ان المتتبع للتطورات في العالم يعلم بان توازن القوى بين الدول يختلف من زمان لآخر, والمتعمق في مجال الصراعات في العالم, يدرك ان ادوات الصراع واساليبه تتطور مع الزمن, وما هندسة الجينات الا مرحلة متطورة من مراحل الصراع البيولوجي, الذي انتهى به العالم ظاهريا, الى اخراج اتفاقية حظر استخدام السلاح البيولوجي, والذي وقعت عليه معظم دول العالم, فهل تستطيع الجزم ان وسائل الصراع في العالم ستشهد ام انها تشهد فعلا, بعد استهلاك الارض والماء والفضاء, تحولا الى البشرية ومحاولة السيطرة وفرض القوة من خلال التحكم بالجينات الوراثية لمختلف الكائنات الحية سواء الاحياء الدقيقة او الانسان والنبات والحيوان. تعرف التقانة الحيوية, والتي تعتبر هندسة الجينات جزءا منها, بانها الاساليب والوسائل التي يستفيد فيها الانسان من الكائنات الحية الدقيقة من بكتيريا وطحالب وفطريات وغيرها ... او من خلايا في جسم الكائن الحي, كما في حالة الاستفادة من خلايا جسم النباتات او الحيوان او قد تكون من بعض مكونات الخلايا وافرازاتها مثل الانزيمات. ويستطيع الانسان الاستفادة من التقانة الحيوية في جميع مناحي الحياة. وعلى سبيل المثال: نستفيد في الزراعة في مجالات اجنة الحيوانات, السماد العضوي, مبيدات واعلاف, اما في الطاقة فنستطيع انتاج الكحول والغاز الحيوي, وفي الغذاء نستطيع انتاج الالبان, والفيتامينات وانواع من الاسماك, ونستطيع الاستفادة في حقل الصحة في انتاج المضادات الحيوية, لقاحات, هرمونات, اجسام مضادة, وفي الصناعات الخدمية نستطيع استخدام التقانة الحيوية في معالجة المياه العادمة, تنقية المياه واستخراج النفط. ويمكن القول ان معرفة الانسان العلمية بالتقانة الحيوية بدأت قبل اكثر من ستة آلاف سنة, عندما استخدم البابليون الخميرة لانتاج الكحول, ومنذ ذلك الوقت تطورت هذه التقانة من تقليدية الى علمية ثم تقانة حيوية حديثة تتسارع منجزاتها وتتنوع بشكل كبير جدا تمثل سمة العصر وطموح الانسان في المستقبل وفيما يلي ابرز مظاهر تطور التقانة الحيوية عبر التاريخ. حقق العلماء في بداية السبعينيات من القرن العشرين اكتشافات هامة ذات علاقة بمادة الوراثة في الكائنات الحية, مما اتاح المجال للمرة الاولى التحكم بمادة الوراثة وتغيير تركيبها بما يلبي حاجات الانسان المختلفة, واستفادة الباحثون من ذلك حيث تعلموا كيفية عزل جينات من خلايا كائنات حية مختلفة, ووضعها في بلازميدات بكتيريا ثم اعادة هذه البلازميدات ذات التركيب الوراثي الجديد الى البكتيريا. وفي اواخر عام 1970 تأسست اول شركة لهندسة الجينات في العالم وهي شركة genetench وفي عام 1982 تم في بريطانيا بناء اول مصنع تقانة حيوية حديثة في العالم, من بين منتجاته انسولين بشري لمعالجة مرضى السكري, ويوجد في العالم اليوم آلاف الشركات للتقانة الحيوية, تصل مبيعاتها الى عشرات المليارات من الدولارات سنويا. ومن المتطلبات الاساسية لتحقيق تقانة هندسة الجينات تحديد الجينات المسئولة عن المواد المراد انتاجها وتحديد مواقعها في كروموسومات الكائن