مصطلح الحرب في اسرائيل هو مصطلح دامغ يربطون بينه وبين شتى مناحى الحياة والمجتمع والاقتصاد والادب. وبالنسبة للادب فان النقاد فى اسرئيل اعتادوا ان يربطوا ما بين الحروب, التي خاضتها اسرائيل وبين مراحل هذا الادب , فيقولون ادب حرب 48 وادب حرب 67 وادب حرب 73 ولان هناك اتفاقا بين مؤرخي ونقاد الادب .ولان العمل الادبي يعتبر بمثابة وثيقة تاريخية فقد اكتسبت الدراسة التي اعدها الدكتور رشاد الشامي استاذ الادب العبري ورئيس قسم اللغة العبرية بجامعة عين شمس اهمية اضافية خاصة وانها تتناول اعترافات الاسرائيليين عبر كتاباتهم عن حرب اكتوبر. عندما نشبت حرب اكتوبر 73 ,احدثت صدمة وتغييرا في الواقع الاسرائيلي على كافة الاصعدة ,وانبرى الأدباء الإسرائيليون للكتابة عن تلك الخلخلة التي حدثت في التوازن النفسي والاجتماعي ,بل والامني في نفوس الاسرائيليين ,وبدأت ارهاصات مراجعة شاملة لكل المسلمات السابقة ,وتم ذبح العديد من الابقار الاسرائيلية والصهيونية المقدسة ,وهو الامر الذي خلق رأيا عاما يخشى الحرب وكوابيسها.. فكان الرفض المبكر والعارم لغزو لبنان عام 82 . وقد ظهرت خلال هذه الفترة أعمال أدبية روائية عبرت عن التفسخ الاجتماعي والسياسي الذي اجتاح اسرائيل بعد حرب 73 ,وقد كشف لنا هذه الكتابات (وهي لا تزال الاكثر تأثيرا في اسرائيل) وقام بتحليلها في دراسته القيمة لاتزال تحت الطبع ـ الدكتور (رشاد الشامي) حيث اكد بداية أن حرب اكتوبر اجبرت الكتاب الاسرائيليين على الالتزام الى حد كبير بـ(الصدق التاريخي) والبعد عن الادب المجند المروج للافكار الصهيونية ,وكان تناول الكتاب الاسرائيليين لحرب اكتوبر يجري من خلال زوايا مختلفة ابرزها الخوف من المصير الوجودي الذي ينتهي بهم الى الفناء ,وآثار هذه الحرب على قضية الانتماء والمسعى للعودة الى الشتات اليهودي باعتباره أكثر أمانا من الحياة في دولة اسرائيل التي تتهددها الحروب الدائمة طالما إن قضية الصراع العربي الاسرائيلي لم تحل . من الروايات التي رصدها الدكتور رشاد الشامي في دراسته التي ترصد ,حسب وصفه,(تفكيك الصهيونية في الادب الاسرائيلي) رواية (العاشق) للكاتب ذي الشهرة والتأثير في اسرائيل (أ .ب. يهوشواع) .وترجع اهميتها الى انها رصدت بدقة وبصدق انعكاسات هذه الحرب على الانسان والمجتمع الاسرائيلي.فتضمنت فقرات الرواية اعترافات صريحة بالهزيمة وفداحتها مثل تلك الفقرة التي تقول : (كانت ثمة حرب ,اجل وقعت علينا وقوع الصاعقة .وها أنا ذا أعود إلى اعماق الفوضى التي سادتنا ,مازالت أمام اعيننا الى اليوم قائمة بأسماء بعض المفقودين .الاحاجي ولا يزال الاقارب والاهل يلملمون الآثار الاخيرة. مزق الثياب ومزيج صفحات البطاقات المتفحمة والاقلام المعجونة والمحافظ المثقوبة وخواتم الزواج المصهورة). بطل الرواية تناول بشكل ساخر الغرور الاسرائيلي الذي سبق الحرب حيث حضر اليه (وهو يعمل في جراج) مع بداية الحرب واستدعاء قوات الاحتياط لأعداد كبيرة من الجنود والضباط الاسرائيليين يطلبون استغلال فترة غيابهم (القصيرة )لتنظيف الكاربارتير أو تغيير البوجيهات ..فقد ظنوا انفسهم في رحلة مغامرات قصيرة او على الاكثر امام حرب قصيرة, ويعودون بعد ايام الى البيت ويستلمون السيارة ,ولكن العودة لم تكن سريعة كما توقعوا وكان على ان آخذ سيارته بنفسي الى بيت والديه وان اشد على ايدي أهل الفقيد هامسا بأقوال التعزية ,وان اسامحهم في التكاليف التي وصلت الى بضع مئات من الليرات ( عملة اسرائيل آنذاك). ويسترسل الكاتب :اما السيارات الاخرى فقد جاءت النساء لتسلمها أولا, اللواتي تعلمن القيادة .