بدأت آمال تحقيق الوفاق السوداني تتراجع بعد ان اكتسبت زخما الأسبوع الماضي بلقاء أسمرة بين الرئيس عمر البشير وزعيم معارضيه في المنفى محمد عثمان الميرغني. وتزخر الساحة السياسية في الخرطوم هذه الأيام بمعلومات متضاربة عن خارطة متشابكة الخطوط للتحالفات السياسية. وكان قيادي بارز في الحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة الميرغني أبلغ (البيان) ان الدافع الأساسي للقاء الأخير مع البشير جاء بعد ان توفرت معلومات للطرفين بأن الزعيمين المتصاهرين الدكتور حسن الترابي المنشق عن الحكومة والصادق المهدي زعيم حزب الأمة عقدا تحالفا بينهما خلال زيارة الترابي لدولة قطر منذ أسبوعين, وان اللقاء بينهما كان مباشراً بعكس ما ساقه الدكتور الترابي بأنه كان من خلال الهاتف عندما كان المهدي في زيارة لطهران, وقال المصدر الاتحادي انهما اتفقا حتى على خوض انتخابات رئاسة الجمهورية وتحالف بين حزب الأمة والمؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الترابي بعد انشقاقه عن المؤتمر الوطني الذي سيطر عليه الفريق البشير. في هذه الأثناء ألقى مستشار مقرب من الميرغني بظلال قاتمة حول لقاء الأخير مع البشير, وقال المحامي علي أحمد السيد العائد لتوه من أسمرة بعد اقامة دامت أكثر من شهر حيث شارك في اجتماعات تجمع المعارضة في مصوع, ان الوفد الذي رافق البشير لم يكن مستعدا للحوار, وقال علي السيد: ان الوفد لم يكن متجانسا لأن منهم من يرفض الحل السياسي بينما يرى البعض بأن الحل السياسي يجب ان يتم مع حزب الأمة, لذلك كان أملنا ضعيفا في ان يأتوا بجديد. وأردف: كان هذا رأي معظم أعضاء هيئة القيادة ولكننا وافقنا على اللقاء لكسر الحاجز النفسي. وأضاف: هذا هو الشيء الوحيد الذي تحقق, أما عدا ذلك فإن اللقاء لم يأت بجديد. وزاد: ليس هذا فحسب بل ان وفد الحكومة أوضح لنا صراحة بأنه غير مستعد لمجرد (النقاش) , وأشار إلى ان الوفد الحكومي (جلس على المنصة دون ان يجيبنا باستثناء الرئيس وكان من الواضح ان الذين حضروا مع الرئيس غير راضين عن اللقاء, وكان الاستياء واضحا على وجوههم. كل ذلك أعطى هيئة القيادة احساسا بأن الحكومة غير جادة في تحقيق السلام لأنها لا تستطيع ذلك عمليا خاصة وانها منقسمة في نفسها بعد الانقسام الكبير الذي حدث في الجبهة الاسلامية, وان رؤاهم متباينة في كيفية الحل السياسي. وأشار إلى ان النظام استغل المبادرة المصرية ليحسن علاقاته مع أوغندا قاصدا انزال ضربة سياسية بالحركة الشعبية. وأضاف: تعتقد الحكومة أيضا أنها تستطيع لعب الدور نفسه مع اريتريا ووضعها في موقف محايد أو الوقوف إلى جانبها والضغط على المعارضة. وقال ان أفكار النظام تكمن في المراوغة والمزيد منها لإطالة بقائه في الحكم. وأضاف بأن خير دليل على ذلك هو الاستعجال في عقد الانتخابات, وأشار إلى ان النظام يهدف إلى ان يشاركه البعض أو الجميع في الحكم دون المساس بجوهر الحكم أو ثوابته. وقال ان كل ذلك يدفعنا للعمل بجدية في تنفيذ الخيارات الأخرى إلا انه استدرك: وان كان الباب مازال مفتوحا للحل السياسي الشامل, وأوضح ان على النظام نبذ أسلوب المراوغة والعمل بجدية على دمج المبادرتين وتهيئة المناخ. وأضاف: لا مانع ان يوحد المنبر للتفاوض سواء في مصر أو ليبيا أو اريتريا. واستدرك بأنه إذا ما أصر النظام على مواقفه فإن لقاء البشير الميرغني سيصبح أمرا يذكره التاريخ. لكن أحمد عبدالرحمن المسئول البارز في الحكومة ورئيس لجنة الاتصالات