تتحول الانتخابات المصرية من معركة سياسية وحزبية إلى مجرد موسم استرزاق لفئات كثيرة من سماسرة الأصوات والبطاقات, وبعض فرق الفنون الشعبية المتخصصة في تسيير وتنظيم (الزفة) الانتخابية للمرشح الذي يدفع وكل حسب نقوده. وتعتبر الانتخابات الحالية لمجلس الشعب المصري من أزهى المواسم لفئة الخطاطين الذين يكتبون اللافتات ولوحات الدعاية للمرشحين, التي تغطي شوارع القاهرة ومعظم الأحياء والمدن في أقاليم مصر من الاسكندرية حتى أسوان. وأسهم العدد الخيالي للمرشحين نحو عشرة مرشحين لكل مقعد أي أكثر من أربعة آلاف مرشح في انعاش سوق الخطاطين الراكد طيلة العام, تاليا جولة في أحياء القاهرة للتعرف على سوق الخطاطين في الانتخابات: سيد عبدالسلام أشهر خطاطي حي بهتيم بشمال القاهرة والمعروف عنه أنه يزور محافظات الوجه البحري كلها لرسم لوحات الدعاية للمرشحين يقول: (في الريف يقل استخدام لافتات الدعاية, في حين تزدحم المدن بها, لكن في الأرياف المرشحين يعتمدون على عائلاتهم وأحيانا يعلقون لوحات كنوع من الوجاهة, أما في المدينة فالمنافسة على أماكن تعليق اللوحات اشتعلت بسبب الزحام الشديد, والبعض الآن لا يستخدم اللافتات القماشية وإنما يفضل اللوحات الخشبية المرسوم عليها صورة للمرشح ورمزه وشعاره, ويكون الخطاط هو المسئول عنها أيضا, بالتعاون مع رسام تم الاتفاق على أجره مع المرشح). وفي الخليفة بجوار سبيل أم عباس يقع أشهر خطاطي القاهرة هو الأسطى كمال الذي يجهز في كل موسم لافتات الدعاية للدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب كما يقول د. فتحي سرور لا يعمل لوحات دعاية لنفسه, إنما يجامله التجار وأصحاب المدارس وأصحاب المحال التجارية, ويأتون لي طالبين عمل لوحات للدعاية, إنما الدكتور نفسه لا يجهز ولا حتى لوحة واحدة ويقول انه يعتمد على حب الناس, وهم لا يطلبون في لوحات الدعاية للدكتور أي طلبات خاصة, أحيانا بعضهم يطلب رسم صورة الدكتور سرور في اللوحة وبعضهم يطلب كتابتها بالبلاستيك حتى تستمر ولا يبهت لونها سريعا بعضهم يطلب مني ان أشتري القماش, وبعضهم يحضره, رسمت أيضا لوحات الدعاية للمرشحة فايدة كامل وكانت تهتم بابراز اسمها وصورتها بشكل متناسق وتهتم بجماليات اللوحة, لم تكن تأتي بنفسها, لكن كانت ترسل لي مندوبي الدعاية الخاصة بها, ويبلغونني طلباتها). وفي نفس الدائرة بالسيدة زينب وخلف مدرسة السنية يوجد عم شوقي الخطاط الذي يقول (أنا لا أعمل إلا في موسم الانتخابات فقط..هذا هو موسم عملنا ورزقنا, كما ان الموسم في كل مرة يخرج عدد من الخطاطين الجدد والهواة, وبعضهم يتخرج من مدرسة الخطوط وبعضهم يكون موهوباً من عند الله, وبعضهم هاوي يعمل في فترات فراغه فقط, أما عن شغلي أنا فأنا لا أميل لعمل لوحات الوزراء, ولا المرشحين المشهورين لأنهم يعتمدون على شهرتهم, وغالبا ما يرفضون دفع تكاليف حملتهم الانتخابية, أنا أعرف اثنين فقط من المرشحين كان الناس يتسابقون لعمل لوحاتهم, إكراما لهم وهم السيد جلال في باب الشعرية, وأحمد طه في الساحل, وأحيانا كان الناس يأتون من هذه المناطق لعمل لافتات لأحمد طه أو للسيد جلال, والناس تفعل هذا بحب. عابدين من المناطق الغنية