ليس هناك شك أن دور الأمم المتحدة لاسيما مجلس الأمن فى مرحلة مابعد الحرب الباردة, قد تضاعفت أهميته بالنظر لحجم المخاطر والتهديدات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التى تتعرض لها الكثير من دول العالم, سواء على المستوى الاقليمى أو الدولى, وهى تهديدات ومشاكل أصبحت أكثر فأكثر ذات صبغة عالمية.. مثل الصراعات العرقية والطائفية وماينتج عنها من تفتت الدول, وتراجع بعض الدول عن اعترافها بالحدود القائمة مع جيرانها, والارهاب, واللاجئين, وفرض الأمر الواقع الناتج عن العدوان ومحاولة تقنينه دوليا, بجانب مشاكل الفقر وحفظ السلام والبيئة ونزع أسلحة الدمار الشامل.. إلى غير ذلك من القضايا التى فرض على الأمم المتحدة أن تتصدى لها حفاظا على السلام والأمن الدوليين, وهما ماقامت من أجله الأمم المتحدة أصلا. ولقد كان مفهوم توازن القوى احدى الوسائل لتحقيق السلام والأمن الدوليين, الا ان الحرب العالمية الأولى جردت هذا المفهوم من كل اعتبار. ثم جاءت فكرة الأمن الجماعى غير أن عصبة الأمم اخفقت فى الاختبارات التى مرت بها فى الثلاثينيات من القرن الماضى. وفى نهاية الحرب العالمية الثانية انشئت الأمم المتحدة , ولكن الحرب الباردة لم تلبث أن أزاحتها جانبا, ثم مرت أربعة عقود, اعتمد الأمن العالمى فيها على الردع المستند الى التهديد بالدمار المتبادل, وحين انتهت الحرب الباردة وجدت دول العالم أمامها تركة من المشاكل العالمية التى سبق الاشارة اليها, وشهدت صراعات غير متوقعة تندلع فجأة, ورأت فى الامم المتحدة, وسيلة أساسية لمعالجتها فنجد فى مجال حفظ السلام أن عدد العمليات التى انشئت فى السنوات العشر الأخيرة يزيد على كل ما انشئ فى السنوات الأربعين التى سبقتها, حيث تضطلع الأمم المتحدة بأكثر من 20 عملية من عمليات حفظ السلام فى شتى انحاء العالم, ويربو عدد الأفراد المشاركين فيها على 20 ألف فرد, وقد بلغت تكاليفها فى العام الماضى أكثر من 3000 مليون دولار. وماحصل من تغيير لا يقتصر فقط على الحجم والتكاليف, بل أن هناك أبعادا جديدا تماما فى حفظ السلام تندرج تحت عنوان (الأمن الانسانى العالمى بكافة جوانبه) وهو ما أثقل كاهل المنظمة لمجموعة من المسئوليات الجسام عليها أكثر من أى وقت مضى, وفرض بالتالى سؤالا بديهيا هو: هل الأمم المتحدة قادرة على اداء هذه المهام؟ وللاجابة على هذا السؤال علينا: أولا الا نخدع أنفسنا, فنحن الأمم المتحدة. ثانيا أن الدول التى تحتل مكان الصدارة فى العالم لديها مايلزم من القدرة والموارد والابداع لتنفيذ هذه المهام, ولكن ليس لديها صدق النوايا فى التعاون من أجل تنفيذها بسبب تضارب المصالح وتعارض الأهداف, بجانب عدم المثابرة والالتزام والارادة. الخلط فى مفهوم حفظ السلام تضطلع الأمم المتحدة بعمليات عديدة تحت اسم (حفظ السلام) فى أماكن مختلفة من العالم مثل أنجولا, والصومال, وكمبوديا, ويوغسلافيا السابقة, والسلفادور, وهاييتى, وموزامبيق ولبنان.. وغيرها. والصحافة تسمى كل هذه العمليات (عمليات حفظ السلام). ولكن فى واقع الأمر أن كل عملية متميزة عن غيرها لذلك يصبح من المهم تجنب الخلط بين المصطلحات. فصنع السلام: معناه التفاوض والسعى فيه هو تحقيق اتفاق الاطراف المتعادية, وفيه تستخدم الوسائل السلمية فى اطار الفصل السادس من الميثاق. وحفظ السلام: فانه يعنى تواجدا للأمم المتحدة فى