وصف صحافي هندي التدافع الاخير للتطورات في اقليم كشمير بانه (اشبه بطريق ظهر فجأة عبر الادغال واخذ يتسع بسرعة ليصبح طريقا عريضة, اختفت على الفور وكأن هاوية ابتلعتها) . على مدى 12 عاما, أحكمت الحركة الانفصالية التي اتخذت من العنف سبيلا لمقاومة الهند بدعم من باكستان, قبضتها على وادي كشمير الخلاب معلنة مسئوليتها عن مقتل ما بين 60 و70 ألف شخص. إمكانات حل الأزمة التي تعود جذورها إلى قرار ضم الهند الإقليم إليها بعد استقلالها العام 1947 كانت تبدو مثار اشمئزاز إلى أن أحيت فورة نشاط ديبلوماسي لافتة آمالا بارزة. وفي اختصار, بدأت القصة مباشرة بعد زيارة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون لشبه الجزيرة الهندية في مارس الماضي وإطلاق السلطات الهندية بعض كبار قادة (مؤتمر حريات حزب الجميع) وهو المظلة التي تلتقي تحتها الجماعات والأحزاب السياسية التي تطالب بالانفصال, مقترحة الحوار. الحزب الكشميري الحاكم (المؤتمر الوطني) الذي يتزعمه رئيس الوزراء فاروق عبدالله قام بالخطوة الثانية عندما مرر في (يونيو) الماضي قرارا من خلال سلطته التشريعية يدعو نيودلهي إلى منح الإقليم مقدارا واسعا من الحكم الذاتي. نيودلهي رفضت من دون إبطاء النداء, لكن حتى قبل أن يبدي الكشميريون استياءهم من لامبالاة الهند, عمد أكبر أحزاب الإقليم (حزب المجاهدين) إلى إعلان وقف للنار مدته ثلاثة أشهر, محييا الآمال في إمكان إحلال السلام في المقاطعة المضطربة. تلقفت العاصمة الهندية مبادرة وقف النار وبدأت المحادثات كي يعلن من باكستان بوضوح عن إجهاضها بعد جولة واحدة. في الثالث من (أغسطس) بعد الجولة الأولى من المحادثات, أعلن من باكستان القائد الأعلى للحزب محمد يوسف شاه المعروف أكثر باسمه الحركي سيد صلاح الدين شرطا جديدا فرضه على المحادثات ويقضي بضم إسلام أباد إليها. وهدد بوقف المفاوضات والتراجع عن وقف النار مع حلول الثامن من أغسطس إذا رفضت الحكومة الهندية. لكن نيودلهي كما كان متوقعا رفضت الشرط الجديد وعاد الوضع في كشمير إلى الوراء منزلقا مرة أخرى نحو العنف والإرهاب. وعلى رغم انتشار الجماعات الأخرى, ما زال حزب المجاهدين الأقوى على صعيد القتال. كوادره هي على نحو واسع من الكشميريين, أما شبكته فهي مدعومة من حزب )الجماعة الإسلامي) وهو الحزب السياسي الديني. البعض يرى أنه في وقت أثار عرض وقف النار حساسية معينة, جاء تراجعه المفاجىء مخيبا للآمال. ويقول فضل الحق قريشي رئيس الحزب الانفصالي الذي اضطلع بدور الوسيط في المحادثات: إغلاق الباب باكرا على مساعي السلام جاء محبطا للغاية. لكنني على يقين من أن الباب سيفتح مجددا, لأنه ليس هناك من خيار آخر سوى معاودة التفاوض. أحد مساعدي قريشي ويدعى ياسين دوراني واثق من أن المفاوضات يمكن أن تستأنف في غضون أسبوعين. في حين أن مصدرا في الاستخبارات الهندية وصف هذا القول بأنه شديد التفاؤل, مضيفا أن تقديرنا للأمور أن حزب المجاهدين وحريات حريصان كلاهما على أن تحصل تسوية مبكرة, حتى في ظل الدستور الهندي أو بمعنى آخر عدم الإصرار على انفصال كشمير. القائد الأعلى لحزب المجاهدين صلاح الدين ألمح عندما تراجع عن وقف النار في الثامن من (أغسطس) إلى أن الحوار يمكن أن يُستأنف في المستقبل, لكن