الحي, لذا يعمل العلماء على رسم خرائط كاملة لمختلف الكائنات الحية. ويتعاونون حاليا لرسم خريطة جينات الانسان, التي من المتوقع نشرها كاملة في عام 2003 وذلك ضمن برنامج دولي تقدر كلفته ثلاثة مليارات دولار. وقد ادى تزايد فهم العلماء لتركيب المادة الوراثية وآلية عملها الى تطورات مهمة في مجال تغيير وتركيب هذه المادة, ومن ابرز هذه التطورات اعادة بناء مركب dna عن طريق ربط جزأين مختلفين من dna معا باستخدام انزيم الربط ligase ما يطلق عليه تكنولوجيا dna معاد التركيب recombinant dna, وتسمى طرائق تكوين تراكيب جينية جديدة (هندسة الجينات) . آلية هندسة الجينات وتطبيقاتها يمكن تلخيص هذه الآلية بما يلي: أـ تحديد الجين المسئول عن تكوين البروتين المطلوب بنائه ثم استخلاصه. ب ـ اضافة الجين المستخلص الى dna حلقي او بلازيد لخلية البكتيريا. ج ـ تكثير البكتيريا المحتوية على الجين الجديد. تمكن العلماء من خلال استخدام هندسة الجينات من تكوين افراد نباتية وحيوانية تحمل صفات غير موجودة فيها اصلا, مثال ذلك انها وفرت طريقة لانتاج كميات كبيرة من المواد الضرورية مثل الانترفيرون, وهو بروتين يساعد في محاربة الفيروسات, وهرمون النمو البشري وهرمون الانسولين الذي يستخدم في معالجة مرض السكري, والمادة المخثرة التي تستخدم في معالجة مرض نزف الدم. واستفاد المزارعون من هندسة الجينات, فقد تم ادخال بعض الجينات داخل انواع نباتية, فاصبحت قادرة على مقاومة الامراض والحشرات ومبيدات الاعشاب الضارة, وتهدف هندسة الجينات الى تحسين المحاصيل الزراعية مثل الذرة والقمح باستخدام تراكيب جينية جديدة تمكن النبات من تثبيت نيتروجين الجو ووضع مركباته النيتروجينية. وقد بدأت اول ممارسة للزراعات المعالجة وراثيا في الولايات المتحدة عام ,1994 وانتشرت بسرعة البرق مشتملة زراعة فول الصويا والتي تشكل ما نسبته 2% من المحصول العالمي, والتي تدخل زيوته في حفظ الاغذية المعدلة جينيا والمعدة للبيع, وهذه الزراعة تشكل انتاج ما نسبته 30% من زيت الذرة وزيت بذور القطن داخل الولايات المتحدة. وتتركز زراعة البذور المعالجة بهندسة الجينات في الولايات المتحدة حيث شكلت في عام 1998 ما نسبته 74% من انتاج العالم وبنمو 49 مليون فدان. ويمكن للتقانة الحديثة زراعة الانسجة النباتية لانتاج اعداد كبيرة من نباتات متماثلة كليا, وذات صفات مرغوبة وبكلفة بسيطة. وتم تطبيق هندسة الجينات على الانسجة الحيوانية بما يطلق عليه الاستنساخ, حيث نجحت اول تجارب استنساخ حيوانات من خلايا جسمية دون عملية الاخصاب في عام ,1962 عندما توصل العالم البريطاني جوردون الى تبنيه خلايا اخذت من امعاء ضفدع الى تكوين شراغيف مكتملة النمو, وتبع ذلك تجارب ناجحة استنسخت فيها جرذان وارانب وخراف وقردة من خلايا جسمية, وفي بداية عام 1997 استخدم العالم البريطاني وايثمن عملية الاستنساخ لتكوين نعجة مماثلة كليا لامها, اطلق اسم دوللي, وذلك من خلال تنمية خلية جسمية مأخوذة من ضرع الام وكانت هذه اول عملية استنساخ ناجحة لحيوان ثدي. واستخدمت