الميدان بموافقة الأطراف المعنية, وقد استخدم هذا المصطلح عموما للمحافظة على وقف اطلاق النار. أما فرض السلام: فقد يكون لازما عندما تفشل الوسائل السلمية, وهو قد ينطوى على الاكراه والتعرض للمخاطرة, ومنصوص عليه فى الفصل السابع من الميثاق, وقد يتطلب استخدام فعلى للقوات لفرض الارادة الدولية, ذلك انه بدون قدرة على فرض السلم تحظى بالمصداقية لا يمكن أن يصبح الامن الجماعى حقيقة واقعة. ثم يأتى بعد ذلك بناء السلام, وهو ذو أهمية حاسمة فى أعقاب انتهاء الصراع, ويعنى توفير الدعم اللازم للهياكل التى توطد السلم وتبنى الثقة والتفاعل فيما بين الاعداء السابقين بعد أن تنجح فى ازالة اثار الصراع. ثم يأتى بعد بناء السلم, بناء الدولة أى اعادة بناء دولة قادرة على الاحتفاظ بسيادتها وخدمة شعبها. وكل مرحلة من هذه المراحل الخمس مختلفة عن المراحل الأخرى, ومع ذلك فإنها جميعا على اتصال وثيق فصنع السلام بما فيه الدبلوماسية الوقائية يسعى الى منع أو وقف الصراع. وحفظ السلام يتمثل فى الابقاء على السلام بعد تحقيقه. وفرض السلام يتعين أن يكون خيارا قائما, لأن الدبلوماسية بدون القوة لن تؤخذ مأخذ الجد. وبناء الدولة بعد انتهاء الصراع يمكن أن يساعد فى الحيلولة دون نشوب الصراع مرة أخرى. كما ان بناء الدولة يعزز الأساس الذى يقوم عليه أمن الجميع. ومفتاح النجاح هو فهمنا لتعددية الاطراف, وللقوة المتعددة الاطراف والتزامنا بها. والشروط الواجب توافرها للقوة المتعددة الأطراف لكى تكون فعالة تضطلع بها الأمم المتحدة فى اطار عمليات السلام تتمثل فى ضرورة أن يعترف بها كعملية محايدة وتشترك فيها دول كثيرة, وان تبدو فعلا بمنأى عن أى باعث سياسى أو اقتصادى, ومن ثم ينبغى الا تسودها قوات أو قادة بلد واحد, وأن تحقق الوحدة فى نطاق تعددية الأطراف, ويصدق هذا عندما يتعين وجود قيادة واحدة كما هو الحال فى يوغسلافيا السابقة. ولابد لكل عملية من عمليات السلام تضطلع بها الأمم المتحدة أن يكون لها اطار زمنى مقبول. ومن حق الدولة المساهمة بقوات أن تكون على علم قدر الامكان بطول فترة التزامها, وفى المقابل ينبغى أن تضطلع كل دولة بالتزامها كاملا. استخدام القوة وحفظ السلام ان استخدام القوة أمر غير متوقع فى حفظ السلام, ذلك أن موافقة جميع الأطراف تجعل السياق توافقيا. واستخدام القوة قد يلجأ إليه مجلس الأمن عندما يكون ذلك ضروريا, ولكن يتعين الاهتمام بنقطة هامة وهى: متى يتعين تحويل عملية لحفظ السلام الى عملية لفرض السلام؟ ومتى ينبغى لعملية فرض السلام أن تتحول مرة أخرى الى عملية لحفظ السلام؟ هذه هى المنطقة الواقعة بين الفصل السادس والفصل السابع, وعلى الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن أن يقوما برسم حدود هذه المنطقة. أن مابرهنت عليه عمليات البوسنة والصومال هو ضرورة توافر المرونة المرتبة سلفا لهذا التحول. وفى الوقت الذى يجرى فيه كل هذا, لا يجوز التوقف اطلاقا عن صنع السلام. فالتماس الحل السياسى ضرورة مستمدة, وكما يعلم كل سياسى, فإن الحلول السياسية لا تحدث من فراغ. فبناء السلام يأتى أولا, ثم يكون بناء الدولة أمرا ضروريا بعد ذلك,خاصة عندما تبرز الكوارث كما حدث فى كمبوديا, أو عندما تلاشت كل مظاهر الدولة فى الصومال. وعلينا ازاء ذلك ألا نخدع أنفسنا, فالتقاعس عن العمل يعنى انتشار الفوضى, ومع الادراك بأن العمل سيكون