يمر العالم بمرحلة انتقالية من التحولات الدولية ظهرت على اثر انهيار الكتلة الاشتراكية بقيادة الاتحاد السوفييتي السابق, ولعبت ثورة الاتصالات والمعلوماتية دورا في ازالة الحواجز بين الدول, وأصبح العالم قرية صغيرة تحدث بداخلها تفاعلات تجارية واقتصادية وثقافية معقدة احدثت انقلابا في المفاهيم الدولية, حيث اصبح العالم يهتم بالاقتصاد, والاعلام, والتكنولوجيا, والاعتماد المتبادل اكثر ما يهتم بالامن العسكري والايديولوجيا, والتسابق النووي تلك المفاهيم كانت تحكم فترة الحرب الباردة بين المعسكرين الغربي والاشتراكي.. وقد وجدت الولايات المتحدة الامريكية نفسها على رأس هرم المنظومة الدولية, وأعطت لنفسها احقية ادارة النظام الدولي الجديد الذي تحدث بداخله مشكلات ناجمة عن عجز العديد من الدول على التكيف مع تحولاته. فالدول الصغرى فشلت في ان تساير حركة العالم الاقتصادي والاجتماعي كالدول الافريقية مثلا, بل وان هذه الدول لا تزال ترفض التنازل عن انماط انظمتها السياسية العسكرية والاقتصادية التقليدية وتجاري الحركة الليبرالية التي تجتاح معظم دول العالم, واسفر تمسكها بمفاهيمها الكلاسيكية وانظمتها هذه عن وقوع تمردات شعبية كما كان الحال عليه مع دول اوروبا الشرقية سابقا... كما ان العديد من الاقليات الدولية ترغب هي الاخرى في ان تستقل عن دولها وتؤسس لها كيانات مستقلة وسبب رغبتها في الانفصال يتمثل في تخوفها من تأثيرات تحولات العالم الجديد الذي تغلب عليه النزعة الليبرالية الديمقراطية على كياناتها الاجتماعية وعاداتها المتجذرة. ووجدت الكثير من الاقليات ـ خاصة في اوروبا ـ عراقيل بل رفضا قاطعا من انظمتها القائمة, التي لوحت لها انها ستلجأ الى استعمال القوة معها, ان هي ألحت في طلبها بالانفصال. وتجد الولايات المتحدة الامريكية اليوم الذريعة (لحماية) هذه الاقليات وشعوبها من دون ان تكترث بأن هذه الشعوب والاقليات تحكمها انظمة سياسية مستقلة وتتمتع بالسيادة والشخصية الدولية, وهي اعضاء في منظمات اقليمية ودولية, بمعنى اخر ان الولايات المتحدة الامريكية تعمل على ازالة مفاهيم السيادة والامن والاستقلال السياسي من القاموس السياسي الدولي الراهن, وترغب في ان تحل محلها مفاهيم التدخل العسكري (الانساني) والمجتمع الدولي, والمنظومة الدولية والشرعية الدولية وتعبر المفاهيم الجديدة هذه, على ان العالم الجديد لا يعترف بالحدود السياسية والجغرافية القائمة ولا بالكيانات السياسية وانما يعترف بالكيانات والدول التي تعمل وفق الرؤية السياسية الامريكية وعلى هذا الاساس تحاول الولايات المتحدة ان تصمم نموذجها السياسي والاقتصادي على مجموع دول العالم بمطالبتها اياها باحترام حقوق الانسان, والتنافس الديمقراطي على الحكم, واتباع اقتصاد السوق في التعاملات الداخلية والخارجية, ووجدت استجابة لدعوتها هذه, تظهر في تغيير العديد من دول العالم انظمتها السياسية القائمة على انظمة عسكرية فاسدة الى انظمة تكنوقراطية تؤمن بفكرة التناوب الديمقراطي على السلطة وبالتعددية السياسية وحرية التعبير. حق التدخل باسم الشرعية الدولية! في احدى دورات الجمعية العامة للامم المتحدة طرح الرئيس الامريكي بيل كلينتون مشروعا امريكيا يعطي لها الحق في التدخل العسكري المباشر ضد اي نظام او دولة تمارس القوة العسكرية ضد شعبها, وهذا الحق الذي اعطته لنفسها فسرته بأنه شرعي وقانوني لأنه يحمي شعوبا يمارس عليها