موقفه سيكون أكثر صلابة. في الحادي عشر من (أغسطس), هدد الهند بتنفيذ (إضرابات عمومية ... لم تشهدها البلاد في الأعوام العشرة الماضية) , وحض باكستان على اجتياح كشمير, وأعلن الحزب أيضا مسئوليته عن الانفجار الكبير الذي حصل في وسط (سريناجار) عاصمة جامو وكشمير, وحصد 14 شخصا بمن فيهم مصور صحافي وضابط كبير في الشرطة في العاشر من (أغسطس). بعض المسئولين الهنود يشككون في إدّعاء الحزب تورطه في تفجير السيارة خصوصا أن المجموعة الجهادية (لاشكار إي تويبا) كانت أول من أعلن مسئوليتها (ومن ثمّ عادت فتراجعت عنها). ويقول (ك. فيجايكومار) المفتش العام في سريناجار لقوة أمن الحدود: إن جعل حزب المجاهدين صاحب الفضل في العملية لهو كرم فائض من جانب لاشكار, لكن الهدف هو بوضوح إزالة أي انطباع بان الحزب قد لين مواقفه. ضغوط متزايدة ويقول بعض المحللين أن حزب المجاهدين يواجه ضغوطا متزايدة من جانب باكستان. ويرى أحد ضباط وكالة المخابرات الهندية أن (بعض الكشميريين ممن التقوا صلاح الدين في باكستان يصفونه بأنه رجل محبط, يعيش كأنه في قفص من ذهب) . وعلى عكس (لاشكار إي تويبا) و(حركة المجاهدين) ومجموعات جهادية أخرى, فإن (الحزب) كما تُختصر التسمية, لديه قليل من الباكستانيين في صفوفه, ولا توجد له أي قاعدة في باكستان. وهذا ما يجعل سلوكه العام أمام خيارات قليلة وأن من الأفضل له أن يلحق بركب السياسة الباكستانية. ويشير بعض المحللين إلى أن صلاح الدين كان عليه أن يخضع لمشيئة إسلام أباد وأن يضع شرطا جديدا نسف المفاوضات من أساسها. لكن السؤال يبقى: لماذا أغرقت باكستان المفاوضات, خصوصا أن حكومة الجنرال برويز مشرف لا بد أنها وافقت عليها أصلا؟ مزامل جليل أحد الصحافيين المقيمين في سريناجار يرى أنه من دون الضوء الأخضر الذي أعطاه مشرف والعون الذي قدمه, لما كان حزب المجاهدين قد خاض في مبادرة وقف النار. إذن ما الذي جعل مشرّف يغير رأيه؟ مراقبون يقولون أن الجنرال خضع لضغوط من الجماعات الإسلامية المتطرفة في باكستان ومن جانب المنظمات الجهادية التي نظمت عروضا دامية للتعبير عن رفضها, فقتلت نحو 100 شخص في وادي جامو وكشمير بمن فيهم هندوس وعمال مهاجرون في خمسة حوادث منفصلة حصلت جميعها في ليلة واحدة. تنظيم (حريات) المظلة الجامعة للأحزاب السياسية الكشميرية الداعمة للانفصال عن الهند, ربما تدخل لدى إسلام أباد لوقف اندفاع حزب المجاهدين, لكن نظرة باكستان للموضوع أن المفاوضات كانت سائرة بشكل جيد ويجب ألا تتوقف. ربما لم تتوقع باكستان أن ترد الهند بإيجابية على عرض وقف النار. وكما يقول ياسين دوراني مساعد قريشي وسيط المحادثات: (اعتقدت باكستان ربما بعد تلمسها الجو الحميم الذي يحيط بالمفاوضات أنه إذا تقدمت المحادثات قد يذهب قياديو الحزب بعيدا في تعاطيهم مع نيودلهي تاركين إسلام أباد وحدها في العراء) . هذه الملاحظات تفوت إدراك الكشميريين العاديين الذين يلقون عادة باللوم على الهند في فشل المفاوضات. ويسأل (برفيز باهت) (30 عاما) وهو أحد رجال الأعمال في سريناجار: لماذا لم تقبل الهند ضمّ باكستان إلى المحادثات؟'' أما محمد صادق (32 عاما) وهو سائق تاكسي فيسأل هو الآخر: ما الضرر من المفاوضات المثلثة؟ في منتصف الطريق ويجادل عمر عبدالله ابن رئيس الوزراء فاروق عبدالله وأحد الوزراء في الحكومة الائتلافية الهندية التي يرأسها آتال بيهاري فاجبايي في حديث لإحدى الصحف قائلا: ذهبت الحكومة إلى أقصى ما يمكنها (من خلال موافقتها على عدم الإصرار على حصر الحوار في نطاق الدستور الهندي), ولم يكن الأمر سهلا أبدا. وكان على حزب المجاهدين أن يتقدم الميل الآخر المطلوب وأن يلاقي الحكومة في منتصف الطريق. هذا الشعور الذي لقي صدى من جانب الولايات المتحدة الأمريكية التي أعلن الناطق باسم خارجيتها (ريتشارد باوتشر) قائلا: نحن نعتقد ببساطة أن الحوار لم يُعط وقتا كافيا, وأن مهلة الثامن من (أغسطس) كي تقوم بعدها محادثات ثلاثية بانضمام باكستان تمت إضافتها لاحقا. تعرف الهند أن عليها أن تحاور باكستان كي تحل أزمة كشمير, (قالها فاجبايي أخيرا), لكن ليس في هذه المرحلة. وترى نيودلهي في وقف النار الذي أعلنه حزب المجاهدين فرصة كبيرة. ويقول (آشهوك بهان) المفتش العام لشرطة جامو وكشمير: ان يكون حزب المجاهدين إلى جانبنا, فإن التعاطي مع حزب لاشكار وغيره من الجماعات الخارجية, ما دامت تضم عددا قليلا من الكشميريين في صفوفها, يصبح سهلا, لأن تلك الجماعات ستجد صعوبة في العمل من دون مساعدة الحزب.ويقول محللون إن سببا واحدا دفع بحزب المجاهدين إلى إعلان وقف للنار من جانب واحد, وهو الضربات المتتالية التي تلقاها من أجهزة الأمن الهندية. فقد قُتل عدد كبير من كبار قيادييه, وبدأت باكستان تفضل عليه جماعات انفصالية أخرى. وبرزت تصدعات على مستوى الحزب نفسه. قائد عمليات السرايا المقاتلة مجيد دار الذي كان أول من أعلن وقف النار في سريناجار في 24 (يوليو) كان قد لوح بذلك قبل مدة. واستنادا إلى تقارير, فإن الحزب عمل في وقت سابق من هذه السنة على جسّ نبض نيودلهي من خلال إرسال كشميري أمريكي إليها, وردت نيودلهي بإيفاد مبعوث إلى باكستان لإجراء محادثات سرية مع السرايا العسكرية التابعة للحزب. ومن ثمّ عقدت محادثات في دبي بين دار وعملاء في المخابرات الهندية في حضور غلام نبي فاي وهو الوسيط الكشميري الأمريكي. أتيح لدار بعد ذلك أن يزور كشمير ويتحدث مع قياديي التنظيم في الإقليم من دون أن يخشى الاعتقال. ولاحظ أن معظم هؤلاء يؤيدون خطته لوقف النار كما بعض قياديي (حريات) لكن مسئولي (حريات) أرادوا أن يكونوا هم تحت دائرة الضوء, وفكروا في تأخير إعلان (دار) , ويؤكد عبد الغني لون أحد قادة (حريات) في هذا الإطار: التقاني عبد المجيد دار في 23 (يوليو) وقد حضيته على التريث. قلت له أن يدع حريات تناقش الموضوع وأن تعلن هي المبادرة, لكنه لم يستمع إلي. شعرنا آنذاك بأنها خطوة متسرعة وأن من شأنها أن تعقد الأمور. بعد ذلك جس (دار) نبض معارضي (حريات) فاختار فضل الحق قريشي وهو أحد الانفصاليين المعروفين باعتدالهم وحنكتهم, كي يكون وسيطا في المحادثات. ويوضح قريشي أنه لم يسمع أي شيء عن (دار) بعد انهيار المحادثات. ويقول متأسفا: (ضاعت فرصة عظيمة) . وعلى رغم ذلك, فإن قريشي ما زال واثقا من أن الحوار سيستأنف. وكي تشجع عليه, أعطت نيودلهي قوى الأمن الهندية أوامر بعدم القيام بأي عمل عسكري أو أمني ضد حزب المجاهدين, كما كشف مسئولون في الحكومة. في غضون ذلك, وجه الرئيس الأمريكي بيل كلينتون رسالة (عنيفة) إلى الجنرال (برويز مشرف) مشيرا إلى تجدد العنف في إقليم كشمير وداعيا إياه إلى إقناع حزب المجاهدين بمعاودة المحادثات مع الهند. فالولايات المتحدة تنظر بحذر إلى اتساع نشاط الميليشيات الإسلامية المتطرفة, التي يرتبط بعضها بحركة طالبان وبأسامة بن لادن. يضاف إلى ذلك مخاوف من أن يتحول النزاع على كشمير كرة ثلج قد تكبر بحيث تؤدي إلى نشوب حرب جديدة بين الهند وباكستان, الجارين اللدودين اللذين انضما أخيرا إلى نادي مالكي القنبلة الذرية. لكن حتى لو استؤنفت المحادثات, فما هو غير واضح حتى الآن, كيف ستتواصل في ظل هذه الانقسامات؟ في باكستان, ترى شريحة كبيرة من الجيش الذي يحكم البلاد, كما معظم الميليشيات المقاتلة أن لا مستقبل لتلك المفاوضات, كما كتب عارف جمال أحد المعلقين في (ذي نيوز) الجريدة اليومية الباكستانية قائلا: هناك توافق بين العسكر والمجاهدين على أن الجهاد هو الطريق الأشرف الوحيد لتحرير كشمير. يبدو أن لا رغبة في التفاوض. عريضة المهراجا في الهند تنفر معظم الأحزاب السياسية حتى من مبدأ العودة إلى وضع الحكم الذاتي الذي كان قائما عندما وقع المهراجا عريضة الانضمام إلى الهند. وقد دعا رئيس الوزراء فاروق عبدالله إلى تسوية من هذا النوع في (يونيو), وأعد مشروع قانون رفع إلى الحكومة الفيدرالية. لكن حكومة آتال بيهاري فاجبايي رفضت المشروع, ما حدا بالمحللين إلى التقدير بأن الهند يمكن وبكل واقعية تقديم هذا العرض لحزب المجاهدين. هذا الحزب على نقيض حزب المؤتمر الوطني الذي يرأسه فاروق, قد لا يرضى كثيرا بالحكم الذاتي خصوصا أنه يقاتل ليس فقط من أجل انفصال الإقليم, بل أيضا من أجل الانضمام إلى باكستان. لكن كما يقول أحد المراقبين: من الممكن أن يتراجع حزب المجاهدين, وإذا كان على نيودلهي أن تقدم تنازلات فمن الأفضل أن تقدمها للرجل المسلح وليس لحزب سياسي يحظى بدعم شعبي باهت. مراسل (وورلد نيوز لينك) بارتاس بانرجي التقى فضل الحق قريشي وسيط حزب المجاهدين في المحادثات في منزله في سرينجار واجرى معه مقابلة خاصة في مايلي مقتطفات من ابرز ما جاء فيها: * كيف انخرطت في كل هذه العملية؟ ـ قبل أن يعلن عبد المجيد دار (القائد العسكري في حزب المجاهدين) وقف النار, تحادث مع عدد من قياديي (حريات) (التنظيم المظلة للأحزاب الكشميرية الانفصالية) عن خطته طالبا تعاونهم. لكن زعماء (حريات) ناموا على اقتراحه قائلين له: نحن منهمكون الآن في أمور أخرى, ولدينا اجتماعات ولقاءات, إلى ما شابه ...لكن دار كان مصمما على المضي في خطوته, معتبرا أن أي تأخير قد يعني المخاطرة بحياته لأن أجهزة الأمن الهندية قد تطبق عليه في أي لحظة. كان يريد أن تطلق (حريات) نداء إلى جميع الفصائل المقاتلة كي تعلق أعمال العنف وان تعطي السلام فرصة, لكن استنادا إليه, لم يبدِ هؤلاء القادة جدية حيال اقتراحه) . (وفي أحد الأيام, قرر المضي في مشروعه فأعلن وقف النار. بعد يوم من ذلك, رد حزبنا (الجبهة السياسية, الشعوب) بإيجابية على الخطوة, ودعا كلا من حكومتي الهند وباكستان إلى التعاون لإنجاح الخطوة. قلنا إنها نقلة شجاعة يقدم عليها حزب المجاهدين وهي ليست أبدا مشروع استسلام) . * هل تحادث عبد المجيد دار معك شخصيا؟ ـ (نعم, تحادث معي, خصوصا أن حزبنا هو الآخر عضو في لقاء (حريات) التقينا هنا في هذه الغرفة, وقد دعمنا اقتراحه, تماما كما قلناه بوضوح في اليوم التالي لإعلان عبد المجيد وقف النار. من ثمّ عندما اقترحت الحكومة الهندية من جهتها وقفا موازيا للنار وسمت وزير الداخلية كمال باندي ممثلا لها في المحادثات, شعر الحزب انه في حاجة إلى وسيط. المقاتلون الذين طالما عملوا في الخفاء وجدوا الأمر غريبا, انت تعرف ما معنى العمل المفتوح. ومن ثمّ فكروا في الموضوع واختاروني أنا للمهمة. لا شك في أنه كان هناك أشخاص أكثر وزنا مني, لكنهم تحدثوا معي عبر الهاتف واقترحوا علي العمل وسيطا) . * هل كنت تعرف عبد المجيد دار من قبل؟ ـ (نعم كنت أعرفه. عندما كنت أعمل في الأمانة العامة محاسبا, كنا غالبا ما نلتقي خصوصا انه كان يعمل في مشغل للسيارات قريب من مكتبي. كنا نذهب سوية للصلاة في المسجد, وكنا نتبادل وجهات النظر ونحن نتناول الشاي. انضم عبد المجيد إلى الجماعة الثورية التي أسسناها وتدعيم (طريق الجهاد) العام 1990) . نقلة طال انتظارها * ماذا حصل في المحادثات؟ ـ (بعد تسميتي وسيطا, اتصل بي مسئولون من وزارة الداخلية الهندية ونسقنا أين سنلتقي, متى, وفي أي سيارة سنسافر ... إلخ , ثم في اليوم المحدد, سلكنا الطريق المرسومة أنا وأربعة قياديين من حزب المجاهدين ووصلنا إلى منزل الضيافة (شاسما شاهي) للشروع في المفاوضات. العسكريون أبدوا استياءهم من الحضور اللافت لوسائل الإعلام, فهؤلاء لم يتوقعوا هذا الكم من الكاميرات) . (بدأ وزير الداخلية المحادثات بقراءة ورقة. قال إن نقلة من هذا النوع طال انتظارها, لكن لا بأس في أن تأتي متأخرة من ألا تأتي أبدا. وأضاف أن حكومته ستتعاون تعاونا كاملا وتستمع بصبر إلى جميع الشكاوى. بعد ذلك تحدثت أنا, وقلت إنه إذا كانت المحادثات مخصصة لحل الشكاوى, فإنه لن ينجح, لأن الأمر سيكون وكأن المشكلة هي مشكلة داخلية. علينا أن نعمل سويا من أجل حل المشكلة السياسية بكاملها وإشراك باكستان في إحدى مراحل المفاوضات) . (بعد ذلك, سأل المسئولون الهنود عن مطالب حزب المجاهدين, ووضعوا لائحة باثني عشر بندا قدمتها لهم لإعادة بناء الثقة. تتضمن البنود وقف العمل بالقوانين القاسية المفروضة على كشمير مثل قرار المناطق المتوترة الذي يمكن بموجبه لقوى الأمن أن تزج بأي شخص في السجن. ووافق المسئولون الهنود على النظر في المطالب المقدمة إليهم, وبعدها تمت تسمية رئيسي الوفدين الهندي والتابع لحزب المجاهدين اللذين سيلتقيان في الجولة الثانية من المحادثات, وهما الأمين الخاص المساعد في وزارة الداخلية م. ب. كوشال, وسيف الله خالد عن الحزب. وتقرر أن تعقد الجولة الثانية من المفاوضات في اليومين التاليين على أن يتم درس حيثيات وقف النار). )كانت المحادثات ودية وانتهت في غضون ساعة ونصف. اقترح باندي ألا نتحدث إلى الصحافة في الوقت الراهن, لكن قيادة الحزب رأت أنه إن لم نتحدث على الإطلاق إلى الصحافة, قد يفهم الأمر على غير حقيقته, فعمد الرجل الثاني في الوفد مسعود إلى التحدث بصراحة إلى بعض الصحافيين قائلا إن الأمور سارت على ما يرام) . * ماذا حصل بعد ذلك؟ ـ عاد المقاتلون إلى مخابئهم فيما ذهبت أنا إلى مطعم (هيمال) الواقع على البولفارد لتناول الشاي مع مساعدي على حدة. وبعد نحو نصف ساعة فيما كنا ما زلنا نتناول الشاي, خرجت نشرات الأخبار التلفزيونية بمشاهد عن المحادثات, وكم هي سرعة الإعلام هذه الأيام! وكانت هناك أيضا ردة فعل من باكستان في الأخبار نفسها, عندما أعلن سيد صلاح الدين قائد الحزب أن وقف النار سينتهي في الثامن من (أغسطس) إذا لم توافق الهند على ضم باكستان إلى المحادثات. علمت حينها أن هناك إشارات سلبية. وفهمت ان هناك بعض التحفظات التي تبديها إسلام أباد وأننا من جهتنا لا يمكننا أن نسيطر على الوضع, لم تكن لدينا أي رافعة لتحريك هذا العبء السياسي) . قررنا أن نحافظ على العمل الصامت. وحاولنا إقناع حزب المجاهدين بعدم النكوث بوعدهم في حضور اللقاء الثاني, فوافقوا. لكن في صبيحة اللقاء الثاني, أفادوا عن أن اثنين من قيادييهم لم يحضرا. اتصلنا بمفاوضي الحكومة فوافقوا على الانتظار حتى الثانية بعد الظهر كي يلتقي جميع مفاوضي الحزب. لكن القياديين لم يحضرا وألغي الاجتماع ذلك اليوم, المسئولون الحكوميون قالوا لي أنه عندما يأتي القياديان المتغيبان نرجو إبلاغنا, وأن في الإمكان العودة إلى الاجتماع بعد إخطارنا بست ساعات) . القياديان العسكريان لم يعودا للأسف. كان الأمر أشبه بإبحار مريح لسفينة المفاوضات بعد إعلان وقف النار, لكن الأمر انتهى وانهار كل شيء. ممثلو المقاتلين أصبحوا مترددين بعدما جسوا نبض القيادة العليا في باكستان, ومن ثمّ في الثامن من (أغسطس) انتهت المهلة وسقط وقف النار. إنه لمن الصعب بالنسبة إلي أن أفهم لماذا الأشهر الثلاثة التي حُددت لوقف النار تقلصت لتصبح 15 يوما؟ ولماذا كان الشرط الذي وضعه صلاح الدين بمثابة فرض على رئيس الوزراء الهندي آتال بيهاري فاجبايي كي يعلن أن باكستان يجب أن تشرك في المحادثات) . حزب المجاهدين * كيف تفسر أسباب تصرف مجلس قيادة حزب المجاهدين في باكستان على النحو الذي حصل؟ ـ (ربما لأن إسلام أباد شعرت أنها تُركت على قارعة الطريق. الرد الذي قدمته الحكومة الهندية على مبادرة وقف النار كان حماسيا, وفي أثناء المفاوضات, بدا المسئولون الهنود متفهمين وعقلانيين, وسارت الأمور على خير ما يرام. ربما, هذا ما أثار حفيظتهم وجعلهم يتحفظون) . * عندما تستعمل الضمير هم, هل تقصد الحكومة الباكستانية أو القيادة العليا لحزب (المجاهدين) ؟ ـ أنت تعرف أن مجلس حزب المجاهدين هو موجود الآن, لأن باكستان تتيح له هذه الفرصة. * هل تعتقد أن الضغط الذي مارسته الفصائل المتطرفة داخل باكستان هو العامل الذي أثر على قرار إسلام أباد جعل الحزب يتنصل من قرار وقف النار؟ ـ هذا احتمال وارد. قاضي حسين أحمد رئيس حزب الجماعة الإسلامي, وهو الحزب الديني المتطرف في باكستان, أعلن في مؤتمر صحافي أنه سيدعو إلى إضراب واسع في جميع أنحاء البلاد إذا بدا له أن إسلام أباد تدعم وقف النار. وقد انتقد قاضي حسين بشكل واضح صلاح الدين قائلا إن حزب الجماعة كان كريما للغاية مع حزب المجاهدين وأنه كان يشمله بعناية خاصة. وأخذ على الحزب أنه لجأ منفردا إلى قرار وقف النار من دون ان يستشير حزب الجماعة) * ماذا تتوقع أن يحدث بعد الان؟ ـ الباب مغلق في المرحلة الراهنة, لكنني ارى أنه سيفتح من جديد. فلا خيار آخر أمام الجميع سوى العودة إلى طاولة المفاوضات) . سرينجار (كشمير) ـ البيان