أصبح الحصار, وكأنه حق دولة, يفرض على العرب دون سواهم, من خلق الله, ومن الأمم والشعوب الأخرى. وفى هذا المجال تشير موسوعة (الإمعان فى حقوق الإنسان) فى ص 122إلى مايلى: (ينفرد الوطن العربى بظاهرة فريدة تؤثر تأثيرا خطيرا على حقوق الإنسان والتنمية) ويفرض الحصار جزئيا أو كليا, اقتصاديا أو سياسيا أو دبلوماسيا أو مواصلاتيا على دول عربية وأقاليم عربية عديدة.. لقد فرض كليا على العراق, وجزئيا على ليبيا والسودان, ونوعيا على السودان, وليبيا, وفى توضيح لموسوعة الإمعان فى حقوق الإنسان يؤكد: مضاعفة حدة المشكلات السياسة التسويقية التى تفرضها السلطات الاسرائيلية, وتعدد التدابير الأمنية التى تفرضها سلطات الاحتلال الاسرائيلية على حركة السلع والأشخاص والعمل داخل مناطق الخط الأخضر, وفرض أشكال متنوعة من الحصار على الشعب الفلسطينى مما يعرقل العمليات الانتاجية ويزيد من اضطراب مصادر الدخل ويفضى أحيانا إلى اتلاف الحاصلات المعدة للتصدير. وقد تم فرض أطواق على 486 تجمعا سكنيا فى الضفة, وانقطاع الاتصال بين هذه التجمعات وعزلها عن العالم الخارجى مما أدى الى ارتفاع نسبة البطالة إلى 78% وألحق أذى بالغا بالزراعة, ووقف استيراد المواد التموينية أو تصديرها. لقد جمدت سلطات الاحتلال كل فرص التنمية الحقيقية بعرقلة المشروعات التى تخدم التجارة وتستمر الموسوعة لبيان حالة الحصار على العراق فتقول: وتمثل العراق حالة فريد أخرى فى واقع مدمر لحق التنمية, فقد شهد العراق نمطا غير مسبوق من العقوبات الاقتصادية منذ أغسطس سنة 1990 تأسس على آليات دولية متطورة تستهدف شل التنمية تماما, وأفضى إلى كارثة إنسانية بكل المعايير. وقد صدرت (الاسكوا) تدهورا شديدا فى الناتج العراقى بسبب الحصار. فقد انخفض هذا الناتج من 3.14 مليار دولار سنة 1988 إلى 9.4 مليارات دولار سنة 1994 ثم إلى 4.1 مليار دولار عام 1996 ويمكن تصور أثر ذلك فى معاناة البشر تحت الحصار من وفيات إلى سوء تغذية إلى تدهور كامل فى ظروف الحياة المعيشية للشعب العراقى. وهكذا تتبلور سياسة الحصار, وكأنها سياسة الكبار تطبق على الصغار فحسب, وكأننا نعيش فى عالم البحار حيث تلتهم الأسماك الكبيرة, الأسماك الصغيرة, أو كأننا نعيش فى عالم الغابة حيث يكون البقاء للأقوى, والسيطرة للقوي الأكثر وحشية.. والغريب أن هذه السياسة العقابية التى ظهرت مؤخرا تتم بادعاءات الشرعية الدولية, فما هى حقيقة هذه الادعاءات؟ العقوبات والحصار فى التشريع الدولى تمت أول حالة لفرض عقوبات اقتصادية فى اطار القرارات الدولية, فى منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين بصدد الحرب الايطالية الأثيوبية, وذلك من خلال (عصبة الأمم) المنظمة الدولية آنذاك. وفى هذا الصدد يقول الأستاذ (مارسيل سيرل) فى كتابه المعنون (بأزمة الخليج والنظام العالمى الجديد) والذى ترجمه الدكتور حسن نافعة, وصدر من مركز ابن خلدون فى القاهرة 1992: بعد ثبوت حالة الاعتداء الايطالى على أثيوبيا سنة ,1936 وأن الحكومة الايطالية قد لجأت للحرب خلافا لنص المادة رقم 12 من عهد العصبة, قررت الجمعية بعد عرض الأمر عليها من جانب مجلس العصبة تشكيل لجنة الدراسة وتنسيق التدابير التى تنوى الدول الأعضاء اتخاذها تنفيذا للالتزامات الملقاة على عاتقها وفقا لنص المادة رقم (16 فى عهد العصبة). وقد تم بالفعل فرض عقوبات اقتصادية (وخصوصا تلك التى تتعلق بشحنات السلاح, وتقليص حجم التبادل التجارى, ومنع تقديم تسهيلات ائتمانية إلى ايطاليا) لكن تأثير هذه العقوبات كان محدودا, خصوصا أن الخطر لم يشمل امدادات البترول الوارد من الولايات المتحدة إلى ايطاليا. أما العقوبات العسكرية فكانت مستبعدة تماما بسبب الاتفاق