بالخطاطين, أبرزهم الجمال وعليوة وخميس وسمارة, قابلنا عم سمارة على أحد مقاهي عابدين فقال لنا (هذا العام المرشحون جهزوا لوحاتهم مبكرا جدا, حتى قبل اعلان ترشيحات الحزب وفجأة وجدناهم نزلوا بها, وعلقوها ولم نجد عملا هذا الموسم, في الموسم الماضي رسمت حوالي 700 متر قماشاً أي حوالي 150 لوحة, أنا أفضل الرسم بالبلاستيك لأن ألوانه زاهية, البعض يرسم بالغراء لأنه أرخص أو بالتفتا وهي ألوان صباغة الملابس يأتون بها من عند المصابغ ويرسمون بها لكن ألوانها تكون باهتة وتضيع بسرعة, اللافتات أصبحت مكلفة جدا في انتخابات اليوم, فتكلفة المتر الواحد تتراوح ما بين 5 لـ 7 جنيهات. أي ان اللوحة الواحدة تتكلف من 20 الى 25 جنيهاً في المتوسط, حسب نوع القماش والألوان, فالقماش نفسه أصبح أغلى النهاردة, فمتر قماش البفتة أصبح بثلاثة جنيهات والرخيص منه ثمنه 175 قرشاً ومثله مثل الشاش هش ومعرض للتقطيع بسرعة, أما تكلفة الكتابة فتصل لـ4 جنيهات في المتر الواحد حسب أهمية المرشح وثقله, أنا رسمت لوحات طلعت القواس ورجب هلال حميدة, الشيخ رجب كان حريصاً أكثر على الاهتمام بلافتاته, بأن يزينها بآيات من القرآن الكريم ويكتب شعارات مثل ابن عابدين الغلبان, أو ابن مصر البار, وهكذا, لكن طلعت القواس كان يرسل لي مندوبيه وأنا أكتب الصيغ التي اعتدت عليها, مثل نؤيد ونبارك ونزكي ابن الدائرة, لكن كل هذا كلام لا طائل من ورائه, فالناس تنظر للاسم فقط). مصطفى القاضي بالمنيرة يحكي لنا ان الذين ابتدعوا مهنة الخط في مصر كانوا الأجانب وكان أبرزهم صادوفسكي الذي كان عنوانه 21 شارع شريف وكان يهودياً روسياً ورث ورشته وهو شخصيا لم يكن يجيد القراءة و الكتابة, وكان يعمل عنده أسطوات مصريون, والخواجة جانس في التوفيقية, كان صاحب ورشة أيضا وكان أرمنياً, وكان لا يعمل عنده إلا خريجو مدرسة الخط, كان هذا سنة 1949 خرج بعد ذلك جيل من المصريين مثل محمد المصري في عبدالخالق ثروت وعلي محمد في عابدين وكانوا أساتذة كباراً, كان وقتها كتابة اللافتة بعشرة قروش فقط, وكانت تقتصر فقط على ابراز اسم الحزب (مرشحكم عن حزب الوفد أو الأحرار الدستوريين..) لكن لم تكن هناك رموز ولا رسومات للمرشحين.. أما عن مهارات الخطاط فهي تظهر في كتابة الخط الكبير أما العناوين الصغيرة فهي فرعية ولا تبرز مهارات الخطاط الجيد كما ان البعض يكتب بالحبر الشيني والفلوماستر, وهذه غير كتابة لوحات الانتخابات التي تستخدم فيها خامات وألوان الدهانات كالبويه, والغراء, وما الى ذلك ). عليوة الخطاط في عابدين يحكي لنا: (يقولون ان المحافظة هذا الموسم نظمت أماكن تعليق اللافتات الانتخابية وهذا ساهم في تقليل عدد اللافتات غير الموسم الماضي, أنا رسمت لوحات ماهر العطار الفنان الذي رشح نفسه في عابدين, هو اعتاد ان يرسل لي مندوبيه للدعاية وأنا أهتم بأن أعمل له لوحات حلوة, وأختار ألواناً جذابة, لأنه فنان, وأكيد له ذوق حتى في لافتات الانتخابات, لكن أكثر ما يضايقني في المرشحين هو الشعارات الكاذبة التي يكتبونها مثل: رجل الفانون, رجل البر والتقوى الناس, لا تصدق هذا الكلام والأفضل للمرشح أن يعلن عن نفسه بطريقة بسيطة تخلو من الشعارات. القاهرة ـ مكتب البيان