الاضطهاد, وما دام ان هذه الشرعية تصدرها اجهزة الامم المتحدة, فإن الولايات المتحدة تتولاها وترعاها وتسهر على تنفيذها.. من دون اخذ الاذن من الامم المتحدة او انتظار موافقة مجلس الامن على ذلك.. كما ترغب الولايات المتحدة التي اصبحت حساسة جدا من مسألة مجلس الامن او الجمعية العامة للامم المتحدة اين تجد منافسة ومعارضة في الكثير من القرارات الدولية المهمة ذات العلاقة بمصالحها الاستراتيجية الدولية.. الا ان ابعاد الطرح الامريكي الجيد بانقاص ادوار مجلس الامن وبقية المنظمات الاقليمية والدولية. في عالم يشهد تغيرات وتحولات عميقة على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية, يرمي الى تنصيب الولايات المتحدة نفسها على انها المسئولة المباشرة عن ادارة الازمات الاقليمية والدولية وترفض في ان ينافسها على الادارة الدولية القوى الثانوية كفرنسا وبريطانيا والمانيا الموحدة, او القوى الاخرى كالصين واليابان مثلا لانها تعتقد ان مقدرتها العسكرية وامكاناتها الاقتصادية والتكنولوجية, تؤهلها لكي تتبوأ لوحدها مقعد الريادة الدولية ويتطلب منها ذلك ان تحافظ على الاستقرار الدولي لكي تستطيع ادارة النظام الدولي الجديد الذي لم تكتمل ملامحه بعد من دون مشاكل دولية ولكي تستطيع مراقبة القوى الدولية الاخرى التي تنافسها على ادارة الاقتصاد الدولي ـ اي حول الاتحاد الاوروبي ودول جنوب شرق آسيا ـ ولاحظنا كيف عملت الولايات المتحدة الامريكية على افشال محاولات الدول الاوروبية تسوية ازمة كوسوفو الاخيرة ودخلت على الخط الدولي وقادت قوات حلف شمال الاطلسي بقيادة امريكية محضة وتمكنت من حل الازمة العرقية في البلقان وبدا للجميع مدى الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في هذه الازمة وكان من الممكن لدول الاتحاد الاوروبي عن طريق منظمة الامن والتعاون الاوروبية تسوية ازمة كوسوفو بالطرق السلمية لأنها تمتلك الامكانات العسكرية والدبلوماسية التي تسمح لها من ان تضغط على قوات (ميلوسيفيتش) وتخرجها من منطقة كوسوفو بالقوة العسكرية ففرنسا مثلا بوصفها قوة نووية اقليمية كان بمقدورها توظيف الردع العسكري او النووي او تحريك حاملة طائراتها في حوض البحر المتوسط من ان تجبر القوات اليوغسلافية على التراجع الى الخطوط الامامية.. الا انها فشلت بضغط امريكي, فالشرعية الدولية توظف من قبل امريكا لا للدفاع عن مصالح الشعوب وضمان امنها, بل توظف من اجل الحفاظ على المصالح الاستراتيجية لا غير, ذلك ان سياسة الولايات المتحدة الامريكية الدولية, مبنية على المصلحة والامن والقوة لضمان ادارتها المتفردة للعالم ولكن الاخطر من ذلك كله هو ما تسعى اليه واشنطن لدى المنظمات الدولية, باقناعها بتقنين مفهوم (الشرعية الدولية) ومنحها للادارة الامريكية وحدها من دون ان تشاركها القوى الدولية الاخرى, ذلك ان الشرعية الدولية تفتح الابواب امامها وتزيل العقبات لتحقيق مصالحها او احتواء اية قوة دولية ترى الولايات المتحدة الامريكية انها تهددها بل ان الشرعية الدولية ستعطيها الضوء الاخضر لملاحقة الشركات والاشخاص الذين يعترضون المصالح الامريكية من دون الرجوع للهيئات الدولية والامثلة على ذلك كثيرة ابرزها القاء صواريخ على بيت القائد الليبي معمر القذافي كل ذلك تم باسم التدخل الشرعي لمكافحة الارهاب الدولي, ولكن توظيف الشرعية الدولية سيزيد اخلالا بالتوازنات الدولية, بل سيهدد استقرار