بالرغم من كل السرية المحيطة بالصراع البيولوجي, والذي يعتبر احد طرق الاستراتيجية العسكرية, الا ان المؤرخين يرجعون تاريخ استخدامه الى آلاف السنين والى الحضارات اليونانية والرومانية والصينية. ويقال ان اول استخدام للصراع البيولوجي يعود الى 600 قبل الميلاد عندما قام حكماء اليونان بتسميم منابع مدينة كيرا من خلال جذور نبتة عشبية سامة ـ وبالرغم من اعتبار ذلك طريقة بدائية الا انها تعتبر تسميما بيولوجيا. وقام جيش التتار, خلال القرن الرابع عشر, بمحاصرة مدينة كرايمن في كافا, وهي جزء من روسيا الآن, وقام الجيش بقذف اجساد ضحايا وباء الطاعون عبر سور المدينة لنشر هذا الوباء بين المواطنين واحتلال المدينة. وخلال القرن الثامن عشر, قام الجنود البريطانيون, ومن بعدهم الحكومة الامريكية, وبطريقة متعمدة باصابة السكان الاصليين لشمال امريكا ـ الهنود ـ بفيروس الجدري المميت من خلال تزويدهم ببضائع معلبة ملوثة بهذا المرض. ورغم كل هذه الاستخدامات, الا ان اهمية الاسلحة البيولوجية كأساس حقيقي لتوسعة وتطوير الصراع, بدأت تظهر فقط خلال القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين, وهذه الاهمية اثرت على جدية الابحاث العلمية في الكائنات الحية الدقيقة, من خلال السماح للعملاء بعزل وزراعة الكائنات المسببة للمرض في المختبرات. مما فتح الباب امام التشخيص الطبي والمعالجة لعدد من الامراض المعدية التي ارعبت البشرية عبر التاريخ, ولكن هذه الاكتشافات مكنت الناس, في الوقت نفسه, من تطوير مستوى فاعلية الامراض المعدية لانهاء الحرب عسكريا. الحرب العالمية الاولى وتعتبر الحرب العالمية الاولى, افضل الحالات لتعرف واقع انتاج ادوات الصراع الكيميائي والبيولوجي واستخدامها في جبهات القتال. فخلال هذه الحرب استنشقت الجيوش المتقاتلة اكثر من 000.100 طن من الغاز السام ـ الكلور اولا ثم الفوسجين (غاز عديم اللون وكريه الرائحة) واخيرا غاز الخردل, مما تسبب في اصابة الجنود بالتقرحات, والاختناقات واصابات بالعجز, كل ذلك احصى 3.1 مليون جندي وقتل حوالي مئة الف آخر. وبدأت الدول بتراشق الاتهامات والادعاءات عند ادخال ادوات الحرب البيولوجية في المصانع العسكرية. ففي عام 1915 اتهمت امريكا شركة المانية انها لقمت وبطريقة سرية شحنة خيول وماشية قادمة من الارجنتين ببكتيريا معدية. وبعد ذلك بعامين عاد ادعاء مشابه يقول بان اوروبا انتجت عدوى للمواشي من خلال مرض الجمرة والرعام ( مرض يصيب الخيول) ويمتد تأثيره على البشر. وبالرغم من حظر استخدام الاسلحة البيولوجية في اتفاقية جنيف عام 1925 الا ان تطوير الحروب الكيميائية والبيولوجية استمر, ففي عام 1936 واثناء اجراء ابحاث لمبيدات حشرية في مصانع خاصة, استطاع علماء المان اكتشاف وصفة تشكل جيلا جديدا من الاسلحة الكيميائية الاكثر فتكا. وحمل هذا انتاج ماركة تجارية مثل َقف ,ىْف ,فٍُ. وتقوم هذه العائلة الكيميائية بشل الاعصاب وقطع الاتصال بين الخلايا العصبية في جسم الضحية. وكان الاعتقاد السائد هو ان هتلر اضحى قاب قوسين من