مثل غيري من المشاهدين المتابعين للتطورات الاقليمية والدولية, تابعت المشاهد التي مرت بها الدبلوماسية العراقية خلال شهر سبتمبر, وهي المشاهد التي مرت في دمشق بلقاء ضم, الرئيس بشار الاسد ونائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز, بحضور الوزير السوري فاروق الشرع, الذي طالب بقوة برفع العقوبات عن العراق, لانها كما قال تصيب الشعب العراقي الشقيق, وتابعت ابتسامات طارق عزيز الذي لم يكن قبل اشهر يتصور في امكانية اللقاء مع الرئيس السوري, والعبرة المستخلصة من هذا اللقاء هي لا ضمان في الحياة السياسية, ولا أمان في العلاقات الدولية. ويتحرك طارق عزيز نحو الامم المتحدة ليشارك في الالفية, ترجمة لنشاط سياسي .. اعلامي, واستراتيجي, يهدف الى احداث خلخلة في العلاقات العربية والاقليمية, وابعاد اللوم عن النظام العراقي ووضع مسئولية المعاناة على اكتاف الاخرين, واخراج فرنسا وروسيا والصين من اتحاد كلمة الدول الدائمة العضوية, وتجريح الكويت والمملكة العربية السعودية, واستغلال الاوضاع الاقتصادية في روسيا والاردن واليمن وسوريا باستعراض دبلوماسية العقود التي ينتهجها العراق. وقد لاحظت النشاط العراقي على الصعيد الاقليمي والدولي, وعلى صعيد المنظمات الفنية مثل اوبك في قمتها في كاركاس. واذا كان الوزير العراقي قد نجح في الواقع الثنائي مع سوريا او الاردن او روسيا, فانه اخفق في الاطار الجماعي الدولي, واذا كانت الدبلوماسية العراقية قد احرزت بعض المكاسب السياسية الدعائية والاعلامية, فانها في واقع معركتها المستمرة مع العقوبات قد خسرت خلال هذه الفترة التي ينتشي بها طارق عزيز بالنصر التلفزيوني المتمثل في مسلسل الطائرات التي تهبط في مطار بغداد مملوءة بمختلف مشارب المجتمعات من رجال اعلام, وصحافة, واطباء ورجال اعمال وسياسيين, وسط مظاهر حماسية من الترحيب والتهليل وزغاريد اهل السياسة في بغداد. وبالطبع فاننا نقيم هذه المظاهرات ونعترف بالاختراق الاعلامي الذي سجله النظام العراقي, والذي حرصت فيه بغداد على تصوير واشنطن ولندن في معزل تام عن مشاعر المجتمع الدولي تجاه الحظر, لاسيما جانب الطيران منه, وتقدم هذا الاستعراض الى شعب العراق وكأنه تعاطف عالمي جماعي وتأييد كاسح لنظام بغداد رغم تسلط الولايات المتحدة على القرار العالمي. لكننا مع تقديرنا لهذا الاستنتاج الذي يقدمه النظام العراقي, نؤكد بان خطوات الاسرة الدولية في الحقبة التي مر بها مهرجان الطيران في بغداد جاءت بشكل مناقض لما توقعته بغداد. في مؤتمر وزراء الاعلام لدول مجلس التعاون, الذي انعقد في الرياض (26 سبتمبر الماضي), اصدر الوزراء بيانا يستنكرون فيه التهديدات العراقية ضد الكويت والسعودية, ويستذكرون القرار الحازم الذي صدر عن المجلس الوزاري في دورته السادسة والسبعين التي تمت في جدة في اوائل سبتمبر الماضي, وفيه ادانة للتهديدات, والمطالبة بوقفها واظهار حسن النوايا لدول الجوار, وتنفيذ قرارات مجلس الامن. اتبع العراق استراتيجية عزل الكويت والمملكة عن دول مجلس التعاون, والعمل على توسيع الاختراق داخل البيت الخليجي, واظهار الكويت والسعودية بانهما معزولتان عن باقي دول المجلس, لكن الذي لم يتصوره المسئولون في بغداد هو الوقفة الصلبة لدول مجلس التعاون في وجه التهديدات, والتي يرونها موجهة ضد امنهم الجماعي وضد استقرار دولهم ومنطقتهم. واثبتوا بانهم قد يختلفون في الاجتهادات, لكنهم وحدة لا تنفصم في مطالبتهم العراق بتنفيذ القرارات الدولية وفي رفضهم للتهديدات وحرصهم على الحرية والاستقلال. في قمة كاركاس, يقول السيد طه ياسين, نائب الرئيس العراقي, وممثله في قمة الاوبك, بانه حاول ان يستصدر من القمة قرارا برفع العقوبات على العراق غير انه لم يفلح واتهم الكويت والسعودية بالمعارضة, رغم ـ كما يقول ـ موافقة الدول اخرى. وأشك بهذا التقييم, مع قناعتي بان اعضاء الاوبك لا يريدون الدخول في قضايا سياسية لا علاقة لها بجدول الاعمال, ويشكل هذا الفشل خطوة خائبة للدبلوماسية العراقية التي لا تعرف حسن التوقيت. في يوم الخميس 28 سبتمبر الماضي, اتفقت الدول الدائمة العضوية على خطوتين مهمتين في الملف العراقي, الاولى, تأييد مطالبة الكويت بتعويض