دار جدل ساخن في اجتماعات المؤتمر العام للحزب الحاكم, الذي انفض نهاية الاسبوع الماضي 29/,9 حول التعديلات الدستورية وتمثيل الولايات في مؤتمر الحزب ومجلس شوراه, فقد كانت اغلبية مناديب الولايات تريد سلطات اوسع لاهل الولايات دون تدخل من المركز. كما تريد الحفاظ على نسبة الـ 75 في المئة في مؤتمر الحزب العام التي ساقها الله لها بفضل صراع الاجنحة داخل الحزب الحاكم, وتريد لتلك النسبة ان تنعكس ايضا عند انتخاب اعضاء مجلس الشورى. وهناك من طالب بالغاء الدستور لانه (علماني) , وهناك من رفض مبدأ المساس بالدستور وتعديله, لقد اعجبني ذلك الجدل الساخن رغم ان بعضه لم يتسم بالموضوعية, وكثير منه يراعي مصلحة جهوية, وبعض آخر يراعي مصلحة حزبية وربما شخصية! فالجدل يدل على ديمقراطية التنظيم, واذا اتيحت الديمقراطية فان التعددية الفكرية والقبلية والدينية التي يذخر بها السودان تظهر بشكل تلقائي حتى داخل الحزب الواحد. والانظمة العسكرية عادة ما تفشل في تأسيس كيانات سياسية فاعلة لانها تنحو لمركزية قابضة يقف على رأسها رجل واحد يصدر اوامره في كافة القضايا بصفته الضابط الاعظم لجماهير الشعب, وتختفي تلك الكيانات من الساحة السياسية غير مأسوف عليها بمجرد ذهاب السلطة التي ولدتها قيصريا. فاحتمال القيادة السياسية العسكرية لذلك الجدل الساخن مؤشر طيب لمستقبل الحزب رغم بعض عبارات الضيق التي صدرت مثل (نحن اهل الوجعة والجمرة بتحرق الواطيها) , (ان الخرطوم ليست واشنطن او تل أبيب) ! وان مضمون ذلك الجدل الساخن يعني ان ولايات السودان المتباعدة ماعادت تثق في الخرطوم بصرف النظر عن الشخصية الحاكمة او حزبها, لا فرق في ذلك بين عمر البشير او الصادق المهدي او محمد عثمان الميرغني او حسن الترابي او حتى جون قرنق! ولو انعقد مؤتمر عام لاي حزب من الاحزاب السودانية الكبيرة في مناخ من الحرية لظهر فيه ذات الاتجاه اللامركزي او الجهوي الذي ساد في مداولات مؤتمر الحزب الحاكم, والانقاذ مسئولة الى حد ما من ازدياد النعرة القبلية والجهوية لانها كبتت التنظيمات السياسية التي كانت تربط الى حد كبير بين اطراف السودان المختلفة, واخيرا بدأت تلعب اجنحة الانقاذ بالمارد الذي اخرجته من القمقم! وليس هناك من سبيل في هذه المرحلة الا الاستجابة الواعية الناضجة لمطالب اهل الولايات بسلطات حقيقية اكبر حتى تتمكن من ادارة شئونها الخدمية والتنموية من اجل مصلحة جماهيرها الصابرة المحتسبة لنصف قرن من الزمان منذ مجيء الاستقلال ولا ينبغي ان يكون ذلك محل خشية كبيرة فكل الانظمة الفيدرالية في العالم بدأت مشوارها بسلطة مركزية محدودة ظلت تنمو بتطور الاقاليم وتشابك مصالحها وازدياد الثقة بين ابنائها. ان القضية السياسية الرئيسية في السودان هي اقتسام السلطة والثروة, ولا تثق الاقاليم التي يطحنها الفقر والبطالة والمرض والجهل ان الخرطوم ستكون عادلة في توزيع السلطة والثروة مالم تشارك الاقاليم مشاركة فاعلة في صنع القرار المركزي, وتنفرد هي بادارة شئونها المحلية. واقتسام السلطة لا يكون باعطاء صلاحيات دستورية لا تسندها امكانات مادية, فذلك اشبه بإعطاء جندي محارب بندقية بلا ذخيرة ولقد اثبتت تجربة السنوات السابقة ان امكانات الولايات المالية ضعيفة الى درجة لا تمكن معظمها من دفع مرتبات العاملين دعك من تطوير الخدمات او تنمية المشروعات وفقا للخطة العشرية. احد الاسباب الرئيسية لهذا الوضع ان الانقاذ قسمت البلاد الى 26 ولاية بالتمام والكمال متجاهلة عمدا امكانات البلاد واوضاع تلك الولايات. ويحتاج الامر الى اعادة نظر شاملة وشجاعة في تقسيم الولايات حتى تكون قادرة ماليا وبشريا على ادارة شئونها العامة بكفاءة واقتدار, وان يصحب ذلك تفاوض مكثف حول اقتسام الموارد المالية بين المركز والاقاليم, ولا بأس من توسيع سلطات المحافظات تعويضا لتلك الولايات التي تفقد كيانها المستقل. وليست هذه القضايا السياسية الحيوية شأنا خاصا بحكومة الانقاذ او حزبها الحاكم بل هي امر يتعلق بمستقبل البلاد واستقرارها السياسي فلا بد ان تشترك فيه كل القوى السياسية, لذلك ينبغي ان تكون التعديلات الدستورية محل تفاوض واتفاق في المؤتمر الجامع وان لا تستعجل بها الحكومة كما فعلت سابقا عند اجازة الدستور ثم اضطرت الى النظر في تعديله قبل ان يحول عليه الحول. وورد على لسان بعض القياديين اثناء المداولات دعوة كافة الاحزاب بما في ذلك حاملي السلاح والخارجين على المؤتمر للانضمام الى صفوف الحزب الحاكم بصفته الوعاء الجامع لكل اهل السودان, وهل هناك حزب في السودان قصر دعوته على قبيلة او منطقة او طائفة؟ ولماذا يفعل اي حزب ذلك وكل الاحزاب السودانية هي اكثر عراقة من الحزب الحاكم واكثر انسجاما منه؟ اللهم الا ان يفعل ذلك من اجل بضع وظائف دستورية! انها دعوة غير واقعية وتحمل الكثير من روح التعالي, ولكن اخطر من ذلك تنم عن بقايا روح شمولية مازالت تراود بعض قادة الانقاذ!. بقلم: د. الطيب زين العابدين