شاقا, وسيتكلف مالا, ولكن هذا المال يقل كثيرا عما يتكلفه البديل. وهو سيستغرق وقتا. ولكن العالم اليوم مازال أمامه وقت للعمل. وهو سيتطلب التزاما سياسيا من جانب الاطراف المشتبكة فى الصراع, ولكن هذا الالتزام هو عادة استجابة لمدى عمق التصميم الدولى, ويتطلب بالتالى تضامنا دوليا. ان الحفاظ على السلام والأمن الدوليين يتطلب أن ندرك أمورا هامة, أبرزها أن الأمن لا يتجزأ. فحدوث انهيار فى مكان ما يؤثر فى أماكن أخرى كثيرة اذا لم يواجه مبكرا, وهو ما يفرض التأهب فى المرحلة المبكرة اللازمة, ذلك ان التأخير معناه زيادة المصاعب فيما بعد. كما ان استخدام القوة ينبغى ان يكون مقرونا باستخدام الدبلوماسية فى ذات الوقت, ويفرض بالتالى عدم قطع الاتصالات بين مختلف أطراف الازمة, فاحداهما بدون الأخرى لا يمكن أن تنجح. مدى التزام مجلس الأمن بالشرعية الدولية لقد كثر لجوء مجلس الأمن فى الآونة الأخيرة الى التعامل مع المنازعات الدولية استنادا الى أحكام الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة, وهو مايمثل تطورا كبيرا فى مسيرة عمل المجلس, اذ لم يسبق قبل عام 1990 ان لجأ المجلس الى اصدار قرارات استنادا لأحكام هذا الفصل الا فى حالات نادرة جدا. ولئن بدا تدخل مجلس الأمن فى بعض المنازعات متسقا وقواعد القانون الدولى, فإن تدخله فى منازعات أخرى قد يبدو متعارضا وقواعد هذا القانون, كما هو الحال بالنسبة لقضية (لوكيربى) والعقوبات التى فرضت على ليبيا. لذلك برزت تساؤلات حول شروط شرعية قرارات مجلس الامن, وهل هى متفقة مع أهدافه واختصاصاته؟ وهل روعى فيها الاجراءات المنصوص عليها فى الميثاق حتى يمكن أن توصف بأنها (شرعية)؟ ولكن كانت هذه الشروط ضرورية لوصف القرارات بأنها شرعية, فانها لا تعتبر كافية لاستمرار تمتعها بالشرعية مالم تخضع اثناء تنفيذها لاشراف ورقابة الأمم المتحدة. فتخلى هذه الأخيرة عن رقابتها واشرافها لاحدى أو بعض الدول الاعضاء قد يغريها على الانحراف بهذه القرارات عن الأهداف التى صدرت من أجلها, الأمر الذى ينال بالضرورة من شرعيتها. وقد ذكرت محكمة العدل الدولية فى العديد من أحكامها انه يتعين أن يكون الغرض من القرار الذى يصدره أحد الأجهزة الدولية يتماشى وتحقق الأهداف التى من أجلها تم انشاء هذا الجهاز. وعلى ذلك, فلو انفصمت العلاقة بين القرار وتلك الأهداف لتعين الحكم بعدم شرعيته. وهكذا يتضح لنا ان مجلس الأمن ليس مطلق اليد فى اصدار مايشاء من قرارات, وانما تنفيذ سلطته فى هذا المجال بالأهداف التى القى بها على عاتقه ميثاق الأمم المتحدة, وأبرزها أمر حفظ السلام والأمن الدوليين. من هنا رأى الكثيرون أن قرار مجلس الأمن رقم 748 فى 31 مارس 1992 والخاص بادانة مواطنين ليبيين لتورطهما فى حادث لوكيربى عام 1988 قرار غير شرعي. وتأسس هذا الرأى على انفصام العلاقة بين المطابقة بتسليم هذين الليبيين وبين المحافظة على السلام والأمن الدوليين, نظرا للبعد الزمنى بين واقعتى التفجير والمطالبة بالتسليم. ومن ثم يتوقف القول باتفاق قرارات مجلس الأمن أو عدم اتفاقها والأسس القانونية لمبدأ الشرعية على مدى استجابتها لمجموعة من الشروط التى يطلق عليها (شروط الشرعية). وتتمثل فى تقيد مجلس الأمن فى قراراته بأهدافه الرئيسية, أى المحافظة على السلم والأمن الدوليين, وكذا التزام هذه القرارات بالاختصاصات الأساسية