استخدام المخزون الالماني الضخم من غاز الاعصاب خلال حملته اليائسة في الحرب العالمية الثانية, الا انه قرر في نهاية الامر, وبدافع الخوف من انتقام الحلفاء, عدم استخدام هذه الاستراتيجية ونص تقرير رسمي على ان تشرشل كان يفكر جديا في نشر هذا الغاز على المدن الالمانية عبر هجوم جوي, وقد تقرر في النهاية ايقاف هذا الهجوم لاسباب تقنية خاصة بالموضوع. وبات من الواضح, وحتى قبل انتهاء الحرب ان جيوش كلا الطرفين, الحلفاء ودول المحور (وخاصة اليابان) معنية وبشكل جدي بمتابعة التطورات في مجل الاسلحة البيولوجية, فمثلا دول الحلفاء (بريطانيا, امريكا كندا) جمعت خبرات علماءها في المراكز البحثية الحكومية للاسلحة البيولوجية من امثال مراكز: لَفٌٌّْفح ,وكىْم ٍِف ,فَمقٌء -لٌمىننس ,لَفٌهَ َى َُ َُُْذ وغيرها .. لتطوير الابحاث في مجال بعض انواع البكتيريا المعدنية ذات التأثير القوي, لتكون سلاحا يستخدم ضد دول المحور, وقد وضعت بريطانيا وامريكا, قبل نهاية الحرب , خطة لانتاج الالاف من حجم 2كج من القنابل المحتوية على مسبب للجدري, التي صممت لتوضع ضمن قنابل عنقودية تزن اكثر من 200 كج تنفجر في الجو, وكان من المفروض ان تصنع هذه القنابل في مصانع في الهند, وانتهت الحرب قبل تصميم هذا المنتج الخطير. الا ان بريطانيا استطاعت انتاج وتخزين حوالي 5 ملايين من مادة الجدري التي انتجت لقتل اجيال من مواشي العدو. وكان اليابانيون اول من اوجد برنامجا بحثيا خاصا بالاسلحة البيولوجية, في الحرب العالمية الثانية, اذ جمعوا مجموعة من العلماء والخبراء في التكنولوجيا البيولوجية في اول مركز عالمي متخصص بالاسلحة البيولوجية عام ,1937 في قرية مغولية وادعة (بنج فان) قرب مدينة هاربن, وكرست جهود هذا الجمع من العلماء لاختراع قنابل بيولوجية وتم البحث في مسببات امراض عدة منها: التيفوئيد, التيفوس, التسمم الناتج عن اللحوم الفاسدة, الطاعون, الكوليرا, الحمى, الجدري, فكانوا يقومون بتنحية ومراقبة ما يزيد على 7 اطنان من البكتيريا في الشهر الواحد مزروعة في اوعية مخبرية, وتم تفجير الاف القنابل البيولوجية وقتل الكثير من الحيوانات الاليفة ـ في تجارب التعرف على مدى تأثير هذه القنابل. وذهب علماء هاربن الى ماهو ابعد من ذلك, عندما تعمدوا اختيار سجناء الحرب واخضاعهم لتجاربهم واصابتهم بعدد من الامراض الفتاكة, وفي بعض الاحيان, كانا يقيدون السجناء ويعرضونهم الى شظايا قنابل ملوثة بجراثيم الجدري, والتي بمجرد تسببها بجرح الشخص يمكن ان يؤدي الى موته, وكان لهؤلاء السجناء ـ صينيون وبريطانيون, وامريكان, واستراليون الاثار الاكبر في تحسين معرفة الامم بالصراع البيولوجي, ويقال ان الولايات المتحدة وعدد من الدول الغربية طورت اسلحتها البيولوجية عن طريق استيراد خبراء بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. الحرب العالمية الثانية كان هناك ادعاءات مختلفة حول وقوع حالات تسمم ناتج عن استخدام الاسلحة البيولوجية خلال السنوات اللاحقة لنهاية الحرب. الا ان هذه الادعاءات كلها كانت تخلو من الادلة المقنعة وكانت تأخذ مسار المناقشات المحمومة التي وظفت من خلال حملات دعائية مأجورة من قبل مصادر القوة المتلهفة لتبرير الابحاث التي تقوم بها وتغليفها بقالب الابحاث الدفاعية للاسلحة البيولوجية وتصوير برامج الاعدام ـ الطرف الآخر ـ على انها ابحاث هجومية. وحاولت الولايات المتحدة اصابة شمال كوريا ببكتيريا الطاعون اوائل 1950 كما حاولت نشر فيروس وبائي من خلال الماشية والحيوانات الاليفة في كوبا في الستينيات. اما الاتحاد السوفييتي, فقد اتهم بعدد من حالات نشر فيروس الجدري على الحدود في 1979 نتيجة لحدوث خلل في مصنع اسلحة بيولوجية في مدينة سفير دولفتسك, وكان دليل ذلك ظهور فطريات حمية ـ في وارتورن, كمبوديا وافغانستان بالعودة الى تقارير العلماء الاولية حول الموضوع يتضح ان نشر اوبئة مميتة توجب استخدام ادوات كيميائية اكثر قسوة, وان ما اطلق عليه بالمطر الاصفر ماهو الى مركب من لقاح غير مؤذي هو غبار يطرح مادة صفراء عن طريق النمل الطائر. ولا يوجد برهان قاطع على ان كافة التجارب التي كانت تتم كانت لدعم وتطوير العقلية العسكرية, اكثر من زيادة موازنة التسلح للنظام الدفاعي البيولوجي, فقد خصصت الولايات المتحدة لذلك حوالي 15 مليون دولار في 1980 وزادت الى حوالي 70 مليون دولار في 1987. واذا عدنا الى موازنة العلوم, نرى ان وزارة الدفاع الامريكية خصصت حوالي 100 مليون دولار للابحاث البيولوجية في المصانع البيولوجية الخاصة والمعاهد الاكاديمية, وكانت كافة الابحاث تتركز حول اعادة تشكيل مركب الوراثة النووي فَل وكيفية الاستفادة من ذلك لانتاج عدد من الامراض لغايات عسكرية, آخذين بعين الاعتبار محاولة عدم تعريض المواطنين الام الامريكيين او الجنود المرابطين على الحدود بهذه الامراض. وفي عام 1985 اوضح تقرير الجيش الامريكي ان 39 مليون دولار صرفت على برنامج الاسلحة البيولوجية الدفاعية, اما التقارير السوفييتية فكانت اقل وضوحا, حيث اوضحت وجود موازنات للبرنامج الا انها لم تذكر المبالغ التي صرفت. واوصت اللجنة الاستفسارية الفيدرالية لاعادة تشكيل (فَل) وتسمى (ءز) في الولايات المتحدة بجعل المسئولية العلمية في هذا الموضوع تعود الى الابحاث الفيدرالية المدعومة بواسطة المعاهد المحلية للصحة, والتي اثبتت ان الاهتمام بابحاث التركيب الجيني ماهو الا للغايات العسكرية. القنبلة البيولوجية بداية يتبادر السؤال التالي: ما الفائدة التي تجنيها الدول العظمى من السعي لتطوير اسلحتها البيولوجية في ظل وجود اسلحة تقليدية خشنة وقنبلة نووية؟ الفوائد كثيرة اهمها: تحويل الصراع بين الدول من صراع تقليدي الى صراع غير تقليدي, ففي المقام الاول الاسلحة البيولوجية اكثر انتقائية ـ فاهمية الدقة والسرعة ليست ضرورية ـ اضافة الى ان حجم التدمير يكن اكبر بكثير مما يحدثه الحريق او الانفجار وحتى الرصاص, حيث تستطيع اضعاف وتدمير جيش العدو دون الحاق الضرر بقيمة الخاصية الفيزيائية للسلاح, فالطبيعة قادرة على تخزين فيروس الامراض, والاسلحة البيولوجية توفر كذلك مساحة