بدأ التآمر الإسرائيلي في فلسطين لإحباط مسيرة التسوية السياسية في فبراير عام 1996 حين تولى بنيامين نتانياهو رئاسة الوزارة في إسرائيل, وتمكن لأكثر من ثلاثة أعوام متصلة من تعطيل اتفاقيات, المرحلة الانتقالية المبرمة مع السلطة الفلسطينية منذ إعلان المبادئ في سبتمبر 1993 الى أن ترك نتانياهو الحكم في يونيو 1999 وحتى ذلك التاريخ لم تحصل السلطة الفلسطينية على أي شكل من أشكال الاستقلال ولم تمارس أي نوع من أنواع السيادة الوطنية على أي جزء من الأراضي الفلسطينية, بل إن المستوطنات تنتشر في نصف مساحة الضفة الغربية لنهر الأردن وبخاصة في القدس التي تكاد تشطر الضفة الى جزئين منفصلين, وفي الخليل حيث يخضع الحرم الإبراهيمي للمحتل الصهيوني ولا تملك السلطة الفلسطينية - حتى الآن- السيطرة على المعابر والحدود, وليس لدى السلطة بعد موانئ بحرية, وميناء غزة مشروع مجمد, والمطار في غزة محمية إسرائيلية, ولايوجد ممر آمن من غزة الى شمال الضفة الغربية . ولا يملك الفلسطينيون سلطة التحكم في الموارد والثروات الطبيعية لوطنهم, وهم لا يستطيعون الى اليوم وقف سرقة أكثر من (340) مليون متر مكعب من مياه الضفة الغربية سنويا. ولم ينجح الفلسطينيون في تقليل درجة اعتمادهم الاقتصادي على إسرائيل في مجالات العمالة والتسويق الزراعي, والتبادل التجاري الى جانب بطء تدفق الاستثمارات الفلسطينية والعربية الى غزة وأريحا والضفة الغربية المحتلة, والى جانب التراجع النسبي في العلاقات الوثيقة اقتصاديا بين الأردن وفلسطين المحتلة, والضغط الإسرائيلي المباشر على سلطة عرفات لتقليل معدل دعم علاقاته الاقتصادية بمصر. وجاء الجنرال ايهود باراك في انتخابات مايو ,1999 وتمكن من خداع العرب بإبرام اتفاق شرم الشيخ في سبتمبر من نفس العام, والذي نص على عقد اتفاق إطار للتسوية النهائية في فلسطين في 13 فبراير عام ,2000 ثم أجل هذا الموعد الى مايو من عامنا الجاري, وتباطأ في تنفيذ اتفاقية أوسلو-2 الى الدرجة التي تتمثل في اقتصاد السيطرة الفلسطينية الكاملة على 14% فقط من الأراضي المحتلة عام ,1967 والادارة الفلسطينية الجزئية لنحو (25%) من هذه الأراضي التي تمثل (22%) فقط من رقعة فلسطين التاريخية أي أن كل ما تسيطر عليه سلطة عرفات كليا وجزئيا اليوم لا يتجاوز (5.8%) من أراضي فلسطين!!! وتفوق باراك على سلفه نتانياهو في معدلات التهويد والاستيطان في القدس وسائر أرجاء الضفة الغربية لنهر الأردن. وعندما عقدت قمة كامب ديفيد الثانية في يوليو الماضي, بدا الانحياز الأمريكي لإسرائيل جليا, وصمت الأمريكيون تماما عن إقرار حق العودة والتعويض لجميع اللاجئين والنازحين الفلسطينيين, وتعاطفوا مع وجهة نظر ايهود باراك في عودة مجرد(60-70) ألف لاجئ فلسطيني الى إسرائيل داخل الخط الأخضر (حدودها عام 1948) خلال خمس سنوات, وعودة نصف مليون لاجئ ونازح فلسطيني الى الأراضي الخاضعة لعرفات وسلطته وخليفته خلال عشرة أعوام على أن يحمل العائدون الى إسرائيل الجنسية الإسرائيلية!!! أما بالنسبة للقدس فقد وافق عرفات على تسليم حائط البراق (وهو الجزء الجنوبي من السور الغربي للمسجد الأقصى) الى إسرائيل, وهو تنازل خطير لايملك عرفات أو غيره الحق فيه, ثم رفض عرفات اقتسام ساحة المسجد الأقصى مع اليهود, وتسليمهم أساسات المسجد التي يريدون البحث عن أحجار الهيكل المزعوم تحتها. ولم يستطع عرفات كذلك قبول بقاء(80%) من مستوطنات الضفة الغربية لنهر الأردن تحت السيادة