بداية لابد لنا من الاعتراف ان مقولة الشرعية الدولية جاءت نتيجة لصراعات عبثية دامية بين الشعوب والامم على مختلف منابتها وقومياتها ومعتقداتها, حيث كانت تعيش تلك الامم حالة من عدم الاستقرار المترافق مع الكثير من الضياع والغبن, لأن جل الصراعات التي دارت بينها فيما مضى, كانت قائمة على اساس من عدم التوازن وغياب البعد الانساني والقانوني الذي يحكم تلك الصراعات بين ما يسمى بالاقوياء والاقوياء من جهة وبين الاقوياء والضعفاء من جهة اخرى. وأرست هذه الصراعات الغير مقوننة والمحكومة بهدف الربح والخسارة وحسب الكثير من القيم والاتجاهات السياسية والايديولوجية المشوهة التي كانت تلوذ خلفها مجموعة القوى المتصارعة, كالعنصرية والنازية والفاشية وغيرها. والذي فرض على العالم بأقويائه وضعفائه, ضرورة البحث عن قوانين وقرارات وآليات تحكم العلاقة بين القوى المتصارعة, او على اقل تقدير تنظم ظاهرة الصراعات, وما ينتج عنها من مآس تزهق ارواح ملايين البشر. وعلى ما يبدو ان المجتمع الدولي قد نجح جزئيا في وضع حدود لجملة من النزاعات منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين, اختزلها في مجموعة من القوانين سميت بقانون لاهاي الذي اكتسى اهمية خاصة فيما يتعلق بتخفيف آثار النزاعات المسلحة لانها تنظم وتحدد طرق ووسائل القتال التي تستخدمها اطراف النزاع. وعلى مر القرون تطور هذا القانون عن طريق العرف الدولي, ابرمت عدة معاهدات اضافة الى هذا القانون العرفي كلائحة لاهاي لعام 1899 المنقحة في عام ,1907 دونت مجموعة كبيرة من الاعراف المتبعة بينما دونت الاخرى او نظمت بعض المجالات الخاصة, كإعلان سان بيترسبرج لعام 1868 وبروتوكول جنيف لعام 1925 الذي يحظر استخدام الغازات الخانقة. الا ان ما نصت عليهما اتفاقية جنيف وبيترسبيرج بقيا دون المطلوب, حيث انهما اجتمعتا على مبدأين اساسيين مرتبطين هما مبدأ الضرورة العسكرية ومبدأ الانسانية. لكنهما بالمقابل اغفلتا وضع احكام تسري في جميع الظروف التي قد تستجد في الواقع وعلاوة على ذلك, لم يداخل الاطراف المتعاقدة ان الحالات غير المنصوص عليها تظل في غياب قواعد مكتوبة, امرا موكولا الى التقدير الاعتباطي لقادة الجيوش بشكل عام دون الاخذ بعين الاعتبار حالة السكان وما قد يلحق بهم من دمار وفناء. لكن بعيدا عن الاسترسال في تدوين تاريخ المعاهدات والمواثيق الدولية فقد نجح المجتمع الدولي اثر الصراعات الدامية الطويلة والتي توجت, في الحرب العالمية الثانية, والذي اعتبر بحق اساس التحول الدولي في كل الميادين الخاصة بالشرعية الدولية وما يندرج تحتها من قضايا, والارتقاء بقوانين الشرعية الدولية ومؤسساتها الدولية وخلق حالة من التوازن في اطار الامم المتحدة ومجلس الامن بمقاعده الخمسة الدائمة اللذين وفرا فيما مضي حالة من التراضي حيث اصبحت الدول اعجز من ان تمرر كل ما تصبو اليه من اهداف سياسية واقتصادية بالاستناد الى منطق القوة والاكراه بقدر ما كانت تعتمد على شعارات تعتمد جزئيا لدى كافة الاطراف بقدر ما وفرت مناخا من الاعتدال في ظل ما كان يسمى التوازن القطبي بين