واسعة من التحركات العسكرية, من خلال سرعة معالجة الهجوم باستخدام آلية لنشر الاوبئة عبر آلاف الهكتارات من حقول غذاء للعدو. وبالمقارنة مع الاسلحة النووية, فان الاسلحة البيولوجية ارخص بشكل كبير. فهي سهلة الانتاج ـ تتضاعف ذاتيا ـ وسهلة النقل. كما انها تغري بالهجوم السري. فالجرثوم المنتج بالهندسة الجينية يتحول عمليا وبشكل سري عن شكله الطبيعي. كما ان الكائنات الحية تتطلب وقتا للنمو والتأثير, فالاسلحة البيولوجية اذن لديها خاصية امتلاك تأجيل الوقت للهجوم حيث تستطيع تثبيت الساعات الحاسمة لايام واسابيع تتيح من خلال ذلك للجهة المستخدمة لهذا السلاح الهرب ـ مما يجعل عملية تتبع المصدر الوبائي الفجائي مستحيلا. وهناك عدد من السيئات الواضحة لهذا السلاح اهمها: ان اي دولة لها مؤسسة عسكرية قادرة على انتاج امراض بشرية فتاكة. مما يضعف الوقع السياسي للصراع البيولوجي الذي يستطيع افقاده الميزة العسكرية خلال وقت قصير. وهناك سيئة اخرى تتمثل بعدم امكانية التنبوء باي شيء بالمصانع العسكرية التي تعتمد على النظام البيولوجي. حيث ان الجينات المتغيرة في اجيال الكائنات الحية وتقدم عملية التطور تصعب تحديد التأثيرات فمن بيئة متغيرة من طقس ورياح وتلوث بيئي, كل ذلك يمنع ايجاد ضمانات تكتيكية خلال شن الهجوم بالاسلحة البيولوجية حيث يبقى الخوف من ارتداد الاوبئة مما يتسبب وبطريقة غير مقصودة بقتل جنود الدولة التي تشن الهجوم, او المجتمعات المدنية التي تعيش بجوار الدولة المعتدى عليها, بالرغم من انتاج اللقاحات المضادة لهذه الاوبئة. فاتساع مساحة الحرب في الصراع البيولوجي تجعلنا متأكدين من عدم وجود لقاحات كافية. بالرغم من كثرة الروايات التي تتحدث عن ايجاد لقاحات مقاومة, مطورة جينيا ومسيطر عليها بواسطة العلماء العسكريين, تستطيع خلق اجيال محصنة غير مخترقة ضد اي هجوم بيولوجي مستقبلي. فمن خلال هندسة الجينات يمكن انتاج اجيال لا تحصى من الاسلحة البيولوجية ما يجعل هذه الروايات خداع خطير للعقل البشري, اضف الى ذلك على حد قول علماء الاحياء الامريكيين انه يمكن اضافة تعديلات بامكانها تغيير نظام علم الاحياء في امريكا. فيروسات هجومية أم اسلحة دفاعية الحافز الاهم في انشغال الامم في ابحاث الاسلحة البيولوجية هو احداث التوازن في القوى العسكرية, حيث يقاس الوضع السياسي للدولة بقوة برنامجها للاسلحة البيولوجية وطموح علمائها العاملين في هذا المجال. ما نستطيع تأكيده هو خوف الدول من المنافسين العاملين بسرية وامكانية استخدامهم لاستراتيجيات علمية جديدة لتصميم عامل هندسة جيني خاص بها ضد ما تمتلكه الدول الاخرى, حتى وان كان الاجراء المضاد بدائيا جدا. كل هذا الخوف دفع الدول العظمى الى ايجاد معاهدة دولية تحظر استخدام الاسلحة البيولوجية وتؤكد على وجوب احترامها, تعزيزها وتقويتها. وكانت الدول تخترق هذه الاتفاقية من خلال اصرارها على اعتبار برنامجها هو دفاعي, فكانت تقول ان استخدام اعادة تشكيل فَل تكنولوجيا في ابحاث الاسلحة البيولوجية يرتبط فقط بابحاث الوقاية