هندسة الجينات لزيادة كمية الحليب في الابقار وتسمين بعض الحيوانات, ولا ننسى الهندسة الجينية للغذاء البحري التي ادت الى انتاج اسماك بطعم وبنية مختلفين. وفي مجال التعليم, نجح العلماء في تحقيق تقدم ملحوظ في تصحيح الاضطرابات الجينية, بعد تحديد العلاقة بين الجينات وكيفية عمل الدماغ واصبح ممكنا زرع خلايا الدماغ في المختبرات لغايات الدراسة وهنا يجدر الاشارة الى ان صناعة ابحاث وتشخيص الجينات تضخمت في الولايات المتحدة لتصل الى حوالي 15 مليار دولار. وفي مجال الصناعات, من المتوقع ان تحتل شركات ابحاث الهندسة الجينية المركز الاول اقتصاديا في العالم وخاصة بعد الانتهاء من وضع الخريطة الجينية الكاملة للانسان, ويوضح مؤشر الاسهم لهذه الشركات ذلك, خاصة عندما ترى ان مؤشر اسهم هذه الشركات ارتفع بشكل كبير بعد اعلان بيل كلينتون وتوني بلير 50% ولا تزال الولايات المتحدة تسيطر على سوق التقانة الحيوية, حيث تقدر قيمة المصانع الامريكية العاملة في هذا المجال بـ 380 مليار دولار, مقارنة مع مصانع الادوية التي تقدر بـ 570 مليار دولار, ويتوقع الخبراء ان شركات الهندسة الجينية ستأخذ دورها الاهم في القريب العاجل وتتخطى شركات الانترنت والكمبيوتر .. الخ. بريطانيا في المرتبة الثانية ويتوقع ان تتبع بريطانيا الولايات المتحدة في السيطرة على هذه الصناعة, خاصة عندما نعلم ان سهم شركة كامبرديج لهندسة الجينات مثلا ارتفع من 5.16 بنسا الى 50.30 دولارا منذ بداية التسعينيات في القرن الماضي. وفي الولايات المتحدة اصبح الآن يتعين على الراغبين في الالتحاق بسلك الشرطة والمطافىء والجيش والتعليم ان يخضعوا للفحص الجيني, ومع ان شركات التأمين, التي تغطي مصاريف هذه الفحوصات, كانت تحجم عن اجرائها, الا انه مع ارتفاع نسبة دقة هذه الفحوصات وانخفاض الكلفة لها, اخذت هذه الشركات تجري الفحوصات لحسابها, وتحدد قيمة التأمين واقساطه حسب نتائج هذه الفحوصات, وترفض الشركات او توافق على التأمين وفقا لهذه النتائج. وبناء على تقنية جربت على الابقار, صار في الامكان تتبع العيوب الجيلية في الخلايا المخصبة التي يبلغ عمرها اياما قليلة وذلك عبر الاخصاب الاصطناعي ويجري خلال العملية اختيار خلية صغيرة , واذا وجد فيها ما يشير الى مرض او تشوه يصار الى التخلص من هذه الخلايا. ونتيجة للعلاج الجيني هذا, تم تحسين وسائل منع الحمل ما امكن تفادي الاجهاض والضجة السياسية المصاحبة له حيث اكد استطلاع الرأى ان 73% من الامريكيين يؤيدون الآن العلاج الجيني لتحسين مواصفات الاطفال الجسدية او درجة ذكائهم, وذلك يمثل ارتفاعا كبيرا في عام ,1992 فهناك اكثر من 000.100 طفل انبوب ولد في الولايات المتحدة فقط منذ اول ولادة طفل انابيب عام 1978 (لويس براون) . ويؤكد العلماء ان احتمالية استنساخ انسان كامل ستتم عام 2025 او قبلها عن طريق تنبيه خلية مأخوذه من جسم الانسان وجعلها تنمو, كما الشجرة, ويمكن تحسين هذه النسخة وخلق اجيال اكثر ذكاء وتستخدم البصمة الوراثية والتي تعطي صفات وراثية خاصة بالشخص صاحب هذه البصمة, في