كان المسجد الاقصى فى جمعته المباركة يحتفل بالانتصار الملون بالدم المسفوح, وكان فى الجمعة السابقة يئن من غزارة الرصاص, وما بين الجمعتين نور عظيم ونار حارقة. كانت مشاهد الجمعة السابقة مؤلمة ومفجعة, فقد زف الاقصى كوكبة شهداء, غطت دماءهم ساحاته, بعد ان دخل الغرباء من بوابة المغاربة, وهى البوابة التى يمتلكون مفاتيحها. عندما يتعلق الامر بالحرم والاقصى, فلا مجال للتراخى او التراجع, ولا تستطيع أى جهة او قوة ان تخمد غضبه او دعاء المؤمنين فيه, فهو الجدار الاخير فى هذه الامة الممتدة من المحيط الى الخليج. الله اكبر هو النداء الخالد فى المسجد, وهو الصوت الروحى والوجدانى الثائر, احرف نطق سريعة تعرفها قوافل الغضب, تلقيها على الظالمين, وتقذفها على المتآمرين الغرباء, وهى تعلن رفضها لزيف المعتقدات, او دخول الغرباء النجساء. كان باب الاسباط هذه المرة هو بوابة النصر للمسجد الاقصى, فمنه دخل مجدى المسلمانى جريحا, وخرج منه شهيدا على الاكتاف, وفوق سوره رفع الطفل محمد جودة علم فلسطين, قبل ان تسقطه رصاصة اصابت راسه الطرى. كان اطلاق الرصاص يزيد الشبان غضبا وثورة, وكانت حجارتهم تطارد الجنود الذين اختبأوا مذعورين بين القبور او بين الازقة, بحثا عن مكان يحمى رؤوسهم , هذه المرة كانت الحجارة تسقط عليهم من السماء, فالشباب كانوا قد انتشروا على اسوار الحرم واسطح المنازل فى خطوة استراتيجية يؤدون فيها الواجب. على بوابة الاسباط حراس من الشبان, وفوقه شبان مقاتلون, وفى الداخل خلايا نحل من النساء والاطفال, يجمعون الحجارة ويقدمونها للمقاتلين على السطح, ليواصلوا رجم, الشياطين والغرباء. كانت اعين المقاتلين تتجه نحو هدف امامهم, وهو مركز لشرطة الاحتلال, وبدون مقدمات كان العشرات يقتحمون المقر, ويضرمون فيه النار, رغم اطلاق الرصاص عليهم من داخله, تعالى الصراخ والغضب, وارتفعت ألسنة الدخان الاسود من شبابيك المركز, تعالت الهتافات والتحذيرات, هناك قوات قادمة من جهة باب حطة لانقاذ المحشورين فى محرقتهم. كان عدد من الشبان فى تلك اللحظة يفقأ عيون كاميرات الكترونية للشرطة الاحتلالية موضوعة امام المركز ومقابل بوابة الاسباط, وما هى الا لحظات حتى اشتدت المعركة, وتمكن الجنود من اخراج المحشورين بصعوبة بعد ان اختنقوا وتذوقوا عذاب الموت. بقى الشبان فى مواقعهم خمس ساعات, رغم رصاص القناصة, واصروا على ان يبقوا العلم مرفوعا, وساعدهم فى ذلك ابقاء ابواب الحرم مغلقة لمنع أى محاولة للتسلل, ولكن الغرباء كانوا يعدون شيئا, ربما لرفع معنويات جنودهم المنهارة. حل الظلام وارتفع نداء صلاة المغرب, وكان لا يزال عدد من الشبان فى مواقع المواجهة عند بوابة الاسباط, وفى تلك اللحظات تسلل جنود مستعربون من بوابة المجلس, بعد ان تم فتحها لادخال المصلين, ينتبه الشاب كامل ادكيدك اليهم ويصرخ مستعربون فيطلق احدهم رصاصة عليه من مسافة نصف متر ثم تدخل عناصر الجيش الاحتلالى, لينهوا فصل المواجهة بغدرهم, لكنه فصل لم ينته, فالحرم القدسى له جولات مقبلة. وام