هبة الأقصى التي أشعلت الأراضي الفلسطينية في أعقاب الزيارة الاستفزازية التي قام بها الإرهابي ومجرم الحرب الصهيوني ارييل شارون إلى الحرم القدسي الشريف في الثامن والعشرين من سبتمبر الماضي, والتي حولت الأراضي الفلسطينية إلى ساحة حرب حقيقية بين آلة الحرب والعدوان الإسرائيلية والمواطنين الفلسطينيين. هبة الأقصى هذه تحمل في الواقع الكثير من المعاني والدلالات الكبيرة, كما ان أسبابها تكشف بوضوح حقيقة الموقف الإسرائيلي ليس من قضية القدس فقط وإنما من مجمل عملية التسوية. أما المعاني الكبيرة التي حملتها هذه الانتفاضة الفلسطينية الجديدة فهي: أولا : انها تذكير بالغ الأهمية بالتجربة النضالية الفلسطينية الطويلة وهي تجربة أكسبت الشعب الفلسطيني خبرة كبيرة بكيفية التعامل مع العدو الصهيوني وكل من يفكر بتجاوز الحقوق الوطنية الفلسطينية أو بالمساس بمقدسات المسلمين في فلسطين إذ أثبتت بشكل قاطع ان الشعب الفلسطيني مستعد للتضحية بأبنائه وبكل ما يملك. للدفاع عن كرامته وحماية مقدساته, انطلاقا من إيمانه العميق بعدالة قضيته واستعداده الدائم للدفاع عنها. ثانيا : لقد أثبتت الانتفاضة الجديدة حقيقة ان الشعب الفلسطيني شعب توحده وتكتل قواه المصائب وان التعارضات السياسية بين بعض التيارات الفلسطينية تنتفي وتذوب في حالة المواجهة مع العدو الإسرائيلي وهي حقيقة أثبتتها أيضا مجمل التجارب القاسية التي مر بها الفلسطينيون على مدى سنوات الألم والمعاناة التي عاشوها. ثالثا : إن امتداد فعاليات الانتفاضة الجديدة بسرعة إلى داخل أراضي فلسطين المحتلة عام 1948 أسقط الرهان الإسرائيلي على امكانية تقسيم الشعب الفلسطيني واندحار مصطلح (عرب إسرائيل) الذي يردده البعض إذ أثبت هؤلاء الفلسطينيون انهم جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني لا يمكن أبدا فصله عن جسد أمته وهو أمر أجبر ارييل شارون على الاعتراف به عندما هاجم النواب العرب في الكنيست وقال انهم معادون لـ (إسرائيل) . رابعا : المشاركة الفعالة من قبل المسلمين والمسيحيين في مناطق فلسطين المحتلة عام 1948 تشير بوضوح إلى ان المسألة الوطنية فوق كل اعتبار بالنسبة لأبناء الشعب الفلسطيني خاصة وان العدو الصهيوني يقدم على الاساءة للمقدسات الإسلامية والمسيحية على السواء ولا يفرق بين عربي وآخر في الاساءة والعدوان وهو ما يعني استحالة التعايش مع هذا العدو العنصري. أما بالنسبة للأسباب التي دفعت العدو الإسرائيلي للتصعيد والأهداف التي يفكر في الحصول عليها فهي أيضا متعددة وكثيرة أبرزها زيادة الضغط على الجانب الفلسطيني من أجل الحصول على مزيد من التنازلات الفلسطينية وتحديدا بالنسبة لقضية القدس التي تعد الآن المعضلة الحقيقية في عملية التسوية خاصة بعد فشل الضغوط الأمريكية والاسرائيلية التي مورست على القيادة الفلسطينية في قمة كامب ديفيد الأمر الذي دفع العدو إلى التفكير باستخدام القوة العسكرية لتحقيق ما فشل في الوصول إليه بواسطة الضغوط الأمريكية ولذلك نستطيع أن نجزم بأن خطوة الارهابي الصهيوني ارييل شارون الاستفزازية لم تكن أبدا خطوة فردية أو حتى حزبية وإنما هي خطة محكمة الإعداد من الحكومة الإسرائيلية ومن رئيس وزراء العدو ايهود باراك