هؤلاء المنشغلون بصورتهم اكثر من انشغالهم بحقوق الانسان والمواطن, او بالديمقراطية في هذا البلد العربي او ذاك, لم يبذلوا ولن يبذلوا جهدا يذكر من اجل, او في صالح التحول الديمقراطي في هذا البلد او ذاك, ولا حتى للاطلاع على تجربة التحول الديمقراطي في اي من دول العالم العربي والعالم الثالث, ولا حتى في اوروبا. وقد نزلت عليها نزول الوحي عبارات مثل (الحل هو الديمقراطية) على وزن (الاسلام هو الحل) , ثم راحوا يحرمون ويحللون بنفس منطق العبارة الثانية, مع الفارق الكبير ان اهل العبارة والثانية يحللون يحرمون بنفس شعبي جماهيري نجحوا باستنطاق عصبيته وغرائزه لصالح خطابهم, فيما يحرم اصحاب العبارة الاولى ويحللون دون تواضع بنفس المؤسسات الاجنبية الداعمة, والمؤسسات الداعمة على انواع ومنها ما لا عيب فيه ومنها ما يسمى الـ (لىف َفكىْمٍء) التابع مباشرة للحكومة الامريكية. وغالبا ما يعمل هؤلاء في مؤسسات عديمة الشفافية تبشر بالديمقراطية والشفافية, وينادون بالديمقراطية من خلال جمعيات يديرها رجل واحد وحوله مجلس امناء ويكتفون بالعمل التطوعي ولا يستعدون لبذل ساعة واحدة تطوعا او كتابة ورقة واحدة دون اجر, على اية حال هذا موضوع نقاش آخر, ليس هذا مكانه, وباستطاعة المرء ان يقول كلاما صحيحا حتى من موقع مهزوز وركيك, ولكن المشكلة انه في مثل هذه الحالة لا يمكن تجاهل العلاقة بين الحديث عن الديمقراطية تبشيريا, دون تذوق قيمها ونظرياتها, ودون ادنى مساهمة في الصراع على الديمقراطية في المجتمع من ناحية, والموقع المدعم اسرائيليا (يسار صهيوني, صحافيون, باحثون عمن يشتم العرب) وامريكيا, وعلى اية حال تشذ جمعيات عديدة عن هذه القاعدة وتنشط في قضايا الديمقراطية دون ان تمنح ذاتها وغيرها ومجتمعها شهادات, والاواخر يشفعون للاوائل على هذه العلاقة, وبامكان الموقع الخاطىء ان يطرح نقاشا صحيحا وان كان مجردا وننتقل الى لب الموضوع. على من يجهد نفسه في الحديث عن الديمقراطية ان يجهد نفسه قليلا بالتنقيب عن سياقاتها التاريخية, والفئات الاجتماعية الحاملة للفكرة الديمقراطية والقادرة على فرضها او المستعدة لخوض معركة سياسية من اجلها. لقد استنفرت الطبقة الوسطى (الثالثة) في الرابع عشر من يوليو ,1789 في الهجوم على الباستيل, جماهير المدنية ضد امتيازات الارستقراطية والكليروس ومن اجل المشاركة في السلطة السياسية واتخذ هذا المسعى شكل تنظيرات فلسفية وسياسة عقلانية ونقدية وتثبيت لفكرة المواطنة ما لبثت ان دخلت في جدلية وصرعات لم تفتأ تعيد تشكيلها حتى يومنا هذا. ومنذ ,1848 عام الثورات الديمقراطية في اوروبا وربيع الشعوب, لم تقم في الواقع ثورات ديمقراطية, اي ثورات هادفة الى تأسيس حكم ديمقراطي ليبرالي لا في اوروبا ولا في العالم. وربما كان تحالف الجيش والشعب في البرتغال في احداث التطور الديمقراطي في ذلك البلد حالة فذة بين التحولات الديمقراطية في هذا القرن, ففي اسبانيا وصل الملك كارلوس الى السلطة كخليفة لفرانكو بالاساليب القديمة وانطلق الاصلاح الدستوري الديمقراطي من فوق, ولكن البلد كان جاهزا بمؤسساته وطبقاته الاجتماعية لاستقبال هذا التحول بالطرق السلمية. اما في ديكتاتوريات دول اوروبا ذات الحزب الواحد فقد وصلت حملة الاصلاح الديمقراطي الى السلطة بالاساليب القديمة عبر الترقي والتسلق في جهاز المخابرات والحزب, ثم بدأ الاصلاح من فوق دون ثورة شعبية الى ان فقدت اللجنة الاصلاحية سيطرتها على الاصلاح المتردد الذي ما لبثت ان اطلقت له العنان. وقد تفاوتت دول اوروبا الشرقية بقدرتها على تحويل هذا الاصلاح الى نظام ديمقراطي بمدى تطورها الاجتماعي وقدرتها على اقامة مؤسسات ديمقراطية وبقدر تجانسها وقدرتها على الحفاظ على وحدتها من التفتت على اساس ديني او قومي. وقد تفتت بعض هذه المجتمعات وزج في حروب اهلية وحشية, او لبست فيه النخب القديمة لبوس الديمقراطية وحافظت على سلطتها تحت شعارات قومية عصبوية ذات طابع عرقي. ونجح بعضها الآخر بالانتقال الى شكل محافظ من الديمقراطية الليبرالية, ولنعلم علما واثقا ان قسما من الاقطار العربية من تركة سايكس بيكو يواجهون تهديدا من هذا النوع, وان على الاصلاح الديمقراطي ان يأخذ هذا السياق بعين الاعتبار. لا تتم هذه الاصلاحات من اعلى نتيجة للوعظ او التبشير انما نتيجة لازمة الحكم وعدم قدرته على الاستمرار بالاساليب القديمة, او نتيجة لازمة الاقتصاد, وغالبا ما انطلقت الاصلاحات في العالم الثالث بعد قمع هبة شعبية اندفعت الى الشوارع ضد رفع اسعار الخبز او المحروقات او بعد الفشل في حرب فاشلة زجت فيها البلاد وهكذا. ولماذا نذهب بعيدا؟ فقد شهد العالم العربي مؤخرا عدة محاولات فوقية للاصلاح الديمقراطي, بعضها بقي تحت سيطرة النظام القائم (مصر, الاردن, المغرب) وبعضها الآخر خرج عن سلطة النظام القائم, فماذا كانت النتيجة؟ الانقلاب العسكري المحاولات التي خرجت عن سيطرت النظام هي تلك التي بدأت بتداول السلطة ذاتها وفتحت الابواب على مصراعيها للانتخابات: (1) محاولة اللواء سوار الذهب في السودان والذي انقلب على الديكتاتور النميري واعلن ان حكمه مؤقت لحين عقد انتخابات, وعقدت انتخابات فعلا ليتلوها انقلاب عسكري, (2) محاولة الشاذلي بن جديد بعد ازمة الجزائر الاقتصادية والاجتماعية لاجراء انتخابات برلمانية بعد فوز الحركة الاسلامية في الانتخابات البلدية, فاجهضت بانقلاب عسكري ادى الى حرب اهلية ما زال جمرها متقدا تحت الرماد. ومع ذلك تبقى قضية الديمقراطية مطروحة بالحاح في العالم العربي, لان العولمة الاعلامية والفكرية تطرحها كما تطرح ردود الفعل عليها, ولان معظم الانظمة العربية قد استنفد مقومات تطوره, كما فقد القدرة على سد حاجات الجماهير المادية والروحية التي باتت اكثر تنوعا وتركيبا, فكم بالحري عند الحديث عن حاجات الناس الاولية وحتى البدائية بمفاهيم العصر الحديث؟ ليست حقوق المواطن قضية رفاهية بل باتت حاجة وهي تحتاج الى من يطرحها على المستوى الاجتماعي والسياسي والفكري. ويجب ان يتم هذا الطرح بموازاته للنضال السياسي في القضايا الاجتماعية اليومية التي تهم الناس, قضايا الفساد وتدني الاجور, ونصر الفئات الطفيليه في المجتمع, ونظام المحسوبيات, وغيره من القضايا التي يواجهها المواطن في حياته اليومية والتي لا يمكن حلها دون اجراء اصلاحات, هكذا تضطر الانظمة الى اجراء اصلاحات, اي عندما يتبين ان استمرار الوضع يؤدي الى ازمة في العلاقة مع الجماهير, الامر الذي يهدد النظام باجمعه, وتنطلق الاصلاحات, وعندما تنطلق يجب ان يكون هنالك من يطالب بتوسيعها لتشمل المجال السياسي, او على الاقل مجال الحقوق السياسية, ولا يبدأ الامر عادة بعملية تداول السلطة, وانما يؤدي اليها. لم يخل العالم الثالث من حالات ثورية نادرة استحقت التماهي معها مثل حال الساندنيستا في نيكاراجوا, لقد وصل اولئك الثوريون الى السلطة بواسطة حرب العصابات غزيرة الضحايا والتي خاضها على ابواب الولايات المتحدة ضد ديكتاتورية مدعومة من هذه الاخيرة في احد اسوأ عصورها, عصر رونالد ريجان, وقد انتصروا وبعد انتصارهم تنازلوا عن احتكار السلطة في انتخابات خسروا فيها السلطة, وما زالت عملية تطور نيكاراجوا مفتوحة لم تستكمل ولسنا هنا في معرض بحث العوامل التي ادت الى هذا القرار الذي قاده الثوريون الديمقراطيون في ذلك البلد. ولكن من الواضح ان عملية مواجهة الديكتاتوريات في الوطن العربي لم تنجب حرب عصابات يخوضها امثال الساندنيستا. وانما انجبت احزابا تحالفت مع الديكتاتوريات بمختلف الذرائع مثل علاقتها الجيدة مع الاتحاد السوفييتي او نتيجة لتقييم دورها الاجتماعي والقومي, كما انجب هذا الواقع ردود فعل غير ديمقراطية على الديكتاتوريات وعلى الحداثة والتحديث. ويبدو اننا ما زلنا بعيدين عن تحول فوري ديمقراطي مباشر في معظم البلدان العربية وان الامل يكمن في مخاطبة وعي النخبة الحاكمة او الضغط عليها لاجراء اصلاحات ديمقراطية والنضال هو وسيلة الضغط, ثم توسيع هذه الاصلاحات الى ان تلامس النظام الديمقراطي. ام الديمقراطية الليبرالية كنظام في الحكم فيجب ان تكون معروفة وان تدرس وتدرس بعناية اذ لا توجد ديمقراطية اخرى غيرها اثبتت قدرة على الاستمرار والتطور, ويجب ان يكون هنالك دائما من يقول هذا اصلاح ولكنه غير كاف, وانه مازالت هنالك خطوات اخرى عديدة يجب اتخاذها للوصول الى الديمقراطية ولو كانت هناك قوى ديمقراطية قادرة على تنظيم ذاتها كخيار جماهيري وقادرة على طرح ذاتها كبديل للحكم, كان هذا هو البديل الافضل بالطبع وهو على اية حال لن ينطلق من اسرائيل. بقلم: د. عزمي بشارة