العسكرية كايجاد لقاحات للهندسة الجينية, اختبارات التشخيص قبل الولادة, رسم طرق النقل ـ للاستعداد لاي هجوم محتمل, ورغم كل هذه الادعاءات يتأكد يوما بعد يوم انه لافرق بين برامج الدفاع والهجوم للاسلحة البيولوجية. فما يطلقون عليه لقاحات ودروع بيولوجية دفاعية ماهي الا اساس ايضا لنظام الاسلحة البيولوجية الهجومية, وحاجة النظام العسكري الحديث لخبراء في اساليب الدفاع ضد عوامل الصراع البيولوجي يصعب مواجهة بدء اي هجوم دفاعي. ايضا لاحظ علماء الجينات ان معظم التكنولوجيا المتمكننة والتي وظفت لتطوير نظام الدفاع البيولوجي هي نفسها التي تستخدم للهجوم لتصميم لقاح لوباء بيولوجي, اولا يجب نسخ سلسلة فَل للمادة السامة مما يسمح بتصنيع كميات من هذه المادة, وكذلك يجب ايجاد كائنات حية لتجربة هذا اللقاح, ومن الممكن جدا ان تكون هذه الكائنات بشرا. ويمكن تعديل الجينات وانتاج جراثيم تنتج اجيالا جديدة من جراثيم سوبر لها تأثير اكثر فعالية من الجراثيم العادية في قتل وابادة جيوش الاعداء. الأسلحة العرقية في عام 1970 كتب احد العلماء في الصحيفة العسكرية الامريكية (مىمْ ٌّْفىٌىح) انه يمكن تطوير الجراثيم الى ما يسمى بأسلحة عرقية كعامل من الصراع البيولوجي والذي يميز بين الامم البشرية. والفكرة ببساطة هو انتاج جراثيم تصيب مجموعة عرقية معينة ولا تصيب غيرهم. مما يدفع بالجيوش الى انتاج اسلحة بيولوجية دفاعية تحصن اجساد جنودهم ضد اي هجوم سواء من قبلهم او من قبل الطرف الآخر, ووضع العلماء قوائم بعدد من الامراض التي تصيب مجموعات عرقية دون غيرها الا انه للآن لم يتم ايجاد اي دليل على هذه الابحاث كغيرها من ابحاث هندسة الجينات التي تحاط بسرية كاملة. و يستطيع العلماء من خلال هذه الطريقة انتاج وباء سام ومميت يصعب مقاومته من الكائنات الحية. وتستطيع الدولة المهاجمة ادخال الجين السام الى الاطعمة باجزاء من الجرام الواحد. مما حدا بمنظمة الصحة العالمية باعلان ان اقل من كيلوجرام واحد من هذا الجين قادرة على تسميم مصادر المياه لمدينة في شمال امريكا يقطنها 000.50 شخص, تستطيع قتل 60% منهم خلال 24 ساعة فقط. تستخدم هندسة الجينات لنشر اوبئة زراعية في الدول وخاصة الفقيرة ودول العالم الثالث, لاجبارها على شراء المبيدات التي تنتجها الدول الصناعية, اي بمعنى آخر لفتح اسواق جديدة لصناعات المبيدات في خارج الدول المنتجة, وقدمت محطة الجزيرة الفضائية والتي تبث من دولة قطر, في شهر ابريل 2000 وضمن برنامج (بلا حدود) حلقة خاصة عن الاغذية والزراعات المعدلة وراثيا, حذرت خلال الحلقة د. مريم نور, اخصائية الغذاء الطبيعي, من مخاطر توالي الاكتشافات العلمية في هذا القرن في امريكا واوروبا في مجال هندسة الجينات في الغذاء كخطوة لا تعرف ابعادها التطبيقية على البيئة الطبيعية وصحة الانسان, وقالت انه ومنذ حدوث مرض جنون البقر في بريطانيا واوروبا والناس بدأت تحارب لحوم الابقار, وجميع مشتقات الحليب ومعارضة الاغذية المعالجة بالهندسة الوراثية من اجل الاكثار من اصناف معينة من