الذى أبرم بين بريطانيا وفرنسا 1935 ولذلك فقد تعين على عصبة الأمم أن تستسلم للأمر الواقع وترفع العقوبات فى 15 يوليو 1936. وجاءت الأمم المتحدة بعد عصبة الأمم, وتم أنشاء مجلس الأمن مماثلا لسلطات الشرطة فى النظام الداخلى القانونى للدول, يتولى تنفيذ قرارات الجمعية العامة ومحكمة العدل الدولية. وجاء الفصل السابع ليرسم لمجلس الأمن مدى حدود سلطاته تلك. ومن الغريب أن مجلس الأمن فشل فشلا ذريعا فى معالجة أى قضية دولية سواء فى مجال التشريع واتخاذ القررات أو فى مجال تنفيذ هذه القرارات لمدة تصل الى 45 سنة تقريبا أى من سنة 1945 حتى سنة 1990 وكان الاستثناء الوحيد لهذا الفشل هو اصداره لقرارين بفرض العقوبات الاقتصادية الأولى ضد روديسيا الجنوبية سنة ,1965 والثانى ضد جنوب افريقيا سنة 1977 وكانت هذه القرارات تواجه حكومات عنصرية, ومع ذلك تم اختراقها اختراقا واسعا على كافة الأصعدة سريا أو أحيانا علنيا أو شبه علني. وبدت تجربة حوالى سبعين عاما من المشروعية الدولية, تحت عصبة الأمم والأمم المتحدة لتثبيت عجز النظام الدولى على اصدار قرارات دولية ملزمة فى المجال العسكرى والسياسى, وان كانت اصابت بعض النجاح فى مجال فرض العقوبات الاقتصادية, أى أن الحصار أو سياسة الحصار, كانت هى الميدان الاول الذى يظهر بعض عناصر النجاح للشرعية الدولية, بخاصة أن هذه الشرعية دارت فى فلك مقاومة الاستعمار والعنصرية على الصعيد الدولى. وتتطور آليات الشرعية الدولية دوما تبعا لطبيعة النظام الدولى السائد, فبعد معاهدات صلح وستفاليا 1648 نشأ نظام دولى اقليمى لأوروبا تمتعت فيه فرنسا بدور المسيطر. وبعد معاهدة صلح أوترخت سنة 1713 تعدل النظام الدولى الاقليمى لأوروبا ليظهر سيطرة انجلترا. ومنذ اتفاقية فيينا سنة 1815 تشكل النظام الدولى الفرعى لأوروبا على أساس تعدد الأقطاب والتوازن بين ممالك بريطانيا وفرنسا والنمسا وروسيا وبروسيا. وأوجد هذا النظام الدولى الفرعى البذور لنظام دولى متكامل يعطى القوى الاستعمارية دورا كبيرا, ثم جاءت عصبة الأمم فى سنة 1919 لتكرس هذا النظام, الذى أخذ يتآكل فى سماته الاستعمارية بعض الشئ, حيث ظهر هذا التآكل فى النظام الذى صاحب تكوين الأمم المتحدة سنة 1945 وفى الستينيات وأواخر سبعينيات القرن العشرين قضي على نظام الاستعمار, وتكونت الشرعية الدولية على أساس التعدد لحقوق الدول القومية والوطنية سواء القديمة منها أو المتحررة. ومنذ حرب الخليج الدولية سنة 1991 دارت الأمور نصف دورة كاملة لترتد الشرعية الدولية للعكس, فبعد شرعية التحرر استتبت شرعية دولية تقوم على آليات الهيمنة والقسر والفرض الدولى. يقول الاستاذ محمد شوقى عبدالعال المدرس المساعد بقسم العلوم السياسية كلية الاقتصاد جامعة القاهرة: (تجدر الاشارة فى هذا الصدد الى أن الجماعة المسيطرة دولة كانت أو مجموعة من الدول الناشئة فى أعقاب مثل هذه الحروب الكبرى كانت ترفع دائما شعارا أو مجموعة من الشعارات الدولية تزعم انها انما تتبناها وتدافع عنها حماية لأمن العالم ومصالحه. فمن (توازن القوى) فى أوروبا فى أعقاب صلح وستفاليا سنة 1648 وأوترخت ,1713 الى (الشرعية التقليدية) فى أعقاب فيينا سنة ,1815 ثم الى حفظ السلام والأمن الدوليين وحماية حقوق الإنسان وحق الشعوب فى تقرير المصرير فى أعقاب الحرب العالمية الثانية, وصولا الى (الشرعية الدولية) أثناء وبعد حرب الخليج سنة 1991 والشرعية الدولية المذكورة هى فى واقع الأمر مفهوم فضفاض غامض متعدد المعانى غير محدد العناصر, بحيث أمكن لواضعيه والمدافعين عنه أن يطبقوه على حالة دون أخرى وعلى طرف دون آخر. فيدمرون العراق تحت اسم الشرعية الدولية, ويتغاضون عن جرائم اسرائيل