسلوكيات المهاجرين الاتراك في دول الاتحاد الاوروبي, وهو تقييم خاطىء وفقا لتصريح (عارف سويت) مستشار مؤسسة الديانات التركية في العاصمة السياسية لهولندا (لاهاي) واضاف بان ذهاب الاتراك المسلمين المهاجرين في اوروبا للمسجد ليس فقط بسبب ممارسة العقائد الدينية, وانما يعتبر المسجد بالنسبة لهم ملتقى اجتماعيا وله ايضا ـ المسجد ـ وظيفة اقتصادية. مؤكدا ان الاعتقاد السائد لدى حكومات دول الاتحاد الاوروبي بان المساجد التركية هي امتداد للحكومة التركية هو امر خاطىء ايضا, في ذات الوقت اكد (محمد يلمظ) في تصريح له ان الخطر الحقيقي هو من المسلمين الاتراك في المهجر, وبالتحديد في المانيا التي يعيش على اراضيها حوالي 2 مليون مسلم تركي, وهؤلاء حينما يتم استعداؤهم على الحكومة التركية سواء عن قصد او بدون تخطيط, فهذا يشكل خطرا كبيرا على امن واستقرار الاوضاع في تركيا, واضاف (يلمظ) ان مؤسسة الديانات التي يرأسها تسيطر على احوال المسلمين داخل تركيا بدون مشاكل, لكن مسلمي تركيا في المهجر لهم حرية بناء المساجد والمدارس دون متابعة من مؤسسة ديانات, وان توجهاتهم العقائدية تسير على منهج الجهاد, وان هذه المساجد تعتبر عشا صالحا وخصبا لتفريخ التطرف الاصولي, ويجذب الارهاب ضد تركيا, وقد اشار باصابع الاتهام الى الحكومات الاوروبية التي تدعم هؤلاء بالمال وتوفر لهم الحماية تحت زعم حماية حرية الرأى وحقوق الانسان, وان هؤلاء يتستروا وراء دعم السياسات الاوروبية لهذه القضايا لممارسة العنف من ابواب الدين ضد تركيا, وليس (يلمظ) وحده الذي يتهم اوروبا, بل رئيس الوزراء التركي (اجاويد) الذي اعلن مؤخرا ان الحكومة التركية ينتابها القلق بسبب العنصرية ضد الاتراك المسلمين في اوروبا, واشار الى ان الابحاث الاوروبية تؤكد على ان نسبة 65% من مجتمعات الغرب اوروبية تمارس العنصرية ضدهم,واعرب عن مرارته تجاه هذا الامر. على الرغم من ان حكومة انقرة لا يغيب عنها وجود تيارات اوروبية مسيحية متعصبة تسعى لترسيخ المخاوف الاوروبية من انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبي, ووجود متناقضات وتضارب في تصريحات سياسة ومؤسسات الاتحاد الاوروبية, الا ان هذا لم يمنعها من التحرك على كافة المحاور السياسية, فحكومة انقرة تعلن في كل مناسبة ان عملية انضمام بلادها لعضوية الاتحاد الاوروبي لا تسير بالسرعة المطلوبة, وقد تجسد هذا الامر في اعلان رئيس الوزراء التركي (اجاويد) عن وجهة النظر التركية قائلا: بانه سيبذل مزيدا من الجهود خلال الاعوام المقبلة لدفع واسراع هذه العملية, مؤكدا ان بلاده تعلق آمالا كبيرة على انضمام بلاده للاتحاد وان تركيا تتوقع تحقيق فوائد اقتصادية, خاصة وانها نفذت وبدقة نصائح كلا من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي خلال الاعوام السابقة, وباعتزاز شديد ابلغت الدوائر الاقتصادية التركية اللجنة الاوروبية في بروكسل ان ـ تركيا ـ تمكنت للمرة الاولى منذ عام 1993 من خفض التضخم بنسبة اقل من 3% وانها تستطيع المضي قدما لتحقيق نسبة اقل من ذلك. أهداف تركيا وحول موضوع انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي التقى (بيان الاربعاء) في هولندا بخبير الشئون الاوروبية التركية اوزجوزال وكان معه هذا الحوار: * لماذا تستمر مساعي الحكومة التركية للانضمام لعضوية الاتحاد الاوروبي على الرغم من مواجهتها لحالات من الرفض, والنقد الاوروبي الذي يصل لحد التدخل في سياستها الداخلية؟ ـ تركيا لها اهداف استراتيجية كثيرة تريد تحقيقها منها ما يدخل في اطار الطموح الاقتصادي, واخرى من اجل الامن الوقائي, وثالثا لرغبتها الخفية في استعادتها لنفوذ الحضارة العثمانية القديمة من جديد, وتعطشها لدور ريادي في منطقة الشرق الاوسط وفقا لعملية تقسيم نوعي مقبولة تتماشى مع قواعد النظام العالمي الجديد, ووضع نفسها طرفا في توازن قوى بين (اوروبا وامريكا) ككتلة, لتتقاسم الدور الذي منحه او فرضه الغرب لاسرائيل وسط العالم العربي ومعظم دوله الاسلامية, ومن ناحية ثانية كمعبر سياسي واقتصادي وعسكري بين العرب والغرب من ناحية اخرى, وهي ـ تركيا ـ تريد في ذات الوقت ان تكون حليفا كاملا للغرب, حيث انضمامها لعضوية الاتحاد الاوروبي يضمن لها ترجيح كفتها لدى الغرب على دولة قوية مثل ايران في الخليج ومصر ذات الموقع الجغرافي المتميز, وهي تريد ايضا اثبات قدرتها على لعب دور التوأم الذي يستطيع التعامل مع العرب والمسلمين افضل من ماتقوم به (الدولة العبرية) او المصالح التي تتبناها اسرائيل نيابة عن الغرب في العالم العربي. * هل تتفق معي في ان هذه احلام طموحة للغاية؟ وحتى في حالة انضمام تركيا لعضوية الاتحاد الاوروبي يكون من الصعب تحقيق اهدافها وسط المتغيرات الدولية المستمرة؟ ـ قد تكون اهداف طموحة صعبة التحقيق لكن توجد مؤشرات تبين ارتفاع اسهمها السياسية لدى الغرب ويواكب ذلك احتمالات تنامي الدور التركي في الشرق الاوسط, خاصة وان المناخ السياسي وطبيعة التعاملات ونظرة الحكومات وبعض الشعوب العربية لاسرائيل قد تغيرت, فاسرائيل بالنسبة للعرب لم تعد العدو التقليدي القديم, فمصر باعتبارها اكبر الدول العربية تربطها اتفاقية سلام معها, ومنظمة التحرير الفلسطينية قد تخلت وتعهدت عن استخدام الكفاح المسلح وسيلة لاسترداد اراضيها وهي تعيش منذ مباحثات مدريد واتفاقية اوسلو في مباحثات سلام مع اسرائيل, وسوريا شريك سلام محتمل, اما دول الخليج العربي فتربطها اتفاقيات ضمنية غير مكتوبة بالغرب ولم تعد تشكل اي نوع من الخطر على اسرائيل خاصة بعد حرب الخليج الثانية التي وقفت فيه اسرائيل بجانب قوات التحالف ضد العراق حينما اعتدى على دولة الكويت (عضو مجلس التعاون الخليجي) , فهذا المناخ هو ارضية خصبة لتركيا لتكون بمثابة معبر سياسي واقتصادي وعسكري بين العرب والغرب كما اوضحت آنفا, فعلى الرغم من القوة العسكرية التي تملكها اسرائيل, وقد تكون متفوقة بها على العرب, الا ان الرواسب النفسية والموروثات العدائية لاتزال تقف في طريق حلم التطبيع مع الشعوب العربية, وبالتالي لا تتمكن بالشكل المطلوب من تحقيق الاهداف الاقتصادية للغرب في المنطقة العربية, اما تركيا باعتبارها دولة اسلامية فمن السهل عليها لعب دور التوأم النصف اوروبي الذي يستطيع التعامل مع العرب والمسلمين افضل من اسرائيل, ويقوم نيابة عن الغرب بتبني مصالحه في العالم العربي, لتعويض اوجه القصور الاسرائيلية. الدور التركي لماذا؟ * ولماذا تركيا بالذات لكي تقوم بهذا الدور المتميز للغرب؟ ـ موقعها الجغرافي حيث لها حدود استراتيجية مع اليونان الدولة المسيحية العريقة التي لها تاريخ وروابط اوروبية قديمة, فالخلافات الحدودية بين تركيا واليونان حول قبرص في طريق حلها, وكذلك حدودها مع سوريا والعراق, وكونها تقع على بحر ايجه والبحرين الابيض المتوسط والاسود ولا يجب اغفال عنصر الدين الاسلامي الذي يربطها بالدول العربية الاسلامية, ولذات الاسباب كانت تركيا هي الدولة الاسلامية الوحيدة التي انضمت لعضوية حلف شمال الاطلسي العسكري, الذي رأى في تركيا واحداً من الفواصل الاستراتيجية بين روسيا والغرب وحليف مهم ابان فترة الحرب الباردة, لذلك لم تعترض اي من الدول الاوروبية على انضمامها للحلف العسكري لان المسألة كانت حياة او موت بالنسبة للغرب, وان كانت مؤخرا تظهر اعتراضات على انضمامها لعضوية الاتحاد الاوروبي فذلك لان الحرب الباردة قد انتهت, ومطالب اللجنة الاوروبية لتركيا في اطار تحسين اوضاع حقوق الاقليات هي مطالب شرعية, وان كانت بعض الظروف ذريعة تستخدمها الاحزاب المسيحية الاوروبية المتعصبة ضد تركيا الاسلامية. * هل سيؤثر انضمام تركيا للاتحاد الاوروبي بالسلب على الدول العربية او منطقة الشرق الاوسط اذا جاز الوصف؟ ـ فقط في حالة واحدة وهي ان لم تسع الدول العربية وبسرعة شديدة لنبذ خلافاتها والتوصل لصيغة تكتل اقتصادي عربي فعال يقوم على تبادل المصالح العربية, فلا اخفيك سرا ان الدول العربية تكاد تكون هي المنطقة الوحيدة في العالم التي توجد فيها اهم واكبر وافضل مقومات عمل سوق عربية مشتركة او ما شابه ذلك, لكن شعوبها تعاني الفقر والخلافات السياسية بين حكوماتها والتي تنهش قواها وتهدر مواردها وثرواتها القومية, لذلك لو بقي حالها على ماهو فستتقدم تركيا وتحصل على ميزات اقتصادية كبيرة بانضمامها للاتحاد الاوروبي, وتزداد تبعية العالم العربي للغرب كله وربما لتركيا ايضا. بروكسل ـ سعيد السبكي