سبتمبر عند العرب: (ايلول الأسود) , والانفصال بين مصر وسوريا, وموت عبدالناصر.. ويلقى الأخير وباستمرار, اهتماما خاصا حتى بالنسبة للاحتفال بثورتين عربيتين حدثتا في سبتمبر: ثورة الفاتح في ليبيا, وثورة اليمن. ذكرى ناصر دائما حاضرة, ولكن ماذا يعني أن نحتفي بها بعد ثلاثين عاما من الرحيل؟.. هل نتقبل العزاء من جديد ويواسي بعضنا البعض؟.. هل نحيي الذكرى لنقول عن عصرنا: (وهو ما ليس كذلك) أو لنعقد المقارنة بين لحظة عزة وكرامة ولحظات تدهور ومهانة؟ لقد طرحت حلقات وندوات القاهرة هذا العام, وربما منتديات وفضائيات عربية أخرى سؤالا: (ماذا بقى من الناصرية؟) والسؤال يحاول استشراف المستقبل والأخذ بالدروس المستفادة.. وطرحت المناقشات ما دونته مئات الكتب العربية والأجنبية عن التحولات الكبرى التي قادها عبدالناصر, مصريا أو عربيا أو عالميا.. في جانب مقاومة الاستعمار والنفوذ الأجنبي.. أو في جانب التغيير في المجتمعات من الداخل بحثا عن مصلحة الأغلبية وتقدم الأمة وتحسين أحوال الفقراء في كل مكان. وامتد البحث لنقطة جدية استمع لها لأول مرة من عميد سابق لكلية حقوق الاسكندرية وهو د. هشام صادق. لقد عكف الرجل على بحث جانب في السياسة الاجتماعية لعبدالناصر وتوقف أمام حكاية التأميم, ليس كوسيلة لاسترداد ثروات منهوبة لصالح الأجانب.. أو كوسيلة لمحاربة سيطرة رأس المال أو التمكين للتنمية.. لم تكن هذه هي زاوية البحث وإن كانت تمثل الخلفية. كانت نقطة البحث والذي ألقاه في احتفال اللجنة المصرية للتضامن.. أثر الثورة المصرية على القانون الدولي, وكيف كانت قضية التأميم مقبولة في الدول الاشتراكية وحدها بينما ينكرها القانون الدولي.. ثم.. وتحت طرقات عبدالناصر الذي أمم قناة السويس ومشروعات أخرى بعدها بدأ البحث من جديد عند فقهاء القانون الدولي.. والذين تدرجوا في الاعتراف بشرعية التأميم من كونه داخل حدود الوطن, الى كونه أكثر عمومية, ومن كونه مقيدا بتعويض حال ومناسب وبعملات صعبة.. الى كونه حقا سياديا يكفيه وعد بالتعويض. هكذا أصدرت المحكمة الفيدرالية العليا بألمانيا الغربية حكما لصالح أندونيسيا حيث أممت المصالح الهولندية (وبعضها في المانيا).. وهكذا جاء حكم المحكمة العليا بالولايات المتحدة عام 64 بمناسبة تأميم كوبا للمصالح الأمريكية والتي لم تؤد عنها كوبا تعويضا عاجلا وبالدولار, فجاء الحكم يقول: (يكفي لشرعية التأميمات وعد بالتعويض, وأنه يتعذر في ظل الأوضاع الدولية المعاصرة القول بأن التعويض الحالي شرط لصحة التأميم فالتأميم حق سيادي, وكوبا لم تخالف القاعدة الدولية). صدر هذا الحكم وتدخل الكونجرس ليسن قانونا يلزم فيه المحاكم بغير ما قضت به! هكذا كان إشعاع ما يحدث على الأرض المصرية ومن جانب الثورة.. لكن السؤال استمر قائما حول شخصية عبدالناصر التي صنعت كل ذلك. وربما جاءت الاجابة على السؤال هذا العام بمثابة اضافة مهمة, فهذا تحليل سيكولوجي لشخصية عبدالناصر ابن الطبقة المتوسطة الذي توفر لديه حافز الانتقام من الفساد والاقطاع والاستعمار.. وهذا تحليل سياسي يتحدث عن ولع عبدالناصر بامتلاك السلطة والقوة لا لكي يباهي بها أو ليحتل منصبا, وإنما ليستخدم السلطة والقوة والمنصب في تحقيق أحلامه, التي هي حلم الوطن كله. يروي د. عزيز صدقي أول وزير للصناعة عمل مع عبدالناصر منذ الخمسينيات, ثم عمل رئيسا للوزراء في السبعينيات.. يروي أنهم كانوا وقوفا على ربوة في أسوان عام 65 وكان الحضور: ناصر وخروشوف والملك الحسن.. وكانت المناسبة تحويل مجرى النيل ليشق طريقا آخر بعيدا عن السد العالي فيتكون الخزان وتتدفق المياه ـ عبر قناة التحويل مولدة ملايين الكيلوواتات من الكهرباء. ضغط الزعماء على زرار كهربائي فتدفقت المياه لأول مرة إلى قاع نهر جديد .. تجمع آلاف العمال على بعد يهتفون, واستدعى ناصر عزيز صدقي وقال لهانظر الى هؤلاء .. من أجلهم فعلنا كل ذلك, فهم المستفيدون من النهضة). ومرة ثانية, وكان اللقاء في سخالطوبو حيث كان عبد الناصر يعالج بعد النكسة في الاتحاد السوفييتي, ووجد عزيز صدقي الرئيس واجما فقال له ( ما شأنك؟ .. هل أنت غير سعيد بما أنجزناه؟ فرد قائلا: أنا سعيد بما تم من بناء.. ولكني أفكر فيما سوف يصنعه الآخرون بعد أن نرحل . إنني أخشى هذا اليوم, لذلك أقول..أسرع بالبناء .. أتم ما استطعت من مصانع فذلك هو مالن يستطيعوا هدمه. ويصمت عزيز صدقي وكأنه يريد البكاء ثم يقول: وقد بنينا .. وجاء من بعدنا ليبيع ما بنيناه! وتمضي حكايات سبتمبر لتقول : لقد مات الرجل ولم يملك منزلا أو قيراط أرض أو سهما في شركة.. كان بيته ملكا للدولة وعند الوفاة تقدم عزيز صدقي بمشروع قانون لتحويله الى استراحه تعيش فيها زوجة الزعيم . . فقد كان الأبناء في طور الزواج, وكان راتب الابنة الكبرى حينذاك (د.هدى عبد الناصر) أربعين جنيها في الشهر فتزوجت حاتم صادق الذي أصبح مدير البنك فيما بعد. رحم الله ناصر.. ورحم الله قيما وملامح نكاد نفتقدها .. نموذج الحاكم المتجرد الذي يعيش من أجل الآخرين ويكفيه من الحياة, إنجاز سياسي .. وقطعة جبن وفيلم سينمائي يشاهده في المساء! بقلم: محمود المراغي