شخصيا بهدف ايجاد المبرر لاستخدام العنف ضد أبناء الشعب الفلسطيني ظنا منه بأن هذه الوحشية الاسرائيلية قد تقنع الفلسطينيين بتقديم التنازلات المطلوبة اسرائيليا وأمريكيا لتوقيع اتفاق ينهي الصراع العربي الإسرائيلي بحسب المقاييس التي ترسمها كل من تل أبيب وواشنطن. ونلاحظ من تطور الأحداث خلال الأيام الأولى للانتفاضة الفلسطينية الجديدة ان العدو الصهيوني عمد بشكل واضح إلى ايقاع أكبر خسائر ممكنة في صفوف المواطنين الفلسطينيين العزل كما انه استدرج بشكل مقصود قوات الشرطة الفلسطينية للدخول في المواجهة معه من أجل تحقيق هدفين في آن واحد وهما توجيه ضربة عسكرية لقوات الأمن الفلسطينية التي طالما عبر عن قلقه ازاء عدد رجالها واحتمالات تحولها إلى قوة صدامية ضد قواته أو المستوطنين الصهاينة ولهذا استهدف بصواريخ (لاو) مراكز أمنية فلسطينية أحدها يقع بالقرب من مستعمرة نتساريم في قطاع غزة. أما الهدف الثاني الذي وضعه العدو في حساباته على ما يبدو فهو وضع القيادة الفلسطينية أمام خيارين قاسيين وهما إما أن تزج بقوات أمنها في معركة غير متكافئة أو تدفع بهذه القوات للجم الانتفاضة الفلسطينية الجديدة التي يخشى العدو أن تخرج عن السيطرة ناهيك عن رغبة هذا العدو في تصوير المواجهات التي تدور بين قواته والمواطنين الفلسطينيين العزل. على انها معارك بين قوتين عسكريتين لتضليل الرأي العام العالمي وتبرير استخدام الأسلحة الثقيلة والطائرات ضد الفلسطينيين. وإذا كانت هذه هي دلالات ما يحدث وانعكاساته على الساحة الفلسطينية فكيف يمكن فهم انعكاسات هذا الواقع الفلسطيني على الساحة العربية والدولية؟ في الحقيقة ان ما يمكن استنتاجه في هذا المجال هو ان الأحداث الأخيرة في فلسطين أثبتت مرة أخرى عجز وتردي الموقف العربي الرسمي إذ اكتفت الجامعة العربية كعادتها باصدار بيانات الشجب والإدانة ولم يرق الموقف العربي إلى طرح فكرة عقد قمة عربية طارئة لمناقشة مأساة القدس خاصة والشعب الفلسطيني بشكل عام كما ان الدول العربية التي تقيم علاقات مع الكيان الاسرائيلي لم تلمح حتى تلميحا إلى امكانية اعادة النظر في هذه العلاقات وما يقال في الموقف العربي يقال مع الأسف في مواقف العديد من الدول الإسلامية. أما بالنسبة للمواقف الدولية فحدّث ولا حرج حيث لم يصدر رد فعل مناسب من الأمم المتحدة التي يشكل السلوك الإسرائيلي خرقا فاضحا لقراراتها والمبادئ التي قامت عليها في حين توزعت المواقف الدولية الأخرى بين بيانات الشجب والاستنكار لموجة العنف أو دعوة الطرفين إلى ضبط النفس وهذه الدعوة تعتبر ضعيفة وباهتة بالنسبة للحالة الفلسطينية حيث ترتكب قوة عسكرية هائلة أفظع الجرائم بحق شعب أعزل مما يعني ان الذين ينادون بمقولة ضبط النفس في هذه الحالة ويتجاهلون ما يجري في فلسطين على حقيقته وما يحدث من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يرتكبها العدو الصهيوني إنما هم في الواقع أناس فقدوا أبسط المبادئ الأخلاقية. أخيرا يمكن القول انه إذا كان الشعب الفلسطيني يقف في معركته هذه وحيدا في ظل الواقع العربي المتردي والدولي الظالم فإن عزاءه الوحيد انه يناضل من أجل مقدساته وكرامته الوطنية التي تعلو فوق كل اعتبار. بقلم: نبيل سالم