اغراض البحث الجنائي وغيرها. انتاج الانسان السوبر كتبت احدى الصحف البريطانية في بداية التسعينيات ان طالب ثانوية بريطانيا قرر هو وعدد من اصدقائه افتتاح مختبر للبويضات والحيوانات المنوية لغايات التلقيح الاصطناعي, وركزوا في اختيار منتوجهم على اخذها من اناس يتمتعون بصفات محددة من الذكاء والجمال, الخ وكانت النتائج ( الطلب على هذا المنتج) مذهلة بالرغم من ارتفاع تكاليف التلقيح, وهنا يتبادر الى الذهن تساؤل: ماهي طبيعة العلاقات البشرية في المستقبل؟ وكيف ستكون وهل سيبقى للزواج والعلاقات الانسانية الاهمية ذاتها التي هي عليها الآن؟ هل سيستمر الزواج هو الوسيلة الامثل للانجاب في ظل وجود وسائل اكثر سهولة وأقل التزاما وبنتائج مضمونة اكثر. يرجع بدء البحث عن الاسرار بيولوجيا الى عام 1900 عندما اعيد اكتشاف قوانين مندل للوراثة. كما اكتشفوا بعد عام 1910 الكثير من تفصيلات الوراثة المندلية, وذلك من خلال الدراسات عن ذبابة الفاكهة, لانها مادة تلائم البحث فهي تتكاثر بسرعة كما يمكن التحكم في تكاثرها تجريبيا, على عكس الانسان الذي يتصف تكاثره بالبطء والاستقلالية والخصوصية, الا انه رغم كل ذلك, بدأت الجهود فور اعادة اكتشاف قوانين مندل لاختبار مدى امكانية تطبيقها على وراثة الانسان, وفي عام 1907 كان قد اتضح بشكل مقنع ان المندلية يمكن ان تفسر وراثة لون العين, كما تفسر شذوذا موروثا في الايض يسمى البول الالكبتوني. ويرجع تاريخ تربية اناس افضل الى افلاطون, لكن الصبغة الحديثة نشأت على يدي فرانسيس جالتون, في اواخر القرن التاسع عشر, حيث قال انه من الجائز تحسين الجنس البشري بنفس الطريقة التي يربى بها النبات والحيوان, وهو من اطلق على برنامج تحسين البشر اسم (اليوجينيا) والذي يعني (طيب الارومة) بالاغريقية, وكان جالتون يهدف من خلال هذا الموضوع تحسين سلالة الانسان بالتخلص مما يسمى الصفات غير المرغوبة والاكثار من الصفات المرغوبة, وسائد الحركة علمانيون بارزون وعلماء, ممن وجدوا في هذا العلم طريقا لوقف التدهور الاجتماعي الممثل بالانحلال الاجتماعي والسلوكي في المجتمع الصناعي المدني ـ الجريمة, احياء الفقراء القذرة, الامراض المتفشية ـ ورأوا ان اسباب هذا الانحلال تكمن في جوهر الوراثة, وهناك جزء جوهري آخر من هذا البرنامج يعني بتحليل صفات زعم انها تسهم في زيادة العبء الاجتماعي, كالطبيعة السلوكية والمزاجية التي قد تكون السبب في ادمان الكحول والبغاء والاجرام والفقر, وكذلك القصور الذهني, الذي كان يحدد باختبارات الذكاء وكان يعتبر اصل اشكال كثيرة من السلوك الاجتماعي المنحط. التحكم بالجينات ومن اهم المعاهد التي اهتمت بالموضوع معمل جالتون لليوجينيا القومية بكلية الجامعة في لندن, معهد كاربنجي في واشنطن, معهد القيصر فيلهلم لبحوث الطب العقلي في المانيا, وانشىء عام 1923 في ميونيخ كرسي لصحة السلالة, وفي عام 1927 معهد القيصر فيلهلم لانثروبولوجيا ووراثة الانسان واليوجينيا. جمع الباحثون في هذه المعامل بيانات تتعلق بوراثة الانسان, وذلك بفحص السجلات المرضية