تتأكد يوما بعد آخر احتياجات شعوب العالم الفقيرة والضعيفة لشرعية دولية تحمي مصالحها وتقيها شر سيطرة الدول القوية على مقاديرها, كما ان المعمورة اصبحت تفتقر لوجود قانون مدني عادل يحترمه الجميع دون تفرقة بين دولة فقيرة واخرى غنية.. وفي ظل نظام العولمة الجديد وغياب تعدد الاقطاب يحل الظلم وتنتشر المجاعات والحروب هنا وهناك, وهو الامر الذي افرز ضرورة البحث عن اطار جديد يحقق الحد المعقول من العدالة بين الشعوب. حول الشرعية الدولية بين الرفض والقبول ومعاييرها التقى (الملف السياسي) في هولندا بالدكتور (ادريان فان دي كناب) مستشار الشئون القانونية الدولية واجرى معه حوارا لنقف معه على ابعاد هذه القضية الشائكة. وفيما يلي نص الحوار: * هل توجد معايير محددة للشرعية الدولية؟ ـ الحديث عن تفاصيل معايير الشرعية الدولية والبحث عن مصدر من يحددها امر صعب للغاية, خاصة وانها معاير متغيرة لا تحكمها حتى الآن ارضية قانونية واحدة مشتركة تنطلق منها كل دول العالم كأساس لفض منازعات او خلافات حول قضية ما, او لضوابط ملزمة لتنفيذ اتفاقية تخص قضية سياسية او اقتصادية او عسكرية, كما يضاف لصعوبة هذه المسألة كثير من الاسئلة اذكر بعضاً منها: * من هو المشرع؟ ولو اتفقنا على سبيل افتراضي فننطلق للسؤال الثاني بأي القوانين يلتزم المشرع؟ وهل في حالة اتفاق كل دول المعمورة (من باب المبالغة) فمن ستكون الجهة او المنظمة الدولية التي تلزم الدول التي تخالف الشريعة القانونية المدنية؟ ـ وعملية رصد سريعة للمنظمات الدولية او الجهات نجد (عصبة الامم) التي سميت بعد تأسيسها بسنوات بهيئة الامم المتحدة الحالية تلك التي يندرج تحتها كيان يضم كبار الدول والمعروف بمجلس الامن الدولي, ومحكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا ـ وتتبع ذات الهيئة ـ وهي مسئولة عن الفصل في الخلافات الدولية حال لجوء الاطراف المتنازعة اليها, كما توجد محكمة العدل الاوروبية التي اسستها دول المنطقة الاوروبية, رغبة منها في الاستقلال بقضاياها ومشاكلها الداخلية, ومؤخرا انشأت ايضا الامم المتحدة محكمة مجرمي الحرب بصفة عاجلة بدافع الحاجة لمحاكمة مجرمي حرب رواندا, ويوغسلافيا السابقة فيما بعد وتجرى الآن مناقشات دولية تبحث انشاء محكمة دائمة لذات الغرض, وهي مناقشات بدأت في العام الماضي 99 ولم تنته بعد, نظرا لوجود خلافات حول بنود التشريع وبشكل محدد ما يتعلق بتبعية القوانين هل ستكون وفق التشريعات الفرنسية او الانجليزية ام الامريكية, او لنظام آخر؟ كما ان عددا من الدول الكبرى الاخرى مثل الصين وروسيا تريدان وجودا حقيقيا للمقترحات الخاصة بهما, والمؤسسات الدولية القائمة او المراد انشاؤها محل خلافات وصراعات تسيطر على مسارات اعماله عمليات شد وجذب من الدول كما انها في احوال كثيرة تخضع لنفوذ دول بعينها مثل امريكا ومن يتفق معها في ظروف سياسية لمصالح معينة. اما تحديد الشرعية الدولية فهذه قضية خلافية على مستوى العالم, فمنذ ان عرفت شعوب الارض الاديان السماوية المسيحية واليهودية والاسلامية نجد كل امة تتبع لواحد من الاديان سابقة الذكر تعتمد في تسيير امورها الاحتكام للشرعية الدينية والبعض لايخفي ذلك, في حين نجد آخرين يدعون انها بعيدة عن قوانين وتشريعات الاديان, الا ان الواقع يؤكد وجود بصمات وان كانت غير ظاهرة للشريعة الدينية, وذلك على الرغم من ان معظم الدول الاوروبية التي تعتمد على التشريعات الوضعية المدنية, وان دساتيرها تنص على فصل الدين عن الدولة, لكن حينما تكون هناك قضية رأى عام سواء داخلية او خارجية ذات خصوصية ما نجد اصوات رجالات الدين المسيحي والكنيسة تعلو وتعلن عن رأيها, وفي حالات ليست بالقليلة يكون لها دور مؤثر في توجهات المجتمع, فمثلا هنا في هولندا لو اتخذت الحكومة قرار المشاركة بقوات حفظ سلام دولية خارج حدودها, امتثالا لقرارات الامم المتحدة باعتبارها مؤسسة دولية, نجد ان الكنيسة تستطيع التدخل الغير مباشر لو كانت تختلف على مثل هذه المشاركة, او تبارك قرارات الحكومة بلغة الصمت, فهذه الشرعية المحلية اذا جاز الوصف هي جزء يلعب دورا في تشكيل وتسيير الشرعية الدولية, وان كانت لدي تحفظات على ما يسمى بالشرعية الدولية. * هل نفهم من ذلك عدم وجود شرعية دولية؟ دعني أوضح بأن القضية برمتها هي عبارة عن: ـ عقود ومواثيق قد تكون مكتوبة. ـ او اتفاقات شفهية وقد تكون ايضا ضمنية. ـ قوة المصالح ومدى القدرة على تحريكها. ـ مصالح القوة ومن يتحكم فيها من حيث الطرف الاقوى, وكذلك الاطراف المشاركة وكل العناصر السابق ذكرها هي بمثابة اسهم وسندات في بورصة سياسية دولية, فالولايات المتحدة الامريكية التي تربعت على عرش قطبية احادية منذ انهيار الكتلة الشرقية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي السابق, تتحرك وفق مصالح القوة والقوى, فهي ـ امريكا ـ تعتمد على نظرية شراكة التكتلات والمنظمات, ومشاركة المؤسسات ذات النفوذ سواء الاقتصادي او العسكري او الاقتصادي, او تجمع بينها اذا تيسر لها ذلك, فمن خلال (الناتو) حلف شمال الاطلسى تسيطر على سياسته وتدفع به نحو مصالحها العليا, وتضفي على العمليات العسكرية التي يقوم بها الحلف شرعية تكتسبها من الاطراف المشاركة (الدول اعضاء الحلف) في هذه الحالة, ولنا في سرعة تشكيل قوات التحالف الدولية عام 1990 اثناء احتلال العراق للكويت مثالا على ذلك, وكذلك في الضربات الجوية التي قامت بها قوات الحلف في يوغسلافيا اثناء حرب كوسوفو, فموافقة اطراف كثيرة على عمل واحد اضفى على الاتفاق نوعاً من الشرعية الدولية وقت حدوثه, واصبح قابلا للتكرار استنادا على نظرية العرف الدولي. اما قوة المصالح ومدى القدرة على تحريكها, ولكي استدل على ما ذكرته آنفا فيما يختص بما اطلقت عليه وصف اسهم وسندات في بورصة سياسية دولية, فنأخذ مثلا قضية الخلافات التي تفجرت العام الماضي بين اوروبا وامريكا حول تصدير الموز من المزارع التي تسيطر عليها امريكا في امريكا اللاتينية الى دول الاتحاد الاوروبي, كانت الغلبة في هذا الخلاف لقوة المصالح التي تجمع امريكا واوروبا في سلة اقتصادية واحدة, وانتهت القضية لصالح الطرف الاقوى ايضا وهو امريكا, في الوقت الذي حصلت اوروبا على مقابل اقتصادي جعلها تلتزم الصمت, وعلى الرغم من انه لو بحثت هذه القضية الخلافية احتكاما لقانون عادل لكانت الغلبة لاوروبا, لكن قوة المصالح صنعت: لا اقول شرعية بل شرعية مصالح, وقد يتغير هذا الامر للعكس والنقيض لذات الاسباب او ما يشابهها في المستقبل. وبخصوص الاتفاقات الشفهية او الضمنية فحينما تتلاقى المصالح في اطراف مترامية بالمعمورة نجد حدوث نوع من الشرعية النصف دولية تتحكم في امور شديدة الاهمية والحساسية, فامريكا مؤخرا سحبت كميات تصل الى 500 ألف برميل نفط خام من المخزون الاحتياطي, للتأثير على اسعار النفط, وفعلت ذلك هولندا ايضا التي اصدرت حكومتها قرارا بسحب كميات كبيرة من البترول الاحتياطي الذي بدأت تخزينه بعد حرب اكتوبر 73 حينما فرضت الدول العربية حظر تصدير النفط عليها, ومن هذا النموذج نرى كيف تلاقت المصالح دون اتفاق كتابي, وهو نوع من الشرعية القابلة للتكرار, وقد سبق هذه العمليات تحركات وضغوط امريكية على منظمة الاوبك من اجل زيادة الانتاج وخفض اسعار البترول, ولم تغفر استقلالية منظمة الاوبك خروجها من تحت طائلة ضغوط الاطراف القوية مثل امريكا ودول الاتحاد الاوروبي وهكذا. * لقد حدثتني عن العقود والمواثيق المكتوبة, هل يوجد اطار دولي ثابت لها يحقق قدرا معقولا من العدالة الاقتصادية مثلا ويلغي سيطرة الدول الاقوى على الضعيفة؟ ـ يوجد اكثر من اطار وتوجد اتفاقيات دولية في شتى المجالات قد تملأ قاع المحيط لكنها للاسف لاتحقق عدالة اقتصادية ولا سياسية, فسيطرة الطرف الاقوى حتى الآن باقية, وهي ازمة السبيل للخروج منها هو عودة الاقطاب للساحة العالمية, حيث ان التنافس وصراع المصالح يضمن للدول الضعيفة حدا معقولا من العدالة, ومن وجهة نظري كلما زادت الاقطاب في العالم كلما تحققت نسبة اعلى من تنحية الضغوط وفرض النفوذ من طرف قطب واحد, واعتقد ان الطريق الآن مفتوح امام الدول الآسيوية مثلا فالصين هي القائد المتوقع لقطب جديد, ايضا اوروبا التي ترتبط بمصالح مع امريكا تريد الخروج من عباءة وسيطرة الولايات المتحدة على الاتحاد الاوروبي. أجرى الحوار في لاهاي: سعيد السبكي