المجتمع الدولي الذي يطالب بالعدالة الدولية, والخطورة ستكون اكثر على دول العالم الثالث التي تطالب هي الاخرى ـ وهذا منذ السبعينيات بالعدالة في توزيع الثروات وباحترام سيادتها وحقها في الكرامة والحياة. الشرعية الدولية.. ودول الجنوب تمثل دول الجنوب 80% من شعوب العالم ويظهر ان هذه الدول لا تزال عاجزة عن ايجاد آليات للتكيف مع تحولات العالم الجديد الذي يحكمه التنافس الاقتصادي والاعتماد المتبادل. كما تفتقد دول الجنوب للمقدرة التي تمكنها من منافسة القوى الكبري, كما تراجعت مؤشرات النمو الاقتصادي في هذه الدول العشرية الاخيرة ووجدت نفسها تحت رحمة المؤسسات المالية الدولية والقروض المقدمة اليها من القوى الكبرى وكانت مجموعة الـ (15) التي يرأسها الرئيس التنزاني الاسبق جوليوس نييردي اشارت في احد بياناتها الى الخطر الذي يحدق بدول الجنوب اذا ما فشلت في التوصل الى تحقيق التنمية, لان الاضطراب وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي الذي لا تزال دول الجنوب تعيشه سيترك الباب مفتوحا امام القوى الكبرى لكي تجد ذريعة للتدخل العسكري, وبالتأكيد نهب المزيد من ثروات دول الجنوب, وألمح الى ذلك الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة الذي ترأس بلاده منظمة الوحدة الافريقية, في كلمة القاها مؤخرا امام الجمعية العامة للامم المتحدة على ان القوى الدولية الكبري تعمل على اعادة النظر في الخارطة الدولية وتتقاسم الادوار على حساب الدول الفقيرة وهذه المعادلة خطيرة ستزيد من الصراع والفجوة القائمة بين عالم الشمال وعالم الجنوب.. بمعنى آخر ستكون دول الجنوب تحت رحمة القوى الدولية الكبرى في مقدمتها القوة الامريكية مستقبلا باسم الشرعية الدولية, ومن المحتمل ان تلجأ الولايات المتحدة الى منافسة القوى الاوروبية التي تتمتع بمصالح اقتصادية كبرى حافظت عليها منذ استعمارها للعديد من الدول الافريقية ذلك ان القارة الافريقية تتمتع بمصادر حيوية بالنسبة للاقتصاد الامريكي مع العلم ان الاستقرار السياسي لا يزال مفقودا بالكثير من الدول الافريقية, وهذا يقود الى ثورات داخلية واحداث مجازر بشرية ستستغلها الادارة الامريكية لاعلان تدخلها باسم حماية شعوب هذه الدول, والحماية بالنسبة اليها تعني قانونا دوليا منحته اليها الامم المتحدة للدفاع عن الشعوب على اعتبار انها راعية لشعوب العالم الجديد! الزعامة الأمريكية.. لا غير وما هو مؤكد من رغبة الولايات المتحدة الامريكية تثبيت مشروعها الجديد بجعله قانونا دوليا تحترمه وتلتزم به المجموعة الدولية, انها ـ اي الولايات المتحدة الامريكية.. ترغب في تثبيت زعامتها الدولية خوفا من المنافسة الدولية عليها خاصة وان عدد المنافسين تضاعف وخوفا من ان تمس المنافسة مصالحها الاستراتيجية الحيوية, ايضا, كما ان الاستقرار الدولي الذي تدعي الولايات المتحدة انها مسئولة عنه, يساعدها على ترتيب البيت الامريكي الداخلي الذي يعتبر هو الآخر مشكلات كبيرة (الجريمة, المخدرات, الايدز, الفقر...) كما ان تثبيت المشروع الامريكي يتولى حلف شمال الاطلسي تنفيذه بوصفه الذراع العسكرية التي توظفها الادارة الامريكية لتخميد بؤر الصراع الاقليمي والدولي, وهذا هو العالم الجديد الذي لم تكتمل ملامحه بعد, وهو عالم الولايات المتحدة الامريكية بالتأكيد اي عالم الشرعية (الامريكية) ! بقلم: خير الدين العايب باحث وكاتب في العلاقات الدولية