واجراء دراسات على العائلات الممتدة والدراسات على التوائم, وفي عام 1926 كان مكتب السجل اليوجيني قد جمع من دراسته ومسوحه ما يقرب من 65 الف صحيفة من مخطوطات التقارير الحقلية, 30 الف صحيفة من سجلات الصفات الخاصة, 8500 قائمة من الصفات العائلية, 1900 سجل مطبوع من سجلات النسب وتاريخ المدن والسير الشخصية. عم التحامل الطبقي والعرقي العالم اليوجيني, وقدمت اليوجينا في اوروبا الشمالية والولايات المتحدة معايير للملاءمة والقيمة الاجتماعية, يغلب عليها اللون الابيض, الطبقة الوسطى, البروتستانتية ـ معايير تنطبق على العرق الآري فقط وعموما, واوصى العلماء بالتدخل في تكاثر البشر لرفع تكرار الجينات الطبية اجتماعيا في العشيرة, وخفض تكرار الجينات الرديئة, وهذا التدخل له وجهان: الاول ايجابي من خلال معالجة وراثة البشر وتوليد اناس افضل, اما الثاني فهو سلبي من خلال تحسين نوعية السلالة البشرية بتخليصها من (المنحطين بيولوجيا), من خلال منع (المتخلفين) عن الانجاب او مقاومة دخولهم للجماعات البشرية عن طريق الهجرة, وظهر في الولايات المتحدة منافسات (افضل العائلات) في العشرينيات في عدد من معارض الولايات, بقسم (الثروة البشرية) كمعرض كانساس الحر عام 1923 حيث تسلمت العائلات الرابحة تذكارا للعائلة الافضل من الفئات الثلاث ـ الصغيرة, المتوسطة والكبيرة ـ ويصعب معرفة ما يميز هذه العائلات عن غيرهم, لكن ثمة شواهد على ان المتبارين كان عليهم الخضوع لاختبار الذكاء واختبار فاسرمان للزهري. على الطرف الآخر تم تمرير قوانين التعقيم اليوجيني, ففي اواخر العشرينيات من القرن الماضي تم وضع مسودات وسن قوانين في الولايات المتحدة حول هذا الموضوع, واعلن عن دستورية هذه القوانين عام 1927 في محكمة العدل العليا, خلال الحكم في قضية (بانك مندبيل) , عندما اعلن القاضي اوليفر هولمز ان من رأيه ان ثلاثة اجيال من البلهاء تكفي, وكانت ولاية كاليفورنيا هي الولاية القائدة في هذا الموضوع حيث عقمت يوجينيا بدءا من عام 1933 عددا من الناس يزيد على ما عقمته الولايات المتحدة مجتمعة. فضل الباحثون الجدد لوراثة الانسان البحث في صفات جيدة التحديد ذات توزيع واضح, ورحبوا بحماس بالغ بالابحاث التي كانت تتزايد بسرعة عن مجاميع الدم في الانسان, والتي كانت تفصح عن انماط وراثية تبدو متفقة وقوانين مندل, تحديد هويتها يسيرا وتعمل تواسمات وراثية دقيقة وشاملة. الابحاث تتوالى وتوالت الابحاث على مر السنين, وكان اكثر التقدم اثارة هو ابتكار dna المطعم في عام ,1973 تلك التقنية التي يمكن بها ان نقص قطعة من dna ثم نولجها بآخر. وفي نهاية السبعينيات ادرك العلماء انه لما كانت الرفثيبات (تباينات طول شظايا التحديد) مبعثرة عبر كل الكروموسومات, فانها تشكل شبكة من الواسمات الوراثية يمكن ان تكون مرجعا لوضع كل جين على الخريطة الوراثية. في عام 1980 كان عدد الجينات التي وضعت على الخريطة هو ,450 وفي منتصف الثمانينيات تضاعف العدد ثلاث مرات ليصل الى 1500 جين, وليرتفع العدد الآن الى اكثر من 2000 جين ويتوقع