الاطعمة, ورغم توقيع بروتوكول حماية الانسان المستهلك من مخاطر الغذاء المهندس جينيا في اوائل فبراير من العام 2000 في مدينة مونتريال الكندية, فما زال الخوف قائما من طفرات التقدم العلمي الحديث الذي يصيب الانسان في اجهزة المناعة والحساسية. الاخلاقيات وهندسة الجينات في عام ,1975 وخلال مؤتمر علمي وجه مجموعة من المشاركين استغاثة عاجلة الى العالم لحظر استخدام الاسلحة البيولوجية, واجابهم خبراء حظر الاسلحة ان استخدام الجينات المتوارثة من الكائنات الحية لغايات عسكرية محظورة وبشكل واضح قبل ,1975 حيث وقعت اتفاقية حظر السلاح البيولوجي في عام 1972 وتم المصادقة عليها من قبل معظم دول العالم, بما فيها الاتحاد السوفييتي وامريكا, ودخلت الاتفاقية حيز التنفيذ في عام 1975 ونصت الاتفاقية على حظر انتاج, وتطوير, وتخزين اي نوع من اعادة تكوين الاسلحة البيولوجية تحت اي ظرف. ولكن لان هذه الاتفاقية وقعت قبل تطور علم الهندسة الجينية واعادة تشكيل فَل فان اسلحة هندسة الجينات لم تدخل ضمن بنودها. ويقول العلماء ان اتفاقية حظر الاسلحة البيولوجية ضعيفة ولاتعني شيئا. لانها لاتنص على الحد الادنى للتخزين واضافة الى ذلك يمكن وضع اسم ابحاث على اي برنامج لتطوير الاسلحة البيولوجية وعدم ذكر الاستخدام العسكري لها ظاهريا. وقد حاول عدد كبير من العلماء ومنظمات دولية وضع حدود اخلاقية لتتحكم باستخدام ابتكارات هندسة الجينات, الا ان كل العوائق الاخلاقية ليست ملزمة لاحد ولا تشكل اي اجراء حازم ضد مستخدم هذه الثورة العلمية لتطوير برنامجه العسكري. وتقول سوزان رايت وروبرت ل. ساينشمير في بيان صادر باسم علماء الذرة, من مختلف الدول, في نوفمبر عام 1983. ان الحاجة الى علم بيولوجي حديث يتطلب فتح كافة الموضوعات المتعلقة بنزع الاسلحة البيولوجية . ونظرة واحدة تكفي للتنبؤ .. وينص مبدأ اخلاقي في الحرب, من جمعية اطباء العالم على : (يعتقد انه من غير الاخلاق ان يضعف الاطباء القوة الفيزيائية والعقلية للانسان دون استخدام عادل للمعالجة الوراثية. وتوظيف المعرفة العلمية لتهديد الصحة وتدمير الحياة) . وقد ثارت ضجة اخلاقية مؤخرا حول زرع اعضاء الخنازير المستنسخة للانسان, حيث قال علماء ان هذه التكنولوجيا الجريئة تثير العديد من التساؤلات حول من الذي اعطى الانسان حق تغيير السلالات ولماذا يتحمل الحيوان كل هذه المعاناة والقسوة لاطالة عمر الانسان بضع سنوات وهل سيؤدي زراعة عضو خنزير للانسان في احداث تغييرات جوهرية عند الملتقي. هل يمكن أن تنتقل الفيروسات الحيوانية إلى الإنسان مما سيشكل خطرا على صحة الانسان. وتعيش الدول منذ بدايات مشروع الشيفرة الوراثية البشرية حرب البراءات والتجارة في العناصر الاجرائية لحق البكورية في هذا المشروع, ان كان ثمة ماهو حق في هذه البكورية الا انه تبدو الاسباب الواضحة لهذه الحرب سياسية اقتصادية وليست اخلاقية بحد ذاتها. فالهدف الاول لنظام تسجيل البراءات هو تشجيع الابتكار التكنولوجي اما المعلومات الجينومية, هي من حيث المبدء ملكية شائعة, مما يوجد