لمجلس الأمن والقواعد الاجرائية التى تتعلق بممارسته لهذه الشروط. واذا كانت هذه الشروط لازمة لوصف القرارات بانها شرعية, فانه يتعين لبقائها متسمة بهذا الوصف خضوع تنفيذها لاشراف ورقابة الأمم المتحدة, فهذا الخضوع يضمن عدم تجاوز القائمين على تنفيذ هذه القرارات الأهداف التى يتوخاها المجلس من اصدارها. وعلى العكس من ذلك, فإن من شأن تخلى الأمم المتحدة عن مراقبة تنفيذ هذه القرارات لواحدة أو أكثر من الدول الاعضاء, امكان انحراف هذه الدول بتلك القرارات عن الغايات التى كان يستهدفها المجلس من اصدارها. خلاصة القول يتعرض السلام والأمن الدوليان اليوم للتحدى فى العديد من الأماكن وبعدد من الطرق أكثر مما كان عليه الامر امام الحرب الباردة. الا ان المجتمع الدولى حتى الآن لم يطور أساليب جديدة لمواجهة هذه التحديات, ومعظمها ليس قادما من الخارج, بقدر ماهو ناشئ عن صراعات وتخلف وانقسام فى الداخل, وهو مايتطلب اطارا واضحا للتعاون الدولى. واذا كان هذا الاطار يتمثل فى الأمم المتحدة وهو ماتدركه جميع الدول, الا انها لم تعلن على وجه التحديد أى نوع من الأمم المتحدة تريده. ان الامم المتحدة ليست, ولا ينبغى ان تكون حكومة عالمية. كما انها ليست مجلسا تشريعيا يتولى اعادة توزيع الثروة وهى ليست مؤسسة بيروقراطية قوية لها جدول أعمالها الخاص بها, ولا هى وكالة تبرم عقودا من الباطن لتوفير الأمن الدولى, وليست لها قوة عسكرية تخرج عن نطاق ماتخوله الدول الأعضاء لها من سلطة تتيحه لها من قوات ولكن الأمم المتحدة فى حقيقتها هيئة سياسية وسلطاتها تستند بكامل الى الميثاق, واداة استخدام لما تريده الدول الأعضاء منها وينعقد اتفاقهم عليه, ويكون فى استطاعتها تنفيذه بما يوضع تحت يديها من امكانات. لذلك فإن الحكومات هى وحدها التى يمكنها أن تكفل نجاح الأمم المتحدة اذا أرادت ذلك, ولا يقتصر الأمر على تدبير الامكانات فقط, بل ينبغى أيضا وضع معايير الاستخدام لهذه الامكانات. ان الجميع يتفقون على ان الأمم المتحدة لا تستطيع أن تحل كل مشكلة. اذن متى ينبغى لها أن تتصرف؟ هل يكون ذلك حين يهدد النزاع بأن يصبح حريقا متأججا تنتشر نيرانه عبر حدود البلدان؟ أو حين تستهدف جماعات سكانية على نحو منهجى لتصبح فريسة لجرائم لا انسانية؟ أو حين يدفع بدولة عضو هى وسيادتها الى حافة الفناء؟ ان هذه الاسئلة السياسية ينبغى على مجلس الأمن أن يبت فيها ويضع معايير لتدخل الأمم المتحدة ازاءها, وليس هناك معيار واحد مستديم. فقضية هاييتى هى نفس قضية بورندى, ولكن الاستجابة اليهما لم تكن واحدة. فإذا لم يظهر الاطراف المعنيون فى كل أزمة دولية الارادة السياسية اللازمة فلا يمكن فرض السلام, واذا امتنعت القوات المتاحة تحت علم الأمم المتحدة عن القبول بضوابط العملية متعددة الاطراف, وكانت الدول الأعضاء غير مستعدة للاستمرار الى النهاية فى فرض السلام والأمن الدوليين, فإنه يتوجب عندئذ أن تنسحب عملية فرض السلام, كما يتوجب بالتالى تغيير التفويض الصادر بموجب الفصل السابع من الميثاق الى شئ آخر. واذا كان البعض يرى فى (تعددية الاطراف) أمراً غير مستحب, فانه على العكس من ذلك, حيث تعتبر التعددية مصدر قوة لا غنى عنه, وهى ليست خصما للسيادة, بل هى أبلغ تعبير عنها, وعن الشرعية, وعن الديمقراطية, وعن الأمن الجماعى فى آن واحد. بقلم: لواء ركن حسام سويلم خبير استراتيجي مصري