المعسكرين الشرقي والغربي. على الرغم من ان الصراعات الاقليمية بقيت على ذات المنهاج وذات الطريقة الا انها كانت محكومة لارادة الاقوياء وللرؤية العامة المتوافق عليها دوليا في اطار الشرعية الدولية والامثلة اكثر من ان تحصى والشاهد على ذلك الصراع العربي ـ الصهيوني, الحرب الفيتنامية ضد الوجود الامريكي ـ الفرنسي والحرب الافغانية ضد الوجود الروسي وغيرها. اي ان الشرعية الدولية كانت في ظل ثنائية القطب تعكس حالة من التوازن النسبي رغم استخدام الدول الصغيرة كقفازات لدى هذا الطرف او ذاك, في الكثير من الصراعات الدامية, وكان لها دائما مبررها السياسي والايديولوجي, المحكوم في تشريعات وقوانين دولية لكن الخلل الكبير الذي حصل على المستوى الكوني والذي تمثل في غياب الاتحاد السوفييتي, قد احدث انقلابا حقيقيا, حيث سقطت مقولة (توازن القوى) وأصبح العالم يرضخ لشروط طرف واحد يمارس صلاحياته حسب ما تمليه مصالحه, خاصة لجهة استخدام نصوص ميثاق الامم المتحدة, التي كانت ذاتها تحكم تلك العلاقات القائمة, لكن هذه المرة انتقلت من ديكتاتورية الخمس دول دائمة العضوية, الى هيمنة دولة واحدة, حيث بدأت تنوب عنها في كل القضايا التشريعية والاجرائية وما على الاربعة الآخرين سوى الانصياع لتلك الارادة, اي ان الشرعية الدولية الراهنة اصبحت شرعية تخدم القوة الكبرى وان القانون الدولي وبظل غياب التوازن الحاصل بين القوى العالمية الفاعلة, اصبح مطية لخدمة وأهداف الرأس الاقوى على المستوى العالمي ليس قضية سرمدية على الرغم مما وصلت اليه الامم المتحدة راهنا, التي ترضخ لشروط الولايات المتحدة الامريكية, في تحقيق مصالحها خاصة في ظل عدم المساواة في السيادة بين الدول حيث اصبحت السمة الاساسية للشرعية الدولية الراهنة هي انعدام المساواة بما تحمله هذه الكلمة من معنى. لكن السؤال الملح الى اي مدى ستبقى الشرعية الدولية رهينة في يد طرف قوي على المستوى العالمي؟ كثيرة هي التجارب التي مرت بها الشعوب والامم, بافتقادها الى حالة التوازن, لكن هذا الامر سرعان ما افرز الكثير من الرؤى والقيم التي اعتمدت على الكثير من عوامل القوة الذاتية لبعض الدول الكامنة ولعل المثل الالماني لا يزال حيا, حيث حاولت ألمانيا الهتلرية ان تسيطر سيطرة مطلقة على الارث الانساني بما في ذلك ارساء شرعية دولية جديدة حسب ما املته مصالحها بانقلابها على الشرعية القانونية والسياسية التي كانت قائمة قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية في منتصف القرن الماضي, من خلال استخدام عامل القوة ان كان على المستوى الاوروبي او على المستوى العالمي. لكنها في حقيقة الامر استعدت القوى العالمية الفاعلة, وادخلت العالم في متاهة من الحروب الدامية, كلفته عشرات الملايين من الضحايا, وأثرت على تطوره وخلقت الكثير من النظم والافكار والدساتير الجديدة, والاهم بالامر ادت الى تقسيم ألمانيا ذاتها الى شرقية وغربية, والتي اقحمت امريكا نفسها التي تسيطر هذه الايام على مؤسسات الشرعية الدولية على استخدام اسلحة الدمار الشامل ضد اليابان, والتي تمثلت في القاء