لقيادات المعارضة اعتبر لقاء البشير الميرغني بمثابة نقطة تحول كبرى في الاعتراف بالأمر الواقع والرجوع للمرجعية الرئاسية. وقال أحمد عبدالرحمن في تصريح لـ(البيان) ان اللقاء خلق مناخا جديدا للحوار المباشر الذي يتناول مختلف القضايا ويحقق الاستقرار السياسي ويفتح المجال للتعددية السياسية ويعترف بالرأي الآخر في اطار النظام القائم الآن, وأكد ان الحكومة ستواصل حواراتها مع كل الفصائل المعارضة دون الالتزام بشروط من أجل الوصول إلى حلول واقعية لمشاكل السودان في ظل الانفراج السياسي الذي أقرته لجمع كلمة أبناء الوطن, مستبعدا في الوقت ذاته ان تكون الحكومة قد لبت دعوة الحوار عن ضعف أو محاولة لكسب الوقت وقال عبدالرحمن ان قيادة تجمع المعارضة قد توصلت للقراءة الصحيحة, وقال ان الميرغني بوصفه مفوضا من قبل قيادة المعارضة قد اختار الخيار المتاح وهو الحل السلمي الذي ظل يجد معارضة من جانب فصائل التجمع الأخرى. وقال ان الصادق المهدي رئيس حزب الأمة كان صادقا وجريئا عندما قام بتوقيع اتفاق جيبوتي مع البشير والذي اصبح يمثل الأجندة الوطنية التي يمكن الحوار حولها في المرحلة المقبلة, وأكد عبدالرحمن ان الحكومة تقف الآن على أرض صلبة وتستقبل مرحلة جديدة تنم عن ارادة أقوى عما كان في السابق. وكان حزبا المهدي والترابي سارعا إلى نفي ما تردد عن عزمهما انشاء تحالف معارض جديد وكانت بعض دوائر الحزب الاتحادي الديمقراطي قد تحدثت عن اتفاق تم بين زعيمي الحزبين عبر الهاتف على ابرام تحالف بينهما في محاولة لتبرير التقارب الكبير الذي ظهر بين الميرغني والبشير مؤخرا. وقال د. آدم موسى مادبو رئيس المكتب السياسي لحزب الأمة ان حزبه يجري حوارا مع كافة القوى السياسية حول الأجندة الوطنية التي يؤمن بها ويدعو للاتفاق حولها لكي ما تكون مخرجا من هذه الأزمة لكنه لم يقرر أبدا الدخول في تحالف مع أي حزب من الأحزاب سواء كان ذلك الحزب هو المؤتمر الشعبي أو المؤتمر الوطني الحاكم, وزاد مادبو في لهجة قاطعة: نحن صادقون فيما نقول لأن الظروف التي يعيشها الحزب الآن تتطلب منا ان نتعامل مع الجميع بشفافية. وحول الاتصالات التي جرت بين المهدي والتربي ابان زيارة الأخير للدوحة وتواجد الأول بالعاصمة الايرانية طهران قال مادبو ان المهاتفة التي تمت بينهما كانت بمبادرة من الدكتور الترابي وتناولت الشأن العام ولم تتطرق أصلا لأي تحالف مع الترابي, وحتى إذا اتخذ المهدي قراراً بهذا الخصوص لابد من ان يمر عبر المؤسسات والأجهزة وتتخذ فيه قرارا على ضوء الأجندة, قطعا ذلك يحسب لصالح حزب الأمة ولا يحسب عليه. وكشف مادبو لـ (البيان) ان المكتب القيادي لحزب الأمة أوصى في اجتماعه الذي عقد أمس بأن يصدر المكتب السياسي للحزب في أعقاب اجتماعه الذي سيعقد مساء اليوم بيانا يدحض فيه تصريحات البشير التي أشار فيها مؤخراً إلى اتفاق وشيك بين الحكومة والأمة. وفي صفوف حزب الترابي قال ابراهيم السنوسي أمين العلاقات الخارجية في الحزب معلقا على أنباء التحالف الوشيك بين حزب الأمة: على العكس تماما ان الذي يجرى الآن تحت المناضد هو السعي لابرام تحالف بين الحكومة وحزب الأمة, ولكن ان تبحثوا عن ذلك وتتأكدوا من مصادركم إلا ان السنوسي لم ينف ان هناك حوارا دائرا بينهم وحزب الأمة, ومضى ليقول: نحن لا نغلق باباً للحوار ويحكمنا في تحالفنا مع الآخرين بعدهم وقربهم من الثوابت والأهداف التي نطرحها, وهذا هو حكمنا للعداء أو الاتفاق مع الآخرين. الخرطوم ـ البيان