ولم يحدث أن التقيت بمثل هذا العدد من النساء كما حدث لي في تلك الاسابيع التي تلت الحرب. وتصف الشخصية المحورية في الرواية حالة اسرائيل بعد مرور أربعة أشهر على الحرب بقولها: في الشوارع حركة لا تتوقف ,فوضى قوافل عسكرية ,سيارات خاصة شاحنات ,جنود ينتظرون من يقلهم يبرزون فجأة في منتصف شارع مقفر ,مغبرين وقد مرت أربعة اشهر على الحرب والبلاد لاتزال غير مستقرة ,اناس يطوفون على شيء غامض لتصفية حساب ما. الهروب من الموت كاتب الرواية جعل الشخصية المحورية تحاول الهروب من الموت الى الجماعات الدينية غير الملزمة بالقتال لكنه يعلن في النهاية :ان الصهيونية لفظت انفاسها بعد حرب اكتوبر ,لكن الطرح الديني لن يكون هو الطرح البديل المطروح أمام دولة اسرائيل بعد هذه الحرب. وبشكل عام من بين الحروب الاسرائيلية العربية حظيت حرب السادس من اكتوبر 1973 بنصيب وافر من الاهتمام من جانب الروائيين الاسرائيليين ,وصدرت في اعقاب هذة الحرب اعداد لا بأس بها من الروايات والقصص القصيرة والاشعار والمسرحيات التي تناولت رد فعل وآثار هذه الحرب على الانسان الاسرائيلي بشكل خاص وعلى المجتمع الاسرائيلي بشكل عام . وقد عبر الادب العبري الاسرائيلي عن الحالة التي سادت المجتمع الاسرائيلي سواء قبل الحرب او اثناءها او بعدها راصدا لكل دقائق الفزع الوجودي الذي حل بالاسرائيليين سواء اثناء القتال بمراحله المختلفة او مابعد الحرب ومحاولة استخلاص العبر من ذلك الدرس الذي ما زالوا يتذكرونه حتى اليوم بالرغم من مرور اكثر من ربع قرن من الزمان عليه . ومن الروايات الهامة في هذا الاطار والتي كفرت بالصهيونية وهي تندرج تحت ما وصفه الدكتور رشاد في دراسته أدب ما بعد الصهيونية رواية (عيسو) لـ (مائير شاليف) و التي اعلنت عن فشل الصهيونية وفشل مشروعها الاساسي ,وهو دولة اسرائيل حيث توقع المؤلف ان تتحول الدولة لمقبرة قومية وبذلك تعود فلسطين لتقوم بدورها الاخلاقي الذي كانت تقوم به حيال اليهود وهم في الشتات . وفي رواية (عيسو) يتنبأ بأن المخبز الذي كان يمتلكه ابراهيم واورثه ليعقوب دون عيسو سوف يعود لنسل عيسو وربما يتوالد من تزاوج عيسو ورومي (رمز حركات السلام في اسرائيل )نسلا جديدا . هجوم عنيف يذكر ان رواية عيسو تعرضت بشكل خاص لهجوم عنيف لان مؤلفها تجرأ وانكر الاساطير اليهودية المتصلة بالميراث الأبدي لليهود على ارض فلسطين . كما يذكر انها من الكتابات التي عبرت ايضا عن الاتجاه نفسه وابدت احتجاجها وألمها لمسلسل الحروب الطويل بلا ثمن وطرحت بصراحة وضع الفلسطينيين ايضا :(غروب قروي) (لاسحق برنير) وذكرى الاشياء (ليعقوب شبتاي) و(مرثية لنعمان) وشيء مثير للسأم (لبنيامين تموز) و(عسائيل) (لاهارون ميجد) وفي منتصف الرواية (لحانوخ برطوف). ويذكر ايضا ان الشعر هو اول من تأثر بالهزيمة او زلزال اكتوبر حسبما وصفته بعض القصائد ,لكن الكتابات الروائية انتظرت بضع سنوات قبل ان تسجل برؤية شاملة ابعاد وآثار الهزيمة ولذلك لا تزال هذه الكتابات الروائية هي الاكثر توزيعا أي اننا يمكننا القول في النهاية بان حرب اكتوبر علمت الاسرائيليين الادب .