القنابل الذرية ولاول مرة على مدينتي هيروشيما وناجزاكي. ولعل ما قصدته من ادراج هذا المثل, لاقول ان الدعاية السياسية التي يتكلم عنها البعض في وسائل اعلامه, حول الشرعية الدولية, التي تقودها اجهزة الاعلام الامريكي حاليا, لا تكفي لان تغيب الحقائق الصارخة والمكشوفة لدى كل الاتجاهات الفكرية والسياسية السائدة في العالم, خاصة وأن العديد من دول العالم باتت تدرك انه لا يمكنها الوقوف صامتة في ظل لوي عنق الحقائق وتجاهل روح النصوص التي تقوم عليها الشرعية الدولية. وقد يحضرني في هذا المقام البداية الجادة لروسيا وفرنسا اللتين اصبحتا تدركان انه لا يمكنهما الصمت طويلا على هيمنة الطرف الاقوى على المستوى العالمي, على الشرعية الدولية, وتفسيرات قوانينها حسب ما يحلو لهذا الطرف وان قضية اختراق الحظر الجوي المفروض على العراق هذه الايام هي بداية معركة اعادة الشرعية الدولية الى نصابها ولو جزئيا وانه لن يكون بمقدور الطرف المهيمن بعد ذلك محاولة تزوير او تأويل نصوص الامم المتحدة وقوانينها, بحسب ما تمليه مصالحه وحده, متجاهلا المصالح الدولية العامة ضاربا بعرض الحائط الاعراف والقوانين الدولية. وانه لن يكون قادرا, من خلال الحراك الهادىء هذه الايام باتجاه اعادة الشرعية الدولية الى نصابها, على ديمومة انتقائيته المحكومة في حيز مصالحه الضيقة والتي تؤكد وبشكل مستمر على عدم المساواة وعدم التكافؤ في ممارسة الشرعية الدولية الراهنة, آخذا بالاعتبار الموقف الامريكي ايضا من قضية التسوية السياسية الجارية في الشرق الاوسط, والانحياز الامريكي للطرف الاسرائيلي وتجاهل قرارات الشرعية الدولية وما نصت عليه ازاء مجمل القضايا العالقة. لكن ومن جهة اخرى, تدرك الولايات المتحدة اكثر من غيرها انه لا يمكنها تغيير القوانين التي قامت عليها الشرعية الدولية, لانها جاءت نتيجة توافق كل الرؤى العالمية حتى بمن فيهم الضعفاء وان اي تغيير تعسفي لهذه القوانين يحتاج الى حرب مدمرة اخرى لكنها هذه المرة ستقود الى الفناء على اغلب الظن. كما انها اصبحت تدرك جيدا ان محاولة اختزال مجلس الامن الدولي على الرغم من حالة الضعف والوهن التي يعيشها هذه الايام, جراء انسحاب بعض اقطابه من مسئولياته لن تدوم الى ما لا نهاية وان مصلحة الدول خاصة دائمة العضوية كما نوهنا بالقول تفرض عليها جملة من المواقف الجادة, ولن تبقى هذه الدول في هذا الاطار اداة تنفيذية طيعة مهيمناً عليها امريكيا. وعلى ما اعتقد ان الدول الغربية بمجملها تخاف كثيرا من هكذا وضع لان هذا الوضع بالذات يعتبر بحد ذاته مثارا للجدل والاشكاليات اقلها عودة العنف والعنف المضاد والتي تتأثر منه الدول الاوروبية بشكل مباشر وميكانيكي, اكثر من غيرها بسبب الجوار الجغرافي والمصالح المشتركة التي تربطها خاصة بقارتي اسيا وافريقيا. لهذا السبب بالذات ولاسباب كثيرة مشابهة تسعى العديد من الدول ذات التأثير العالمي من اجل اخذ دورها سعيا لاعادة حالة الاعتدال للشرعية الدولية, وان القضية برمتها باتت مرهونة بعامل الوقت ليس إلا. بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق