لن ينشد الطفل محمد يوسف أبو عاصي (13 عاماً) الذي قتل برصاص الجيش الاسرائيلي أمس الاول, نشيد الصباح المدرسي, كما أنه لن يحيي العلم الفلسطيني كما فعل هو وزملاؤه كل صباح في مدرسة بني سهيلا الاعدادية حيث أعلنت وزارة التربية والتعليم الفلسطينية عن استئناف الدراسة اليوم السبت. غير أن تلاميذ المدرسة سوف يتذكرون محمد, الملقب (بأبو العصب) لسنيين مقبلة في مخيلتهم لانه كان في كل طابور صباح يحرص على رفع العلم الفلسطيني بهمة ونشاط إيذاناً ببدء اليوم الدراسي في المدرسة. وقد شيع الالاف من المواطنين الفلسطينيين محمد الذي تجسد قصة مقتله ملخصا ًمأساويا. وكعادتهم في مثل هذه المناسبات الاليمة اصطف المئات من الشباب والنساء والاطفال على طول الطريق الذي يربط بين مدينتي خان يونس وبني سهيلا جنوب غزة حتى الوصول إلى منزل الشهيد محمد ينتظرون موكبه غير ان المشاهد عند المنزل كانت مغايرةً فقد شوهدت عشرات النسوة وهن يتشحن بملابس وعباءات سوداء ويلوحون بشارات النصر ويطلقون الزغاريد والاغاني. وتطوع أحد الرسامين في الحي برسم مجسم لقبة الصخرة (وطفل يقذف حجر على جندي إسرائيلي يرتدي خوذة تتوسطها نجمة داود وكتب بجانبها باللغة العبرية والعربية لا لاسرائيل.. والموت لاسرائيل) . وقد تأثر محمد الذي احتفل بعيد ميلاده الثالث عشر يوم الجمعة الماضي, كغيره من الشبان الفلسطينيين بالمشاهد التي تتناقلها وكالات الانباء والفضائيات عن الاحداث في الاراضي الفلسطينية وقرر الذهاب إلى هناك (لينال الشهادة..) كما تروي والدته فاطمة أبو دقة (48 عاما)) . وقالت فاطمة وهي تبكي طفلها وقد حملت علماً باللون الاخضر عليه شهادة التوحيد: (والله ياما قالي إنه بدو يروح يستشهد وقلتلو روح يا محمد لتنال الشهادة ..) . وقالت إنها كانت تعتقد أنه كان يمزح غير أن محمد بادرها بالسؤال (ياما إللي باستشهد وين بروح) فقالت له (إللي باستشهد في دينا لا نغسله ولا نكفنه بل ندفنه بدمائه وملابسه التي استشهد فيها ليذهب مباشرة إلى الجنة..) . وفي هذه اللحظات بكت والدة محمد غير أن النسوة جيرانها في الحي ومن الاحياء الاخرى أخذت تزغرد وتغني (يا أم الشهيد زغردي وكل الشباب أولادك ..) . وبعد ان استجمعت فاطمة قواها لبضع لحظات قالت (إبني شهيد فدى الاقصى وكل أبناء فلسطين على استعداد أن يقدموا أرواحهم فداء القدس ..والوطن) . ويقول حازم النجار (13 عاما) وزميل محمد في المدرسة (لقد خرجنا سوياً في أوقات الظهر, واتفقا على الذهاب الى المفترق المؤدي الى مستوطنة نتساريم والذي يطلق عليه الفلسطينيون اسم مفترق الشهداء لالقاء الحجارة على الجيش .. وبعد وصولنا الى المفترق كانت هناك طائرة إسرائيلية مروحية تطلق الرصاص على الشباب فاحتمينا خلف البنايتين بالقرب من موقع الجنود هناك) . ولكن محمد أصر على الخروج من مكانه واستمر في إلقاء الحجارة على موقع الجيش (وقد أصيب برصاصة في صدره من الطائرة التي كانت تطلق النار) . ويقول أحد جيرانه ان محمد كان يلقب (بأبو العصب لمواقفه البطولية ولان أعصابه جسورة, ويدخل في أي أمر لا يهابه فأطلقنا عليه هذا اللقب) . والعجيب في الامر أن سائق السيارة التي أقلت محمد وزميله حازم الى مفترق الشهداء طلب منهما (شيكل ثمن التوصيلة غير انهما لم يكن معهما فقال له محمد يا عمي روح أنا رايح استشهد) . ويضيف حازم ان سائق سيارة الاسعاف حاول انقاذ محمد غير ان الجنود الاسرائيليين أطلقوا النار على سيارة الاسعاف وأصابوها من الناحية اليسرى وقاموا بالزحف لانقاذه وحملوه الى سيارة الاسعاف وفي هذه الأثناء اطلق صاروخ باتجاه الشباب في الناحية الاخرى واصيب العديد من الشبان. وقد وصل الشهيد محمد الى مستشفى الشفاء حيث لفظ أنفاسه الاخيرة. ويقول الدكتور معاوية حسنين رئيس قسم الاستقبال والطوارئ في المستشفى انه (تبين بعد الفحص انه مصاب بطلق ناري بمدخل من الصدر ومخرج من الظهر وقد استشهد في حينها) . وقد كانت لحظات مؤثرة عندما أحضر الشهيد محمد الى المنزل لتلقي عليه والدته واخوته التسعة وشقيقاته الاربع نظرة الوداع الاخيرة قبل أن يوارى الثرى. وركعت والدته فاطمة تقبله وتقول له (روح ياما يا حبيبي على الجنة؟) وقد حمل بعدها النعش على الاكتاف يجوب شوارع مدينة خان يونس في نعش خشبي استلقى فيه محمد (نائماً ) ومغطى جسده بعلم فلسطين ووجه مكشوف, وحوالي 1,000 من المشيعين يهتفون خلفه (بالروح بالدم نفديك يا فلسطين) . د.ب.أ