ما ان سمع الطفل سامر طبنجة (12 عاما) صوت طائرة (الهلوكبتر) يهدر فوق مدينته (نابلس) حتى هرع تاركا كتبه ودروسه والتحق بعشرات الاطفال, والفتية الذين شخصوا بأبصارهم نحو الطائرة التي كانت تنثر الرصاص والموت في محيط (مقام يوسف) بالمدينة. وما هي الا دقائق حتى ارتدت الطائرة القاتلة نحو (خلة الرهبان) الحي الذي يسكنه الطفل والذي يبعد مسافة طويلة من موقع المواجهات, ويقع في اتجاه اخر منه, كما ترتد الافعى السامة على ضحيتها واطلقت رصاصة واحدة قاتلة اخترقت جسد الطفل الصغير ومزقت احشاءه. سامر يحب الكتب ويحب الطائرات ايضا, وعندما سمع هدير الطائرة ترك دروسه وخرج ليتفرج عليها, لكنها كانت طائرة مجرمة انتزعت روحه البريئة. قالت عمة الطفل ناهد طبنجة (42 عاما) انها شعرت بخوف وقلق شديدين عندما شاهدت الطائرة وهي من نوع (كوبرا) كما يعتقد, ترتد نحو الحي بعد ان اغارت على المتظاهرين في محيط مقام يوسف, وانها صرخت في تلك اللحظة على الاطفال ليتبعوها إلى داخل المنزل, ولكن ما ان ولجت إلى البيت حتى سمعت الاطفال يصرخون سامر ينزف سامر ينزف, سامر مات سامر مات, فعدت لأجده يغرق في دمه ويلفظ انفاسه الاخيرة. اصيبت والدة الطفل (ايمان طبنجة) 33 عاما بحالة انهيار عصبي بعد ان فقدت ابنها البكر لحظة بدت كأنها خارجة عن الزمن, وقالت عمته: لم يتخيل احد ان يقتل طفل مثل هذا في مكان مثل هذا لا يوجد فيه ادنى حد من الخطر. لقد كان الطفل يلعب في محيط بيته لم يغادره, وهل من مكان اكثر امانا للانسان انه لم يقترف شيئا لم يكن هناك ما يدعوهم لفعل هذا, هكذا تداعت الاسئلة كالحمم من فم السيدة الاربعينية التي استولت عليها الدهشة كما غيرها من اهالي المدينة وكل من سمع وعرف عن رواية استشهاد هذا الطفل. وان كانت والدة سامر قد اصيبت بانهيار عصبي لفقدان نجلها, وهو واحد بين ثلاثة اطفال صغار جميعهم ذكور لهذه الاسرة الصغيرة فان خسارة شقيقه يوسف الذي يصغره بعامين فقط, بدت اكبر واشد, فقد بدا الطفل ابن العشرة اعوام كمن يسعى لاعادة شقيقه إلى الحياة, حيث تبع حافيا جنازته التي انطلقت من بيت الاسرة راجيا من المشيعين ان يعيدوه إلى البيت وفق ما ذكرت زوجة عمه سمر. ومنذ لحظة تشييع جثمان سامر وشقيقه يوسف يجلس بجانب امه لا يفارقها, لقد شرب الولد حسرة اخيه, قالت جدته لابيه لقد كان يوسف متعلقا بشدة بشقيقه سامر فقد كانا يلعبان ويلهوان ويذهبان إلى المدرسة معا, انه يشعر بمرارة الفقدان. وروت زوجة احد اعمامه: لقد سمعته يقول لامه قبل قليل انه لا يريد ان ينام في غرفته التي كانت تجمعه بشقيقه سامر. وبدت غرفة الطفلين الشقيقين كأنها موطن لملائكة صغار, فقد اكتست جدرانها بالصور والرسوم الجميلة. ووضعت حقيبتان مدرسيتان ومجموعة من كتب الشقيقين على مكتبهما المشترك في هذه الغرفة التي فقدت جمالها وباتت مثل وحش مفترس في نظر هذا الشقيق الصغير الذي فقد شقيقه في لحظة لا قانون يحكمها. والطفل سامر واحد من عشرات الاطفال الضحايا الذين سقطوا قتلى وجرحى برصاص جنود الاحتلال في مواجهات انتفاضة الحرم المتواصلة منذ الخميس الماضي. ولم يكن الطفل فادي البالغ عشر سنوات يريد من امه ان تصمت حين طالبها بذلك بصوت عال وهو يلقي بنفسه على صدرها باكيا اخاه اياد الذي اعلن عنه شهيدا سادسا في نابلس بل كان يبحث عمن يخفف عنه مصابه ويقاسمه الم النبأ الذي صعقه. وقال فادي مفجوعا والدموع تغرق وجنتيه وسط ذهول مئات المواطنين الذين تجمهروا على صراخ امه وبكائها لم انم الليلة الماضية لغياب اياد الذي بحثنا عنه طوال النهار والليل, انا واصدقائي دون ان نتمكن من العثور عليه. واكتشف صباح الاحد جثمان الشهيد اياد 17 عاما في بناية قيد الانشاء بجوار شارع القدس الذي كان مسرحا لصدامات دامية حصد رصاص المحتلين خلالها ارواح خمسة شبان واصاب ما يزيد على 100 اخرين بجروح. نابلس ـ البيان