قدره (خمسة عشر مليارا) لتقديرات الدمار الذي خلفه الغزو في المنشآت النفطية, رغم محاولات العراق المستميتة لتأجيل الموضوع والالتفاف عليه, والخطوة الثانية خفض نسبة الاقتطاع من 30% الى 25% من دخل بيع النفط كنسبة تعطى للتعويضات ولتغطية المصاريف. حركت روسيا موضوع الحظر الجوي على العراق وفق قراءة روسية تعتقد بأن القرار 670 لا يضع حظرا على اتصالات الطيران, على عكس ما يعتقده الآخرون, بما فيهم فرنسا, التي تقول بأن القرار 670 خاصة في الفقرة الرابعة والخامسة يقصر اتصالات الطيران على المسببات الانسانية, ويمنع نقل البضائع الى العراق, الا بعد موافقة لجنة العقوبات الخاصة, وتؤيد فرنسا الرأي الداعي الى تفتيش الطائرات المتوجهة الى العراق مع ركابها قبل السماح لها بالطيران, بينما تصر الولايات المتحدة وبريطانيا على ان القرار المذكور 670 لا يسمح بالطيران الى العراق, ويستثني فقط القضايا الانسانية بعد اشعار اللجنة الخاصة. لاشك ان روسيا شجعت الآخرين, الاردن واليمن, وسوريا والمغرب وآخرين الى الانضمام الى كرنفال الطيران الذي لن تحصل منه بغداد الا على مكاسب دعائية, اعلامية, رغم ادعاء طارق عزيز في ترحيبه بالوفد اليمني بأن الحظر ليس له سند قانوني او سياسي, وانما هو قائم بسبب سلطة الولايات المتحدة. في الخطاب الذي القاه السيد محمد الصحاف وزير خارجية العراق امام الجمعية العامة للامم المتحدة يوم الحادي والعشرين من سبتمبر الماضي, قدم الوزير العراقي الى الامم المتحدة لائحة اتهامات واسعة لاربع من الدول, هي الولايات المتحدة, وبريطانيا, والكويت, والمملكة العربية السعودية, واتهم هذه الدول بملف مملوء بالمغالطات اوجز اهمها: ـ العدوان على الشعب العراقي بالطائرات والتسهيلات. ـ استمرار العقوبات, رغم بشاعتها. ـ منع الغذاء من الدخول الى الشعب العراقي. ـ سرقة اموال الشعب العراقي عن طريق التعويضات. ـ سرقة نفط العراق من جانب الكويت. ـ التآمر على النظام العراقي والعمل على عزله. ـ تمويل الحملات العسكرية والسماح بالانطلاق من قواعد داخل اراضيها. وتهدف هذه الحملة التي يطلقها العراق في المحافل الدولية والعربية الى تهييج الرأي العام العراقي ضد الكويت والمملكة وغرس بذور الكراهية فيه, وهو منهاج خطر لن يفيد النظام العراقي. كما يهدف الى اثارة الشعوب العربية ضد الكويت والمملكة, والدفع بالصحافة والكتاب والتجمعات الموالية الى التعاطف مع الاستراتيجية العراقية, واشغال الشعب العراقي بقضايا خارجية لكي لا يفكر بمساءلة النظام في بغداد. ولم يقصر الوزير العراقي في تبرئة بغداد من المسئولية ووضعها على الآخرين, حينما (يستلزم الميثاق ادانة العدوان الامريكي ـ البريطاني على العراق وترتيب المسئولية الدولية بكل ما تعنيه من الناحية القانونية على مرتكبي العدوان والمشاركين فيه وهم المملكة العربية السعودية والكويت اضافة الى تركيا). ولكن رغم مهرجانات الطيران والكرنفال الاعلامي الذي سيتلاشى خلال ايام, ورغم التوافق على ان حظر الطيران على العراق سيستمر, ولن يتهاوى كما يتصور طارق عزيز, يظل العراق غير قادر على التعامل مع الحقائق السياسية البارزة, التي اوضحها الوزير الفرنسي في الكثير من المناسبات, آخرها ما جاء في المؤتمر الصحفي المشترك في موسكو بأن موقف فرنسا وروسيا متشابه ولكنه غير متطابق, وقال ان فرنسا تدعو الى رفع العقوبات عن العراق بناء على قرار جديد يصدره مجلس الامن, واعرب عن اسفه لان بغداد لا ترغب في التعاون مع هيئة الامم المتحدة. وقبل ذلك قال الوزير البريطاني هين, بانه لا يوجد حل للمعضلة العراقية غير التعاون بين بغداد ومجلس الامن. كل هذه الصيحات لمصلحة العراق لم تنفع, حيث يرد الوزير الصحاف في البيان الذي القاه امام الجمعية العامة للامم المتحدة, يقول الوزير: ان القرار 1284 لا يمثل حلا على الاطلاق ولا يعدو ان يكون في مصلحته الاساسية سوى لعبة مقصودة لتمرير السياسة الامريكية المناهضة للعراق والمتجسدة في ادامة الحصار عليه الى امد غير منظور .. ولذا فقد اعلنا بوضوح اننا لن نتعامل مع هذا القرار. وامام هذا المأزق, اقول وغيري يقول, من ينقذ شعب العراق من عناد قيادته في بغداد؟ بقلم: عبد الله بشارة