وانتهاكاتها الصارخة لقواعد القانون الدولى والشرعية الدولية هذه, ويهددون ليبيا تحت زعم اسقاط بعض مواطنيها لطائرتين مدنيتين ويتغاضون عن اسقاط البحرية الأمريكية لطائرة مدنية ايرانية سنة ,1988 واسقاط اسرائيل لطائرة مدنية ليبية فوق سيناء فى سنة 1973). وعليه تتلون الشرعية الدولية بلون القوى المسيطرة, والقيم الدولية المسيطرة, وبمقدار اتساع الهوة أو الفجوة بين الحقوق والاجراءات تكون الأزمة, كما لا تكون هناك أزمة اذا جاءت القرارات والاجراءات الدولية مطابقة للقيم الشرعية الحقة. وبخصوص الحصار نجد أزمة مشروعية حادة, تتعلق بصورتها الحديثة على العرب سنتناولها بعد قليل. كما نجد مشروعية حقة ومكتملة ومتسقة من حيث الاجراءات والقرارات والقيم الدولية بخصوص حصار النظم العنصرية فى أمريكا سابقا. أزمة الشرعية فى حصار ليبيا والسودان جاءت المادة الثانية الفقرة الرابعة من ميثاق الأمم المتحدة لتنص صراحة على حظر اللجوء أو التهديد باللجوء للقوة فى شتى أشكال التعامل بين الدول, وقد أكدت المناقشات التى دارت فى مؤتمر سان فرنسيسكو سنة 1945 على اعتبار الحصار والعقوبات الاقتصادية أمرا أو وجها من وجوه هذه القوة. تقول م2/4: (يمتنع أعضاء الهيئة جميعا فى علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة, أو استخدامها ضد سلامة الاراضى أو الاستقلال السياسى لأى دولة أخرى أو على أى وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة). وقد حدد الميثاق ذاته الاستثناءات التى توجب استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية بحق الدفاع الشرعى, وذلك بنص المادة (51) من الميثاق على (حق الدول الطبيعى فرادى وجماعات فى الدفاع عن انفسها إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة) وذكر الميثاق شروط حق الدفاع الشرعى كما رتبه الفقه القانونى الدولى على عدة شروط أهمها: - أن يمثل فعل الدفاع ضرورة لا بديل لها. - أن يتناسب فعل الدفاع الشرعى مع جسامة الاعتداء ومقداره. - ابلاغ مجلس الأمن. فى ضوء هذه النصوص لا نجد جهة دولية وقع عليها عدوان حالي ومستمر اكثر من ليبيا أو السودان, ولم تصدر أحكام دولية بهذا الصدد, فكان الحصار الجزئي عملا منافيا للشرعية الدولية القانونية, وجاء كعمل من أعمال القرصنة التى تعبر عن هيمنة الولايات المتحدة على أجهزة الأمم المتحدة الآن, وذات الأمر يرتبط بحالة السودان, وان كانت حالة باهتة لا ترقى لحدود الرؤية والتقنين الفعلى والظاهر. ومن ثم نتجنب صدور أعمال تدعى أنها تستند لمشروعية دولية كاذبة وغير حقيقية. وقد يدعى البعض أن لمجلس الأمن الحق فيما اتخذ من اجراءات ضد ليبيا والسودان وفقا لنص المادة 41 من الميثاق, والتى تنص على أن لمجلس الأمن أن يقرر مايجب اتخاذه من التدابير التى لا تتطلب استخدام القوة المسلحة لتنفيذ قراراته, وله أن يطلب من أعضاء الامم المتحدة تطبيق هذه التدابير ويجوز من بينها وقف العلاقات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والبحرية والجوية والبريدية والبرقية واللاسلكية وغيرها من وسائل المواصلات وقفا جزئيا أو كليا أو قطع العلاقات الدبلوماسية. ويرتبط هذا الحق لمجلس الأمن بأن ممارساته يجب الا تخالف أحكام الميثاق الاجرائية أو الموضوعية. وقد جاءت قرارات مجلس الأمن لتعتدي على حق المواطن الليبى فى محاكمة عادلة أمام قاضيه الطبيعى. وانه لا ادانة الا بعد حكم. لذلك استبق قرار مجلس الأمن رقم 731 بشأن ليبيا الأمور وانتهك هذه الحقوق والاجراءات, ليؤكد أن حالات الحصار المفروضة على العرب أو بعض دولهم الآن بعيدة تماما عن الشرعية القانونية الدولية.. والحالات متشابهة. بقلم: أحمد شرف كاتب سياسى مصرى