اختلالات لان براءات الابتكار تحدد الاستخدام والملكية فيها خاصة. ومن هنا تتضح مشكلة الاحتكار التي ستظهر في المستقبل وهي التي ستحدد اخلاقيات الاستخدام في هذا المجال. لا مكان للأخلاق الاخلاقيات الاجتماعية, لا مكان لها في هذا العلم, فيعرف الوراثيون ان البلهاء لا ينجبون بالضرورة بلهاء, وان التخلف العقلي قد ينشأ عن اسباب كثيرة لا علاقة لها بالوراثة الا انه ورغم ذلك اعلنت بضع حكومات عن سياسات يوجينية فجة, عندما استنكر الرئيس السنغافوري عام 1984 معدل الولادة المنخفض بين المتعلمات, ولجأ الى المغالطة, ان ذكاءهن اعلى من المتوسط, ثم فهن يتسببن في تدهور المستودع الجيني للدولة, وفي عام 1988 اصدرت مقاطعة جانسو الصينية قانونا يوجينيا يحسن نوعية السكان من خلال منع زواج المتخلفين عقليا الا بعد ان يعقموا .. الخ واصدرت اللجنة البيولوجية الدولية في منظمة اليونسكو كقى وثيقة في عام 1996 حول الشيفرة الوراثية البشرية وحقوق الانسان, تضمنت هذه الوثيقة 23 مادة قسمت الى 7 اقسام تناولت اعتبار الجين البشري لعنصر اساسي للارث الانساني ويدخل في كل ظروف حياتنا لذلك يجب تحديد حقوق الانسان التي يجب عدم تجاوزها في هذا المجال كعدم التميز بين البشر على اساس صفات جينية. وان لكل شخص الحق في الاستفادة من مميزات البيولوجيا والجينات مع كامل الاحترام لحقوقه وكرامته ووجوب تحديد الاستخدام الجيني وابحاثه على مجالات القضاء على المعاناة وتطوير الصحة وتحسين ظروف المعيشة للفرد. واكدت الوثيقة على اهمية حماية المعلومات الجينية للشخص والتي تستخدم لاهداف بحثية والتعامل معها بسرية تامة, وان لايتم استخدام هذه المعلومات الا بعد الموافقة على ذلك من قبل الشخص المعني ودون اي ضغوط تمارس عليه. ونصت الوثيقة كذلك على الحقوق والواجبات للباحثين في هذا المجال ومسئوليات الدول وضرورة التنسيق الدولي. وحثت الدول على دعم وتشجيع الابحاث ومراكز المعلومات وزيادة وعي المجتمعات بمسئولياتهم وقاعدة الاحتمالات باستخدام البيولوجيا والجينات. يمكن مما سبق ان نستخلص عدة ملاحظات نوجزها بما يلي: 1) ان التحديات الاخلاقية لمشروع الشيفرة الوراثية البشرية لم تأت عن مناوشات خاصة في التحسين الوراثي للانسان, ولا عن برامج يوجينية تفرضها الدولة, انما تأتي عن نفس المادة التي سيستنسخها المشروع بوفرة: المعلومات الوراثية, وهنا تبرز التحديات والتي تتمثل في طريقة التحكم في هذه المعلومات, ونشرها واستخدامها في بيئة اقتصاديات السوق. 2) ان اكتساب المعلومات الوراثية من خلال الاختبارات الوراثية قد تسبب آثارا موجعة عندما تكشف مثلا ان عائلة تحمل جين مرض ما, لا يعرف له علاج. في هذه الحالة قد تساعد الاستشارة الوراثية الابوين في اتخاذ قرارات تكاثرية, لكن اختبارات ما بعد الحمل قد تبين ان الجنين لم يحالفه الحظ, وهنا نرى ايضا التأثير الذي يتركه الاختبار الجيني الاجتماعي الاقتصادي من خلال فرض اجراء هذه الاختبارات عند شركات التأمين على الحياة وشركات التوظيف, حيث قد تستخدم هذه المعلومات كسبب لرفض التوظيف او طلب التأمين على الحياة. او رفع اقساط التأمين للاشخاص الذين يظهر لديهم مرض وراثي او خلل وراثي معين. هنا يتم التصنيف حسب رغبات الشركة التي لديها سلطة اخذ القرار!! مما يعني وجود نوع آخر من التمييز العنصري على اساس جيني وراثي. 