الإسرائيلية. وهكذا أدت مشاكل القدس واللاجئين والاستيطان الى الفشل الذريع لكامب ديفيد-2. وبعد الفشل, شدد عرفات على منع أعمال العنف ضد قوات الاحتلال أو المستوطنين اليهود, ورفض إطلاق سراح المعتقلين من حماس والجهاد بغير تهم قضائية, وامتنع عن الحوار مع المعارضة في الداخل وفي سوريا. واهتم عرفات بالتأييد الدبلوماسي لقضية بلاده فجاب العالم شرقا وغربا, وكانت الحصيلة تحفظات فرنسا والصين والدول الاسكندنافية وبريطانيا, وروسيا واسبانيا, بل والأردن والمغرب على إعلان الدولة الفلسطينية في 13 سبتمبر الماضي. وأثمرت الضغوط الأمريكية والإسرائيلية تأجيل إعلان الدولة الى نوفمبر المقبل دون تحديد يوم بالذات لهذا الإعلان. ويبدو أن حماس الإسلامية كانت محقة في اقتناعها بأنه لا جدوى من إعلان دولة غير متفق على حدودها وهويتها وسيادتها ودورها الإقليمي وعلاقاتها الدولية, ولا تستطيع تقليل اعتمادها الاقتصادي على إسرائيل بغير إعداد طويل وتنسيق مع الأردن ومصر. وبسبب عجز العرب عن عقد قمة عربية بشأن القدس وفلسطين, وضعف استعداد عرفات لأي تصعيد إسرائيلي, وإستمرار تخليه عن خيار المقاومة المحسوبة ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي, وغياب أية استعدادات جادة لاستكمال بعض مقومات إعلان الدولة المرتقب, استأنف باراك تنفيذ المؤامرة, و أبدى تعنتا شديدا في مسألة السيادة على القدس القديمة داخل الأسوار, وطلب تأجيل قضيتي القدس واللاجئين الى صيف2001 مما دعا الى احجام مصر عن التقدم بمشروع مقترح لإطار التسوية النهائية في فلسطين, وبدا واضحا أن باراك لايريد انعقاد كامب ديفيد- 3 إلا وفق شروطه, وبهدف فرض تنازلات جديدة على عرفات. ومضى ايهود باراك في أحاديثه عن جبل الهيكل, مع أن الامبراطور الروماني هاجريان أزال أنقاضه تماما من الوجود عام 135 الميلادي. انتفاضة القدس مضى ايهود باراك في المؤامرة محاولا جعل قضية الأمن والاستقرار في الأراضي المحتلة هي القضية الملحة, تماما مثلما حدث قبيل قمة شرم الشيخ التي عقدت للتصدي للعنف والإرهاب مع أن إسرائيل هي الدولة الأسوأ في عالمنا كله في ممارسة إرهاب الدولة ضد المواطنين الفلسطينيين. وأرسل ايهود باراك قواته لتحرس ارييل شارون, سفاح صبرا وشاتيلا, في اقتحامه لساحة المسجد الأقصى, ومحاولته تدنيس قبة الصخرة ومسجد الفاروق عمر بن الخطاب. وفي اليوم التالي (29 سبتمبر) أطلقت القوات الإسرائيلية الذخيرة الحية على المصلين في ساحة المسجد الأقصى لإرهاب الفلسطينيين الذين لا يريدون اقتسامها مع اليهود ليقيموا معبدا فيها يعيد مجد الهيكل المزعوم وراهن باراك على أن رد الفعل الفلسطيني لن يتجاوز مظاهرات الاحتجاج وقذف الصبية للأحجار, وأن عرفات لن يسمح - ما استطاع ذلك- لحماس والجهاد بعمليات مخططة وفعالة ضد أهداف إسرائيلية, وطالب باراك قائد المنطقة الوسطى الجنرال اسحاق إيتان بقمع المظاهرات الفلسطينية بشدة وقسوة, واستخدام الدبابات والطائرات العمودية ضد الشرطة الفلسطينية إذا حمت مواطنيها, وهو ما حدث في جنوبي غزة بالفعل, وأمره بإرسال ثلاثة آلاف جندي إسرائيلي الى القدس القديمة داخل الأسوار, وانتشارهم في مداخل وبوابات الحرم الشريف ويبدو أن باراك كان شامتا من الفلسطينيين عندما صدر قرار مجلس النواب الأمريكي بفرض عقوبات اقتصادية عليهم إذا أعلن عرفات الدولة بدون موافقة إسرائيل. و يستمرئ باراك العنف, ويتلذذ وهو ارهابي قديم ارتدى زي عاهرة ليتسلل الى بيروت ويقتل