اكتمال خريطة الشيفرة الوراثية خلال عام او عامين فقط. كانت الولايات المتحدة تسبق اوروبا بمراحل عديدة, فمن بين الف مؤسسة ـ وجد مسح قامت به الامم المتحدة ترتبط بالتقانة الحيوية بالدرجة الاولى ـ ما يقرب النصف في الولايات المتحدة وما يقرب الثلث في بريطانيا وكانت الولايات المتحدة واوروبا معا تنفقان 80% مما ينفق من اعتمادات حالية على بحوث الشيفرة الوراثية للانسان (الجينوم البشري) اما اليابان فتنفق 5% فقط لكن اليابانيين بدأوا يهتمون بالموضوع اكثر وفي عام 1987 اعلنت اليابان في قمة فينيسيا الاقتصادية للدول الصناعية الكبرى (جماعة السبعة) انها تقيم البرنامج العلمي الكشاف للوراثة والبيولوجيا الجزئية, ودعت بقية دول جماعة السبعة للاشتراك به, وكان اليابانيون يتحركون نحو مشروع ضخم للشيفرة الوراثية البشرية خاصا بهم منذ بداية الثمانينيات. بحوث الشيفرة الوراثية في فترة 87 ـ 1988 كانت بحوث الشيفرة الوراثية للانسان تحتشد في اوروبا في بضع دول منها: بريطانيا, فرنسا, ايطاليا, المانيا الغربية, هولندا والدنمرك, والاتحاد السوفييتي. كل هذا التراكض نحو ابحاث الشيفرة الوراثية, دفع سيدني بيرنر البيولوجي البارز في جامعة كيمبريدج: الى التفكير في ايجاد منظمة دولية في هذا المجال, وفي ابريل 1988 عرض بيرنر الفكرة على تجمع للشيفرة الوراثية للانسان, وفي سبتبمر 1988 شكل رسميا مجلس تأسيس لمنظمة الشيفرة الوراثية البشرية (هوجو) في اجتماع عقد في مونترو بسويسرا, وكان المشروع يمول تمويلا خاصا معظمه من معهد دوارد هيور الطبي والصندوق الامبريالي لبحوث السرطان, وكان الهدف منه المساعدة في تنسيق بحوث الشيفرة الوراثية البشرية دوليا, وتعزيز تبادل المعلومات والمواد والتكنولوجيا, وتشجيع دراسات الشيفرة الوراثية على كائنات اخرى غير الانسان كالفئران .. الخ. في عام 1988 احال مجلس الوزراء الاوروبي مشروع الشيفرة الوراثية البشرية الى البرلمان الاوروبي, وشكل البرلمان لجنة لدراسة المشروع وعمل التعديلات اللازمة عليه قبل عرضه على البرلمان لمصادقته, وفي عام 1989 صدقت لجنة الطاقة على تقرير اللجنة الذي نص على رفض المشروع وطلبت من البرلمان المصادقة عليه بعد اجراء 38 تعديلا في مجملها مخططة في الدرجة الاولى لاستبعاد سياسة صحية موجهة يوجينيا لمنع البحوث التي تحاول تحوير الخط الجرثومي البشري او لحماية الخصوصية والسرية لبيانات الفرد الوراثية, ولضمان استمرار الجدال الدائر عن الابعاد الاجتماعية والاخلاقية والقانونية لبحوث الوراثة البشرية. وفي منتصف فبراير 1989 وافق البرلمان الاوروبي على رفض المشروع وبمشاركة كافة الاطراف مما دفع بمفوضي اللجنة الاوروبية للبحوث والتطوير في اوائل ابريل 1989 الى ان يجمد الى اجل غير مسمى تمويل جماعة للشيفرة الوراثية البشرية, واستند في قراره هذا على ان الموضوع يحتاج للتفكير لانك ان وجدت المحافظين البريطانيين يتفقون في الرأي مع الالمان الخضر فستدرك ان الامر جد خطير. بعد ذلك تمكنت الجهات المعنية على اجراء تعديلات على المشروع, مما انتج مشروعا