3) يعني التأمين الاجتماعي بنظام التأمين الصحي القومي وهو غاية التكامل الاجتماعي, الا ان مشروع الشيفرة الوراثية البشرية, بكشفه ان ايا منا معرض ومهدد وراثيا, قد تفسد التأمين الصحي القومي في ظل استمرار ارتفاع تكاليف الخدمات الصحية. 4) من ناحية سياسية, ومن خلال السرية التامة التي تتم فيها الامور وتغطي موضوع هندسة الجينات, نرى ان توازن القوة سيتغير او تغير نوعا ما, والحرب ربما سيتغير شكلها, لنصبح ترى افلام الخيال العلمي والاشخاص الذي (لا يموتون) والمتفوقين جينيا حقيقة واقعة وليس خيالا. 5) من ناحية اقتصادية, اتوقع ان تسيطر شركات هندسة الجينات متعددة الجنسيات على العالم وتخلف شركات المعلومات الالكترونية في التحكم بالعالم من خلال سياسة اقتصاد السوق والاحتكار. 6) ونلاحظ ان حروب الابادة المباشرة اخذت بالاختفاء لتحل محلها الابادة بطريقة غير مباشرة وعلى مدى اكبر من خلال استخدام التعديل الوراثي ليس فقط انسانيا بل زراعيا وحيوانيا. 7) عسكريا, لم يعد الاسلحة التقليدية وحتى الاسلحة النووية ذي بال امام اسلحة جديدة تكلفتها اقل, وتنتج حتى في معامل ومختبرات بدائية صغيرة, ونقلها سهل والتملص من مسئوليتها كبير جدا. 8) اخيرا يمكن الجزم اننا وبالرغم من مصطلح القرية الصغيرة التي احدثتها ثورة تكنولوجيا المعلومات, الا ان الكرة الارضية تحتوي على عوالم تفصل بينهما ازمنة من التقدم والابتكار, ستجعل من ملامح العالم القادم مختلفة جدا, فلن تشكل الحضارات اي اهمية ولن يكون الولاء والانتماء له المعنى الذي نعايشه الآن ولن يبقى للدولة المعنى الحالي ايضا. الهندسة الوراثية والاديان من الواضح ان التعاليم الدينية سواء الاسلامية او المسيحية ستكون المتصدي الابرز لهذا التطور العلمي الذي من شأنه ان يغير في خلق الله بصورة لا جدال فيها ويخلق صورة من اللا عدل البشري لن تعرف نتائجه حتى يتم اختباره .. ورغم ان المدافعين لمشروع هذا التطور ينظرون اليه انه سيمكن الانسان من التغلب على الكثير من الامراض المستعصية الا انهم لايخفون ايضا انه لا توجد اية ضمانات يمكن ان تعطي لئلا تستخدم هذه التقانة لاصابة الجنس البشري بعاهات او كوارث لا يعلم فيها الا الله. وقد وصل رأي بعض علماء المسلمين المعاصرين الى اعتبار (الجنس البشري المستنسخ القادم لا محالة) ماهو الا قوم جنس يأجوج ومأجوج, واذا لم نكن بصدد اقحام انفسنا في هذا الجدل فاننا اوردناه لنشير الى مدى الرعب الذي سببه انتشار خبر الاستنساخ على الجميع وبينما حولت (هوليوود) علم هندسة الجينات الى متخيل ممتع للبعض على الاقل دفعته المصانع العسكرية الى واقع مرعب للجميع, وفي الحقيقة فان سابقة صناعة المتفجرات تؤكد ان الانسان لن يكون قديسا في تعامله مع هذا التطور العلمي.