بعض زعماء المقاومة الفلسطينية في السبعينيات , يتلذذ بمصرع الأبرياء بشظايا صواريخ لاو, وبفعل ذخيرة الأسلحة الصغيرة التي تتفجر في أجسام المصابين, وكل ما يشغله هو ردع الشعب الفلسطيني, وقمعه, والاستعداد للاحتفال السنوي المقبل في 12 أكتوبر الجاري بتهويد مدينة القدس, وبخاصة بعد أن استكمل الإرهابي العتيد باراك التدمير الكامل والإزالة التامة لحي المغاربة المجاور لحائط البراق الذي عرج منه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الى السماء, وجاء اليوم الذي يتنازل فيه عن الحائط زعيم عربي إرضاء لباراك وكلينتون!! مقدمات الانتفاضة الشاملة يرتبط تحول انتفاضة الحرم الشريف الى انتفاضة فلسطينية شاملة ضد العدو الصهيوني بسياسة الأطراف المعنية في إدارة الأزمة الحالية على مسار التسوية الفلسطيني. وموقف باراك واضح, فهو يستبعد هذه الانتفاضة الشاملة في القريب العاجل, وينتظر التدخل الأمريكي, والتلهف الذي يبديه عرفات سرا وجهرا لاستئناف المفاوضات, ولقمة ثلاثية تجمعه بباراك والرئيس الأمريكي, وفي القمة سوف يسعى باراك لتجزئة قضايا الحل النهائي وإرجاء قضيتي القدس واللاجئين الى نصف عام ,2001 ولدعم التنسيق الأمني الفلسطيني الإسرائيلي ضد المقاومة الفلسطينية, وبخاصة الإسلامية, في الأراضي المحتلة. وسوف يصر باراك على رفض وجود مراقبين دوليين في القدس وغزة لمراقبة احترام الصهاينة لاتفاقيات جنيف التي تنظم حماية المدنيين في الأراضي المحتلة, ومقدساتهم وأملاكهم. أما عرفات فهو يحسب الانتفاضة المحدودة الحالية دعما للمفاوض الفلسطيني حيث تؤكد ضرورة استئناف التفاوض بصورة أكثر جدية بين الإسرائيليين والفلسطينيين, وتثبت الأولوية المتميزة لقضية القدس ضمن موضوعات التسوية المرتقبة. ولن يلجأ عرفات الى تصعيد العنف ضد سلطات الاحتلال بإرادته إلا إذا توفرت أربعة أمور, أولها وجود دعم عربي عملي وفعال للشعب الفلسطيني يتجاوز بكثير قرار مجلس الجامعة العربية بإدانة الإرهاب الإسرائيلي والاعتداء على بيت المقدس وطلب التحقيق الدولي ويتمثل في قمة عربية تتخذ قرارات بعقوبات اقتصادية على إسرائيل, ولتقوية صمود الشعب الفلسطيني إذا أغلقت إسرائيل المعابر الحدودية والممرات الى الضفة الغربية وغزة وكذلك مطارها, وحاولت تجويع الفلسطينيين في الأراضي الخاضعة كليا أو جزئيا للسلطة الفلسطينية. والأمر الثاني هو أن يفقد عرفات ـ ثقته شبه المطلقة حتى الآن- في الراعي الأمريكي للمفاوضات الذي يتفنن في الضغط عليه وعلى رجاله, وهو راض صابر شديد التفاؤل!! وهو أي عرفات - لايزال يأمل تجنب أزمة نقل السفارة الأمريكية الى القدس (على بعد ميل واحد من المسجد الأقصى), أو قطع المعونات الاقتصادية الأمريكية (مائة مليون دولار سنويا) فهي الشريان الرئيسي لدعم الاقتصاد الفلسطيني حاليا. والأمر الثالث هو أن ينجح عرفات بجهد فلسطيني أو تدخل عربي في التفاهم مع قيادتي حماس والجهاد, وجماعات المعارضة الفلسطينية في سوريا على أسلوب المواجهة مع قوات الاحتلال عند صدور قرار بإعلان دولة فلسطين وتصعيد الانتفاضة ضد العدو الصهيوني. ويمتد التنسيق المطلوب الى الجبهات المعارضة الفلسطينية الجديدة مثل الحركة الديمقراطية الفلسطينية, أو القيادة المركزية لتحالف القوى الفلسطينية, وهي جماعات ترفض أي تفريط في عروبة القدس أو في حق العودة للاجئين والنازحين الى وطنهم. والأمر الرابع أن ينجح عرفات في توثيق علاقاته مع عرب ,48 وهم نحو مليون نسمة