حذر اللواء امين الهندي مدير المخابرات العامة الفلسطينية من تفجر الاوضاع الامنية اذا استمرت اسرائيل في اتباع سياسة استفزازية تجاه الشعب الفلسطيني, وعزا المسئول الامني الفلسطيني في حديث خاص لـ (البيان): الاحداث الاخيرة, زيارة ارييل شارون لساحات المسجد الاقصى, والتواطؤ الرسمي الاسرائيلي معه, بهدف فتح الطريق امام زيارات اخرى يقوم بها مسئولون اسرائيليون إلى مكان المسلمين المقدس, كما اتهم الهندي الجنود الاسرائيليين بالانتماء إلى اليمين المتطرف, وتشبعهم بعقيدة عسكرية (شارونية) لا مجال فيها للسلم مع الفلسطينيين وهو ما يفسر اطلاقهم للرصاص الحي على الفلسطينيين العزل الذين احتشدوا للدفاع عن الاقصى. تاليا نص الحوار: * كيف تقيمون الاستفزاز الاسرائيلي وتعمد قتل الفلسطينيين في الاقصى عقب تصديهم لتدنيس ارييل شارون للحرم القدسي؟ ـ أولا لا يجب ان ننسى ان شارون هو اب مجزرة صيدا وشاتيلا, وليس من باب الصدفة ان تتم زيارته الاخيرة للاقصى في ذكرى تلك المذبحة الشنيعة, لذلك فان عقيدة شارون الملخصة في ابادة الشعب الفلسطيني لم تتغير, إلى ذلك يجب ملاحظة ان اغلب جنود القوات الخاصة وحرس الحدود التي اتت معه, يدينون بنفس العقيدة اليمينية المتطرفة, ومن هنا فليس غريبا ان يقصدوا قتل الفلسطينيين, وترويع كل من تسول له نفسه الدفاع عن المقدسات الاسلامية, وملخص القول هنا.. ان مواجهة الفلسطينيين العزل بالرصاص الاسرائيلي الحي, هو انتصار من قوات الامن الاسرائيلي إلى خط شارون المتطرف ودعم له. * في مقابل ذلك, هناك ميل فلسطيني رسمي نحو التهدئة, هل تعتقدون ان مثل هذا التوجه يخدم شعبية السلطة الوطنية الفلسطينية؟ ـ هدفنا ليس شعبية السلطة بقدر ما هو حماية الشعب الفلسطيني فتلك مهمتنا الاساسية. الجميع متفقون الان, على ان زيارة ارييل شارون إلى المسجد الاقصى, كانت تهدف إلى اثارة فتنة دينية حقيقية, فقد حاول من خلالها فرض رأيه المتطرف على محبي السلام في الجهتين الاسرائيلية والفلسطينية, وملخص رسالته ان لا مجال للتعايش السلمي بين الشعبين, وبين الديانتين. تلك الزيارة العسكرية لشارون, استفزت الشعور الديني لدى كل المسلمين والمسيحيين في العالم, يضاف اليها التواطؤ الملحوظ من الحكومة الاسرائيلية للتغطية على التعنت الذي تمارسه في المفاوضات, وهي عوامل رئيسية اجتمعت لتفجر الاوضاع الامنية مجددا. * هل تعتقدون ان هناك تنسيقا بين (شارون) وحكومة باراك سبق الزيارة؟ ـ اعتقد ان هناك توافقا ضمنيا بينهما, خصوصا ان الاثنين ينتميان إلى مؤسسة عسكرية واحدة, ويفهمان بعضهما جيدا, وما يؤكد هذه القناعة انه وإلى الان لم يصدر من الحكومة الاسرائيلية ما يدين زيارة شارون لساحات المسجد الاقصى. * تعددت الروايات حول ماحدث, ويقول الطرف الاسرائيلي مثلا: ان جنوده اطلقوا النار بعد رميهم بالحجارة, فماذا حدث بالضبط؟ ـ لقد كان مفترضا من الشرطة الاسرائيلية عدم منع وصول اي شخص للصلاة في الاقصى, لكن اتخاذهم لاجراءات امنية استثنائية في اعقاب الزيارة المشينة, خلق وضعا نفسيا مستفزا منذ البداية, لم تكن القوة متوازنة بيننا وبين قوات الاحتلال, فقد قدموا إلى الاقصى مدججين بالسلاح, في حين كان الفلسطينيون عزلا إلا من ايمانهم بقضيتهم, وبقداسة الاقصى, وإلى ذلك فنحن نحاول قدر المستطاع تفويت الفرص على الجانب الاسرائيلي, حتى لا يجد مبررا لعدم استئناف مسيرة السلام. * الان وقد حدث ما حدث, كيف تتصورون انعكاس هذا الدم الفلسطيني المراق مجددا, على مستقبل عملية السلام؟ ـ بصرف النظر عن الاحداث الدموية الاخيرة, فان عملية السلام كانت معطلة فعليا منذ (كامب ديفيد) لكن بدون ادنى شك فان المواجهات العنيفة الاخيرة والتي انتشرت على كل ارض فلسطين ستخلق اجواء متوترة لا يمكن التكهن بعواقبها. واؤكد هنا ان السلطة الوطنية الفلسطينية لن تتنازل اطلاقا عن مجموعة من الثوابت منها السيادة على الحرم القدسي الشريف, وازالة المستوطنات, وسواها من الثوابت المعروفة, وهنا ايضا يظهر انصهار القيادة الفلسطينية تماما مع مطالب الشعب, بل اؤكد ايضا ان الرئيس ياسر عرفات, هو اول المتشددين في موضوعي القدس والحرم القدسي الشريف. * وماذا عما يدور حول فرضيات اخرى, مثل تأجيل البحث في وضع القدس؟ ـ لن تكون هناك نهاية للصراع الفلسطيني الاسرائيلي إلا بحل جميع القضايا, ولن نسمح بتأجيل اي قضية من قضايا الحل النهائي. * اريد ان نتحدث عن موضوع التنسيق الامني بين السلطة والاجهزة الاسرائيلية, خصوصا بعد الحوادث المتتابعة بمقتل جنود اسرائيليين على ايدي جنود فلسطينيين, هل تعزو هذه الحوادث إلى اسباب سياسية أم ماذا؟ ـ اولا دعني اشير هنا بشكل واضح إلى انه لا وجود لتنسيق امني فلسطيني اسرائيلي, الا نادرا جدا في اوقات ذروة الازمات, اي عندما يكون الهدف منع الاشتباكات بين المواطنين من الطرفين. اما الجنود الاسرائيليون, فهم معبؤون نفسيا, من الاعلام ومن رؤسائهم ومن عمليات التدريب اليومية على اقتحام اراضي السلطة الوطنية, وبالتالي فهم على شبه قناعة بأن هناك مواجهة عسكرية قادمة مع الفلسطينيين, ونتيجة لهذه التعبئة, وللممارسات الاسرائيلية المهينة على المعابر وغيرها, كان لابد ان يتولد شعور بالعداء لدى الطرف الفلسطيني فتحصل مثل تلك الحوادث. * قلتم انه ليس هناك تنسيق امني مع اسرائيل, لكن أحد المستشارين العسكريين للرئيس عرفات صرح بان التحقيق مع الجندي الفلسطيني الذي قتل جنديا اسرائىليا, يتم بشكل مشترك مع اسرائيل؟ ـ هذا أمر غير صحيح, وأؤكد له من موقف العارف بتفاصيل الأمور أنه لا وجود لاشتراك اسرائيلي في التحقيق مع هذا الجندي ولا مع سواه. * حسنا, هل اتضحت أسباب قيامه بفتح النار على الجندي الاسرائيلي؟ ـ حسب آخر نتائج التحقيق معه اتضح انه مريض بالصرع وهو أمر يمكن ان يحصل مثلما حصل مع الجندي الأردني الذي فتح النار على مجموعة من الاسرائيليين قبل بضع سنوات, لكن ذلك لايمنع من الاشارة إلى انه كان تحت تأثير قوي لزيارة شارون إلى ساحة المسجد الأقصى, فضلا عن الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على الفلسطينيين الذين مازالوا يعيشون تحت الاحتلال, ومن هنا فقد اتخذ القرار بنفسه, وليس بأمر قيادي. كما يجب القول هنا ان جنودنا هم من أبناء الشعب الفلسطيني يعيشون مأساته يوميا, وبالتالي فمن الطبيعي ان يطفح الكيل بهم عندما يقعون تحت وطأة الاحساس بالظلم. * عودة إلى موضوع التنسيق الأمني الفلسطيني ـ الاسرائيلي ـ الأمريكي هناك تقارير عديدة صدرت في الموضوع, ووضعتكم في صورة من يهدي مناضليه إلى العدو على أطباق من فضة. ـ هذا اتهام باطل, فهدفنا هو حماية الشعب الفلسطيني, وفي الوقت نفسه حماية الاتفاق الموقع بيننا وبين الاسرائيليين, أما موضوع التنسيق الثلاثي فبالعكس, كان الطرف الاسرائيلي قد رفضه منذ ثلاث سنوات, وبالنظر إلى عجزه عن الرد على حججنا القوية التي كنا نستظهر بها لديهم. * لكن هناك تنسيق على مستوى تبادل المعلومات الأمنية حول الأشخاص المطاردين مثلا؟ ـ أنفي ذلك تماما, وليس هناك أي شكل من أشكال التعاون الأمني بيننا إلا في سياق ما ذكرته سابقا من عمليات ظرفية في أوقات الأزمات, ولك ان تأخذ المثل من قضية (أبو هنود) التي باشرناها بمفردنا رغم إلحاح الاسرائيليين على الاشتراك معنا, كما ان هناك قضايا كثيرة مشابهة لا يعرفها الرأي العام. * ما دمتم قد ذكرتم (أبو هنود) ما الصحيح في قصة محاكمته السريعة, هل فعلا طلب منكم ذلك, وبالتالي قصدتم السرعة لحمايته؟ ـ أنا لا أستطيع زعم ذلك, لكنني أقول بوضوح ان لدينا سلطة واحدة, وبالتالي فإن كل من يحمل السلام بغير ترخيص من السلطة يعتبر مارقا عن القانون, ويقدم للمحاكمة مثل ما يتم في أي بلد آخر. * أريد ان أسألك في موضوع آخر, هل قوات الأمن الفلسطينية جاهزة لسيناريو مواجهة اقتحام الجيش الاسرائيلي إلى مناطق السلطة الفلسطينية, مثل جاهزية القوات الاسرائيلية لهذا الاقتحام المفترض؟ ـ شعبنا مناضل وقد ضحى كثيرا من أجل رفع الاحتلال, ومن هنا فلا نستطيع التفريق بين قوات الأمن وسائر أفراد الشعب الفلسطيني, أقول فقط ان جاهزية هذا الشعب للدفاع عن حقوقه المشروعة مرتفعة جدا, وأكبر دليل على ذلك احداث النفق في 1998, وأحداث المسجد الأقصى الأخيرة. * هناك اتهام آخر موجه إلى أجهزة الأمن الفلسطينية ملخصه تكاثرها وتداخلها فضلا عن دخول بعض مسئوليها في صراع الخلافة السياسية, فما هي الحقيقة؟ ـ منذ أكثر من ست سنوات ونحن نسمع عن تعدد الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتداخلها, وأود التأكيد هنا انه لا يوجد لدينا سوى جهازين فقط, هما المخابرات العامة والأمن الوقائي, أما ما يدور اللغط حوله الذي يوصل العدد إلى 17 جهازا, فهو غلو, وربما المقصود بذلك عدد القوات المحددة المهام بدقة وبالتالي فهي ليست أجهزة أمنية, وانما قوات تتبع مدير الأمن العام اللواء عبدالرزاق المجايدة. وعلى الجانب الآخر من السؤال: لا أرى أي تضارب بين عمل هذه القوات الأمنية بل هناك تكامل وتنسيق محكم في العمل بينها. * لكن ألاتعتقدون أن ما تسمونه قوات وما يسميه الآخرون أجهزة أمنية, عدد ضخم بالنسبة لدولة مازالت تتلمس طريقها نحو الظهور؟ ـ هناك حقيقة يغفلها الجميع, وهي اننا لا نزال إلى حد هذه اللحظة في حالة صراع يومي مع الأجهزة الأمنية الاسرائيلية, وطبيعة هذا الصراع تتلخص في محاولاتهم المتكررة زرع جواسيس داخل هيئات السلطة الوطنية الفلسطينية بواسطة الضغط عليهم ومقايضتهم بمصادر رزقهم داخل اسرائيل, ونحن ما فتئنا نفشل لهم العديد من المخططات في هذا الصدد. * إذن هناك حرب جواسيس بين السلطة واسرائيل, وهو ما يبرر في اعتقادكم هذا العدد من أفراد الأمن الفلسطيني؟ ـ أولا أنا لا أبرر, أنا أقول ان مكافحة التجسس هي احدى مهام الأمن الفلسطيني, مثل ما هو موجود في كل دول العالم, وبالفعل فقد أحبطنا محاولات تجنيد جواسيس كثيرة, كان هدفها التخريب النفسي أو المادي, ولا تنس أننا نعيش في أوج الصراع السياسي بكل توابعه الأمنية, مع قوات الاحتلال. * في باب الاتهامات الأمنية دائما ترد تقارير من منظمات محايدة عن انتهاك قوات الأمن الفلسطيني لحقوق الانسان وعن تجاوزات كثيرة مثل التعذيب وغير ذلك, فما هو رأيكم؟ ـ أنت تعلم بأن منظمات حقوق الانسان تضع الأجهزة الأمنية دائما تحت المجهر, لكن أدعوك للعودة إلى تقرير منظمة العفو الدولية الأخيرة, والذي يشيد بالتطور الملحوظ في المعاملة داخل السجون الفلسطينية. * ماذا عن التعذيب الذي تمارسه أجهزتكم ضد المناضلين الفلسطينيين من حركات مثل (حماس) والجهاد (الاسلامي) و سواهما من التي تختلف مع (أوسلو) ؟ ـ هذا غير صحيح, بل تستغرب عندما أقول لك ان بيننا وبين حركة (حماس) الداخل ود وتواصل وتزاور, لكن بكل صراحة نعلن اننا ضد الخلايا السرية, ولا نرى أي مبرر لقيامها, خصوصا وان هدفنا جميعا حتى الآن هو مقاومة الاحتلال الاسرائيلي, لذلك فإن كل ما يقال حول هذا الموضوع افتراء, لأن قوات الامن الفلسطيني جميعهم ابناء هذا الشعب بمختلف شرائحه, ولا اذيع سرا عندما اقول بان لدي في جهاز المخابرات مثلا موظفين منتمين إلى (حماس) وإلى (الجهاد) وإلى (الشعبية) و(الديمقراطية) مثلما انتمي انا مثلا إلى (فتح) , لكن هناك ضوابط وظيفية هنا, فلا احد منهم ولا حتى انا, نستطيع ان نقوم باعمال أو مهمات حزبية طالما استمر بقاؤنا وعملنا في جهاز المخابرات المملوك للشعب الفلسطيني قاطبة, وليس لفئة معينة منه. * بوصفكم المسئول الامني الاول, وما يمكن ان تتوافروا عليه من معلومات ورؤى, كيف ترى المستقبل القريب لعملية السلام؟ وهل هناك امكانية لانهيارها فعلا؟ ـ نتمنى ان تلتزم اسرائيل بالاتفاقيات الموقعة, لكن ضمن المعطيات المتوفرة لدينا هناك تعمد اسرائيلي لاطالة الفترة الانتقالية, ونحن نرفض ذلك. ومن الصعب جدا التكهن بما سيحصل خلال الفترة المقبلة خصوصا وان الطرف الفلسطيني لا يعد لديه ما يقدمه من تنازلات, أو من (قرارات صعبة) مثلما يقولون, فلقد اتخذنا القرار الاصعب منذ قبولنا بـ 242, اي بقيام الدولة الفلسطينية على 25% فقط من ارض فلسطين التاريخية, وبالتالي فالمطلوب الان شيء واحد من اسرائيل وهو اتخاذ القرار الشجاع بالالتزام بالقرار 242, وتكريس الشرعية الدولية. الدوحة ـ اجرى الحوار فيصل البعطوط