جديدا يتطلب برنامجا مدته ثلاث سنوات لتحليل الشيفرة الوراثية البشرية ذاته, دون الالتفاف الى الطب التنبؤي,. شبح النازية خيم شبح اليوجينيا على التفكير في مشروع الشيفرة الوراثية البشرية في الولايات المتحدة كذلك, ففي عام 1990 لاحظ الكاتب الصحفي روبرت رايت من صحيفة (الجمهورية الجديدة) ان البيولوجيين والاخلاقيين ـ اذ يتذكرون المانيا النازية ـ قد بذلوا جهودا كبيرة يحذرون من الانحدار اليوجيني, وانه لم ننتبه للامر فقد تعود حكومة مرة ثانية الى التفكير بسلالة بشرية فائقة, واثار الكونجرس الامريكي بشقيه الديمقراطي والجمهوري الشكوك حول هذه المشاريع والتخوفات منها. الا ان الشريحة التي كانت اكثر حساسية للمخاطر اليوجينية وللتحديات الاخلاقية للمشروع هم القادة العلميين, وعلى رأسهم جيمس واطسون, الذي نشر عام 1971 مقالة بمجلة (اطلانطيك) تحت عنوان الاتجاه نحو الانسان (المستنسخ) محذرا من انه لايجوز للمجتمع ان يترك العلماء وحدهم يتخذون القرار بالنسبة لتكنولوجيات التكاثر الجديدة, كاطفال الانابيب, ومن الافضل للمجتمع ان يشجع الجدل حول التطمينات الاجتماعية للعلم, حتى لا نواجه احتمال (ان نضيع يوما ما, وفجأة حريتنا في الاختيار) . في عام 1991 تم اعلان ان مشروع الجينوم البشري برنامج فيدرالي رسمي وخصص له نحو 135 مليون دولار, ليتحرك بسرعة بعد ان ترسخت بنيته التحتية بشكل ملائم, وكانت خمسة مراكز من مراكز المعهد القومي للصحة تعمل على خريطة الجينات البشرية, واحد على خرطنة جينات الفئران, واحد على تجديد التتابعات الكروموسومية للخميرة, وانهمكت اربعة مشاريع اضافية ـ تمول من المعهد ووزارة الطاقة ـ في جهود واسعة النطاق للسلسلة والابتكار.وكان مشروع الجينوم البشري يجمع بثبات: التكنولوجيا والخبرة اللازمتين للوصول الى الكأس البيولوجية والمتوقع لاول تتابع بشري كامل ان يكون عن شخص تركيبي: له كروموسومات الجنس (س. ص) مما يجعله عرفا ذكرا, ولكن هذا سيحمل في الواقع كروموسومات ذكرية انثوية من بضع امم ـ الولايات المتحدة, الدول الاوروبية, اليابان. مزيجا متعدد الجنسيات متعدد السلالات. هندسة الجينات عسكرياً الاسلحة البيولوجية واستخداماتها: يمكن تعريف الحرب البيولوجية على انها الاستخدام الحذر للميكروبات العضوية او المواد السامة المشتقة من خلايا حية ضد العدو وذلك للقتل او الاصابة او اضعاف الوجود البشري او الحيواني او النباتي الذي يعتمد عليه. وكان يسمى بنقيض الصحة العامة المسبب للمرض سواء الفيروسي او البكتيري, الفطري, الميكروبي, وتستخدم هذه التقانة في شن حروب لا منتهية حيث يمكن استخدامها عسكريا من خلال الاضرار بصحة العدو سياسيا. ان الناظر لاي لائحة عسكرية للاسلحة يراها تتضمن اعدادا من الامراض الانسانية المخيفة, ربما كانت طريقة تصنيف الامور اقل خطورة الا ان ذكر اسماء بعض هذه الامراض يرافقه الدعاء بان تبقى هذه الامراض حكرا على الماضي, واكثرها رعبا مرض الجمرة, وتسببه بكتيريا تقضي على الحيوان والانسان في آن واحد. عمان ـ (البيان) ـ اعداد انتصار العزيزات