لم يكن سائق سيارة الاسعاف طلال عيدة 42 عاما, الذي اكتسب شهرة من خلال عمله المتواصل اثناء المواجهات التي تقع بين الشبان وقوات الاحتلال الاسرائيلي, يعلم ان ابن اخته نزار (16 عاما) هو الذي سقط بالقرب من الشاب راني عبدالفتاح (20 عاما) الذي اصيب برصاصة في عنقه, اثناء المواجهات العنيفة التي اندلعت في المنطقة الشمالية لمدينة البيرة يوم امس الاول. وتوجه طلال بسيارته, بعد ان اشار له الشبان بالتقدم لنقل الجرحى, وقام بنقل عبدالفتاح على وجه السرعة إلى مستشفى رام الله الحكومي, في حين قامت سيارة اسعاف اخرى بنقل نزار الذي كان اصيب برصاصة قاتلة في الصدر. انزل طلال وطاقم الاسعاف من سيارته الشاب عبدالفتاح إلى غرفة الطوارىء ثم عاد مسرعا إلى موقع الاحداث لمواصلة عمله في نقل العشرات من الجرحى. وانهار طلال حينما علم نبأ استشهاد ابن اخته, بعد ان عاد بجريح اخر إلى المستشفى حيث لم يكن طلال يعلم في البداية ان ابن اخته قد اصيب اصلا. لم اكن اعلم ان ابن اختي في سيارة الاسعاف الاخرى, قال طلال بشيء من الحزن, ولم اعط لنفسي الفرصة لمعرفة هوية الشاب الاخر, وقمت بنقل الشاب راني إلى المستشفى ولم اعلم نهائيا ان ابن اختي هو الذي يتم نقله في سيارة الاسعاف الاخرى. وعن شعوره عندما اكتشف ان ابن اخته (الشهيد) الذي كان في سيارة الاسعاف الاخرى, قال عيدة شعوري ان ابن اختي مثله مثل باقي الشباب, ولم اتصور انه سيحصل معي هذا الموقف في حياتي, ان اترك ابن اختي وانقل شابا اخر. ولم تكن الصدمة الموجعة لطلال فقط, فهناك من كان منهمكا في غرفة العمليات في مستشفى رام الله, بحكم عمله كمتخصص في جراحة الصدر وهو محمد عيدة الذي لم يتمالك نفسه, حينما علم ان من يوجد داخل غرفة العمليات هو قريبه ايضا. وعاش عيدة فترة صمت داخل غرفة ادارة مستشفى رام الله بعد ان كان رأى قريبه نزار وهو يعاني من نزيف حاد في الصدر نتيجة عيار ناري, وبدا عليه الحزن العميق, حيث انه وبحكم عمله كطبيب جراح, كان على علم بوضع نزار الصعب, قبل الاعلان عن نبأ استشهاده رسميا. ولم يدم انهيار عيدة طويلا, حيث تشجع بعد ان شد اطباء المستشفى على يديه, وقال له مدير عام المستشفيات د. موسى حميد وكذلك اطباء آخرون نحن بحاجة لك في هذه الظروف الحرجة ونريدك قويا. وتحدث عيدة عن موقفه حينما وجد الشهيد امامه قائلا: ان من اصعب اللحظات التي يمكن ان تمر على انسان ان يكتشف ان المصاب امامه اقرب الناس اليه, وان يحاول تقديم الاسعاف له, وينقذ حياته مع علمه ان كل المحاولات ستبوء بالفشل لخطورة الاصابة التي لحقت به. ورغم ذلك ابدى عيدة تماسكا ملحوظا, حين ختم حديثه قائلا: تتغلب العاطفة على الانسان لفترة وفي النهاية يجب ان يؤمن الانسان بقدر الله ويسلم به. رام الله ـ البيان