حاليا وبخاصة في موضوعات القدس, وحقوق المواطنة, ورد الفعل المطلوب ضد الحصار الإسرائيلي المتوقع للضفة الغربية لنهر الأردن, ومدى إمكان مشاركتهم في مقاطعة اقتصادية جزئية لإسرائيل. والموقف العربي بالغ الأثر في مسار الصحوة الفلسطينية, وبخاصة إذا اتخذت القمة العربية المقبلة قرارات عملية ضد إسرائيل دون الاكتفاء بتسجيل اعتراضاتها على البطش الإسرائيلي بشعب فلسطين كما حدث في قمة يونيو 1996 الطارئة في مصر, واستخدمت مصر وسوريا والأردن أوراق الضغط التي تملكها ضد إسرائيل. وتستطيع الدول العربية مجتمعة بالتنسيق مع الاتحاد الأوروبي, وبدعم من منظمة المؤتمر الإسلامي أن تطلب إعادة دور الأمم المتحدة في فلسطين مثلما حدث في لبنان, ولتكن البداية قوة مراقبين دولية في القدس والخليل لحماية المقدسات الدينية ووقف الاستيطان الاستعماري بالمدينتين. ويبقى الدور الأمريكي الذي لم تتحدد معالمه بعد, والذي يتأثر حتما بانتخابات الرئاسة الأمريكية, وبتوجهات جماعات الضغط اليهودية في الولايات المتحدة. والأرجح أن تركز الإدارة الأمريكية على إعادة الهدوء واستتباب مظاهر الأمن في الأراضي المحتلة أكثر من الضغط للوصول الى اتفاق إطار التسوية النهائية قبل إجراء الانتخابات في الشهر المقبل. وهذا الاتجاه الأمريكي المتوقع يخدم باراك ويضر بعرفات فهو دعم للأول في مواجهة الكنيست, وضربة جديدة لعرفات الذي لن يجد ما يقوله أمام المجلس المركزي الفلسطيني عندما يعيد بحث موضوع إعلان الدولة الفلسطينية للمرة الرابعة أو الخامسة خلال عامين اثنين!!! وقد تقبل واشنطن أن تضغط على إسرائيل لتنفيذ بعض الالتزامات المتأخرة في اتفاقيات المرحلة الانتقالية مثل جانب من المرحلة الثالثة لإعادة انتشار القوات الإسرائيلية في الضفة الغربية لنهر الأردن, أو الافراج عن دفعة جديدة من المعتقلين الفلسطينيين في سجون إسرائيل وهم زهاء (1550) أسيراً ومعتقلاً. لكن هذا الضغط الأمريكي يرتبط بالمواقف الأوروبية والروسية والصينية من تدهور الاوضاع في فلسطين المحتلة, وبنتائج القمة العربية المقبلة. الخلاصة سوف تستمر الانتفاضة الحالية بصورة محدودة, ومتناقصة الحد في الأسابيع المقبلة, ولكن عرفات لن ينقلها بإرادته الى داخل إسرائيل, ولن تتصاعد أعمال المقاومة إذا استمر حصار السلطة الفلسطينية للمقاومة الإسلامية, وبقيت حاجتها الملحة الى السلاح والذخيرة بغير حل عملي عبر الحدود أو الساحل, ولا تكفي تصريحات عرفات المتفائلة عن استعداده لخيار الحرب إذا فشل خيار السلام, بل لابد من حماية الشعب الأعزل ضد الصهاينة المدججين بالسلاح, ولم تعد الحجارة والحصى كافية في المواجهة مع العدو المحتل, وبطشه الحيواني بالعزل من المدنيين وهوايته في التنكيل بالأطفال والنسوة والشيوخ. وسوف تعود الانتفاضة بصورة أقوى وأشد إذا عزم عرفات وتوكل, وأعلن قيام دولته المنشودة في أواخر نوفمبر أو خلال ديسمبر المقبل, ويمكن أن تنعكس بالإيجاب على مسيرة التسوية السياسية إذا نجحت السلطة الفلسطينية, ودول الطوق العربية, في الإعداد المبكر لها, وتوفير الدعم العربي والإسلامي الفعال والعملي لها, وأدرك الجميع أن التفاوض هو أحدى أدوات العمل السياسي, وليس هدفا في حد ذاته, وأن لحرية الشعب واستقلاله ثمنا معلوما دفعته كل الشعوب المناضلة, وصدق أحمد شوقي حين قال: وللحرية الحمراء باب .:. بكل يد مضرجة يدق بقلم: لواء أ.ح ـ صلاح الدين سليم محمد الأستاذ الزائر بأكاديمية ناصر العسكرية العليا