كما غابت البرامج السياسية عن الانتخابات النيابية يغيب الحديث عن برنامج الحكومة المقبلة مع ان الكل مجمع على ان اولوية الاولويات هي معالجة الوضع الاقتصادي المتدهور وما يستتبعه من مآس اجتماعية, تصيب غالبية اللبنانيين فلنسجل ببساطة اننا مازلنا في ديمقراطية الاشخاص اكثر من ديمقراطية الافكار والبرامج والمؤسسات. وينصب الجدل السياسي حول تسمية رئيس الحكومة وطبيعة التشكيلة الحكومية. ويبرز رفيق الحريري في طليعة الاسماء الاكثر تداولا لرئاسة الحكومة, ويبرز نجيب ميقاتي البديل الاكثر احتمالا, ولا يبدو ان اسما ثالثا مطروح بصورة جدية بعد ان خسر سليم الحص وتمام سلام الانتخابات النيابية, فقرر الاول اعتزال العمل السياسي والتفرغ للعمل الوطني على حد قوله, وقرر الثاني الاستقالة من رئاسة جمعية المقاصد وهو يرفض تسلم اية مهمة حكومية ما دام لم يحظ بالثقة الشعبية. وقد كسب الخاسران عطفا شعبيا كبيرا لانهما عرفا ان يخسرا بوقار وديمقراطية. وتخشى الاوساط السياسية من وقوع ازمة دستورية بسبب سوء العلاقة السائدة بين رئيس الجمهورية اميل لحود ورئيس الحكومة المحتمل رفيق الحريري والتي تحتاج الى عملية ترميم دقيقة بالنظر الى طبيعة الرجلين وطبائعهما وتجربتهما الماضية. غير ان رئيس الجمهورية حسم موضوع التكليف حين اعلن فور الانتهاء من الانتخابات النيابية بانه سيطبق الدستور بحذافيره, وانه سيسمي رئيس الحكومة الذي تختاره الاكثرية النيابية فابعد احتمال قيام ازمة دستورية. في المقابل رد رفيق الحريري التحية بمثلها فاعتصم بحبل الصمت, وهو ما فتىء يردد امام زواره بانه ليس مرشحا لرئاسة الحكومة, ولديه متسع من الوقت ليتخذ القرار المناسب في الوقت المناسب. ويعكف رئيس مجلس النواب نبيه بري على القيام بحركة مكوكية بين دمشق وبيروت, وبين اميل لحود ورفيق الحريري, وهو عازم على تحاشي وقوع اي ازمة سياسية جراء الاستشارات النيابية لجهة تكليف رئيس الحكومة او لجهة تأليف الحكومة المقبلة, مع علمه اليقين ان لا احد يتحمل تبعات تفجير ازمة سياسية في ظل الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتأزمة, والواقع ان تشكيلة الحكومة هي موضوع تجاذب وجدل, على غرار ما يدور حول تسمية رئيسها. ومثلما يدور التجاذب المعلن حينا والصامت احيانا حول تسمية رئيس الحكومة, فان التجاذب عينه يدور حول التشكيلة الحكومية, اميل لحود يتكلم عن حكومة (سياسية وفاقية) قادرة على تنفيذ البرنامج الاقتصادي والاجتماعي, وهو على مسافة واحدة من الجميع ولا يضع فيتو على احد. رفيق الحريري يوافق على ان تكون الحكومة (سياسية), لكنه يرى ضرورة ان تكون (متجانسة) بحيث تشكل فريق عمل متماسكا وقادرا على معالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية الصعبة, وهو غير متحمس لما يسمى بالحكومة (الوفاقية) خشية ان تجمع المتناقضين فتتعطل من داخلها. اما نبيه بري فيحاول ان يقرب وجهات النظر فيقول بحكومة (سياسية) مثلما يريد اميل لحود ورفيق الحريري, و (وفاقية) كما يرغب اميل لحود فتضم ممثلين عن معظم الكتل النيابية, ( ومتجانسة) كما يراها رفيق الحريري على اساس ان يخضع كل الوزراء الى القرار السياسي الذي يتخذه مجلس الوزراء مجتمعا وفق ما ينص عليه الدستور. كل هذا يقودني الى القول بان مصاعب التكليف والتأليف كبيرة, غير انها ليست مستعصية, وقد تكون اكثر الحكومات ملائمة في الوقت الراهن هي التي تعرف ان تخاطب اللبنانيين والتي تضم اكثر السياسيين تمثيلا واكثرهم وثوقا وحضورا. التمثيل السياسي ضروري والثقة الشعبية واجبة والبرنامج الاقتصادي والسياسي لامفر منهما, اما الحلول فتأتي تباعا شرط ان نعي ان لا حل سياسيا او اقتصاديا بمعزل عن الناس. صحيح ان الناس هم اصحاب المشكلة, لكنهم هم ايضا اصحاب الحل. فلا حل من دون الناس او غصبا عنهم ولو كان افضل الحلول, وقد اثبتت الديمقراطيات نجاحها لانها عرفت ان تشرك الناس في صناعة القرار وفي تحمل مسئولية التنمية وفشلت انظمة الاستبداد لانها ابعدت الناس عن القرار. الديمقراطية ليست ترفا, بل هي الوسيلة الفضلى للتعبير السياسي الحر وللتنمية الاقتصادية المستديمة, وحدها تجمع بين الرغبة في الحرية والحاجة الى الخبز. بقلم:كريم بقرادوني