هناك الكثير من الحكايات والقصص التي شكلت علامة في خارطة حياتي العامة والخاصة, ولكنني في الفترة الأخيرة كثيرا ما أضبط نفسي مشغولا بفيلمي (أرض الخوف). فهو ليس فيلما عاديا بالنسبة لي وإنما فكرة جميلة سكنت قلبي وعقلي عشر سنوات ولم يهدأ بالي إلا عندما حققتها في فيلم هو الأقرب إلى وجداني (أرض الخوف) فيلم عن جيلي أنا.. هذا الجيل الذي تم تحضيره لمهام معينة ثم تغيرت دون أن يخطروه, حدث ذلك في الفترة الناصرية, كنت أصور مشروع تخرجي في معهد السينما, وهو بالمناسبة لم يكتمل, بينما كانت الدبابات في شارع الهرم على بعد أمتار قليلة من مبنى المعهد, كان ذلك قبيل الخامس من يونيو 1967. كانوا يتحدثون عن التحرر الوطني وعن العداء للاستعمار وعن الاشتراكية وعن العدالة الاجتماعية, هذا على المستوى المحلي, أما على المستوى العالمي فقد كانت أصداء حركة التحرر الوطني تتردد في كافة بقاع الأرض, وكان هناك تفاؤل بمستقبل الإنسانية, كانت هناك إنجازات, والاتحاد السوفييتي يطلق مركبة فضائية حول الأرض ويرسل أول إنسان في التاريخ إلى سطح القمر, والعالم يشتعل بحركات التحرر, وهناك مظاهرات طلبة في فرنسا, في هذا المناخ جرى تحضير جيلنا ثم حدثت هزيمة 1967 وانهارت الأرض التي نقف علىها, مجتمع منتصر وجيش قوي قادر وقيادة سياسية تتمتع بزعامة طاغية على مستوى العالم الثالث كله, فجأة, انهار كل ذلك مثل بناء هش, ثم التحول السياسي والاجتماعي, واكتشفنا أن كل الشعارات التي تربينا عليها لم تعد موجودة, وما بقي أخذته أحداث انهيار الكتلة الاشتراكية, بما لهذا الانهيار من دلالات ونتائج. هكذا تم تحضيرنا لمهمة, وفجأة لم تعد هذه المهمة مطروحة في الستينيات, شيء أشبه بما حدث لعلماء الذرة المصريين, تم تحضيرهم بالفعل لمهمة, وفجأة توقف كل شيء وقيل لهؤلاء العلماء (إذا كنتم تريدون الاستمرار, استمروا, اشتغلوا في أعمال مكتبية أو تعلموا أبحاثا شكلية فى مفاعل صغير فى أنشاص, الفكرة شبيهة بهذه الواقعة, وربما كانت هذه الواقعة من أسباب حماسي للفكرة. ما حدث أننا فقدنا (اليقين), لكن الفيلم لم يتوقف عند هذه النقطة بالضبط, بل طوره بشكل آخر, بمعنى أن البطل لم يكتشف ذلك إلا في النهاية, السيناريو يختلف عن الفكرة ووفقا للسيناريو فإن من لا تأتيه إشارات أثناء المهمة تؤكد وجودها لابد أن يشك في نفسه, بدأ البطل يشك ويتساءل : هل أنا الذي ابتكر هذه المهمة ؟ هل هي حلم ؟ هل هي حقيقة؟ وإذا كانت حقيقة, فهل ما أفعله خطأ أم صواب ؟ هنا أخذت المسألة بعدا ميتافيزيقيا. أنا أعتقد أن الفيلم كثيف وليس شفافا, وبمعنى ما, فإن الإنسان مرسل إلى الحياة بمهمة ما هذه المهمة يحددها زمن ومكان ميلاده, والظروف التي ولد فيها وعلىه أن يحقق هذه المهمة ضمن أطر أخلاقية واجتماعية وسياسية. نحن كثيرا ما نواجه هذه اللحظة : نقف أمام أنفسنا ونتساءل عما نفعل هل هو خطأ أم صواب ؟! أنا مثلا مخرج, هل من الصواب أن أعمل مخرجا أم كان مفروضا أن أكون شيئا أخر ؟ عادة هذه الأسئلة تواجه كل إنسان, وهذا هو المعنى الميتافيزيقي في الموضوع وأحب أن أوضح أن التشكيك في فكرة الوطن كان مطروحا في الفيلم, كما قال البعض, فهناك دوافع وطنية لدى البطل لقبول المهمة التي كلف بها, لكنه يفقد هذه الدوافع لكي نقول أنه تشكك في جدوى المهمة بهذا المعنى, ربما وليس بمعنى الستينيات أو السبعينيات, لأن الظروف تغيرت تماما الآن, وتدريجيا أصبح وطنك هو (العالم), وأصبح جزءا من حماية حقوق الإنسان مثلا, مسئولية (العالم) وليس النظام المصري, فالعالم يعاد تشكيله في إطار جديد هو (الكوكبية) أو (العولمة). من هنا فإن مشكلة بطل (أرض الخوف) إذن ليست مشكلة جدوى أو ثمن, بل مشكلة اختيار الطريق, أي أنها مشكلة أخلاقية ومزمنة أيضا. سئل حسن أبو باشا وزير الداخلية المصرى الأسبق في حوار قرأته ذات يوم عن صحة ما يقال بشأن التعذيب الذي تعرضت له عناصر التيار الديني في السجون إبان توليه منصب وزير الداخلية, أعجبتني إجابته في الحقيقة لا أذكر نص الإجابة بالضبط, لكنه قال ما معناه أنه تسلم بلدا قتل رئيسه, وهناك محاولات إنقلاب وقتل فى الشوارع ومطلوب منه أن يقبض على الزمام بإحكام, وليس لديه أية معلومات, فما الذي يمكن أن يفعله أي شخص في مكانه؟ هكذا, لم يقل الرجل إنه حدث تعذيب, لكن ذلك ما يفهم من كلامه, والسؤال : ما الذي يمكن أن يفعله أي شخص في مكانه ؟ يحاورهم ويقدم تنازلات احتراما لحقهم الإنساني حتى وهم في موضع الاتهام أم يلتزم بالمهمة التي كلف بها مهما ترتب على ذلك من نتائج ؟, أظن أنه موقف صعب, لكنه اختار : عذبهم وحصل على المعلومات وعرف كل شيء عنهم وأصبح في الأمان, هل ندينه ؟! لا أعرف, هناك اختيارات بالغة الصعوبة, يمكن للواحد أن يتبناها حتى إذا كانت ضد كل مبادئه, لن يبقى له سوى قناعته الشخصية : أن ما جرى هو الصواب, هو عين الصواب, لا دين ولا قانون ولا إنسانية ولا أي شيء يمكن أن يمنحه عذرا, لكن هذه هي قناعته. أهمية هذا الفيلم في اعتقادي أن طابعه الكثيف لا يوجد عادة في الأفلام بشكل عام, وفي الأفلام المصرية بشكل خاص, هناك أكثر من مستوى في الفيلم, المستوى الأول هو الحدوته بشكل ما, بمعنى : هل أنت ما تصنع, أم ما تود أن تصنع ؟ ثم هناك المستوى الميتافيزيقي. هذه الكثافة هي التي تجعل من (أرض الخوف) فيلما مهما بالنسبة لي أنا شخصيا, أنا أسعى من البداية إلى إحداث (نوع من الكثافة), لكنني حاولت ذلك على مستوى الشكل أكثر من المضمون, أما في (أرض الخوف) فهي متحققه على المستوىين : الشكل والمضمون. في (الكيت كات) مثلا هناك كثافة على مستوى الشكل, كثافة في الموسيقى بالذات, وهناك أيضا مضمون كثيف, لكن بصورة أقل, صحيح أن الفيلم يحكي عن شخص أعمى ودمه خفيف, لكننا طوال الفيلم نتحدث عن عجز انسانى, وهذا العجز يشعر به الاعمى مثلما يشعر به مثلا تاجر مخدرات يقف أمام ضابط بكل ما يمثله الضابط من سلطة, إلخ, أما على مستوى الشكل فهناك كثافة, الشكل في (الكيت كات) كثيف ليس شفافا, أما أرض الخوف _ وأنا أزعم أن هناك محاولة لعمل أسلوب أو تجربة فنية كيف على الشكل والمعنى, لذا أعتبر الفيلم بالنسبة لي شخصيا _ فيلما مهما الموسيقى في الفيلم _ مثلا _ كثيرة جدا, لكن إلى جانب الموسيقى, هناك ديالوج ومونولوج, وهناك طبعا المؤثرات, وهناك التعلىق أو الراوي, هذه كثافة على مستوى شريط الصوت, ومن بين 150 مشهدا في الفيلم, يوجد مثلا مشهد (بين أحمد زكي وحمدي غيث قرب نهاية الفيلم) ليس فيه سوى ديالوج, لا مؤثرات ولا موسيقى , وأعتبر أنه من أحلى مشاهد الفيلم _ كصوت _ لأن فيه فقط ديالوج, لكنه مشهد (حلو) في إطار الفيلم ككل, عندما نتحدث عن تجربة جمالية, لابد أن نتحدث عنها بهذا المعنى : ألا نفوت فرصة لدعمها, بما في ذلك (اختيار التقشف) ذاته, كأن تختار لونين فقط في مشهد : الأبيض والأسود, لابد أن يكون ذلك إضافة جمالية جديدة إلى التجربة, كل شخص لديه تجربة جمالية وأخرى فكرة مهما كان الفيلم تافها طالما يعمل في وسيط يحتمل الاثنين, وقد تكون تجربتي ركيكة, فاضيه, مخوخة, لكنها موجودة, فهو إذن أسلوب, شخصية فنية, بمعنى أنني مثلا لا أصلي ركعتين وأقول (نويت) أن أصنع فيلما كثيفا, هي محاولة وأنت تطورها, ومن الممكن ألا يكون الواحد واعيا لتجربته الجماليه, بحيث يكشفها أثناء العمل أو بعده, لكنني شخصيا أعترف بأنني كنت واعيا بها تماما في (أرض الخوف). وبقدر ما وعيت لهذه المعادلة, بقدر ما كانت لدي تصورات خاصة منذ قررت احتراف السينما, تصورات عن الفن وعن الجمهور, وكيف يصل الفن إلى هذا الجمهور, أيا كان اختيارك, هذا لا يعني أنني مخرج (بوكس أوفيس),لكنني عادة أصنع فيلمي وفي ذهني الجمهور وفي ذهني إمتاع هذا الجمهور, أحيانا يكون العمل الشديد ضد الجماهيرية بشكل مطلق, إذا يفترض أن العمل العميق له أيضا جمهوره. يرويها: داود عبد السيد