تطوير جدى للعلاقات الدولية على أساس من تعزيز احترام مبادئ العدالة والشرعية وقواعد القانون الدولى. فلأول مرة فى التاريخ يتم بناء تحالف سياسى عسكرى واسع تحت راية الأمم المتحدة لتحرير دولة تعرضت أراضيها للاحتلال. وصحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية هى التى أخذت على عاتقها عبء المبادرة لحشد هذا التحالف الدولى الواسع, وتولت قيادته, الا أن العملية جرت فى اطار الأمم المتحدة, وتحت رايتها, وبعد جهود دبلوماسية الا أن تطورات الأحداث سرعان ماكشفت أن الولايات المتحدة لديها أهدافها ودوافعها الخاصة التى تختلف بشدة عن أهداف ودوافع الأمم المتحدة والمجتمع الدولى, وأن حرب الخليج الثانية كانت بمثابة الاعلان للعالم كله بوضوح قاطع أن النظام العالمى القائم على ثنائية القطبية قد انهار, وحل محله (نظام عالمى جديد) يقوم على أحادية القطبية, وتنفرد فيه الولايات المتحدة بوضع القوة الأعظم, وبقيادة العالم بلا منازع لسنوات طويلة مقبلة وبالتالى فإن (الشرعية) هى ما تريده أمريكا!! ورغم طرد القوات العراقية من الكويت وهو الهدف المعلن للحرب وتدمير القوة الأساسية للجيش العراقى, فقد أصرت الولايات المتحدة على الإمعان فى تجاوز التفويض الممنوح من الأمم المتحدة, بالإصرار على تدمير البنية الأساسية والمشروعات الاستراتيجية العراقية, بما فى ذلك تلك المشروعات التى لا تربطها أدنى علاقة بالمجهود الحربى. وتم ذلك دون أدنى مراعاة لضرورة الحفاظ على أرواح المدنيين. كما استخدمت القوات الأمريكية والبريطانية قذائف اليورانيوم ضعيف الإشعاع فى مهاجمة الأهداف العراقية الأمر الذى ألحق أضرارا فادحة ليس بالعسكريين وحدهم, وانما بالمدنيين أيضا, وكذلك بجنود القوات الغربية أنفسهم. كما قصفت القوات الأمريكية والبريطانية مصانع ومخازن للمواد الكيماوية, يفترض أن بعضها توجد به أسلحة كيماوية, الأمر الذى عرض حياة ملايين العراقيين لمخاطر فادحة. وكل هذه الأعمال تمثل جرائم حرب لا شك فيها, وانتهاكا لأبسط قواعد القانون الدولى والاتفاقيات الدولية المتصلة بحماية المدنيين وقت الحرب. وباختصار فإن (النظام العالمى الجديد) بقيادة الولايات المتحدة قد فشل فشلا ذريعا فى أول اختبار للشرعية يواجهه هذا (النظام) وتوالت مظاهر هذا الفشل فى العراق نفسها, وفى أماكن كثيرة غيرها على نحو ما سنوضح فيما يلى من موضوعنا بصورة بددت آمال الكثيرين فى بناء نظام دولى أكثر تحضرا والتزاما بقواعد القانون الدولى بعد انتهاء الحرب الباردة والصراع بين القطبين العملاقين والمعسكرين المتناحرين, بانتصار الغرب بزعامة الولايات المتحدة, وانهيار الاتحاد السوفييتى, وحلف وارسو والمعسكر الشرقى. والواقع أن قواعد ومفاهيم الشرعية الدولية باتت فى السنوات الأخيرة تواجه أخطر تحد لها منذ الحرب العالمية الثانية. الشرعية.. وتوازن القوى تمثل منظمة الأمم المتحدة بهيئاتها وتنظيماتها المختلفة الاطار الأوسع للعلاقات الدولية منذ تأسيسها فى أكتوبر عام 1945 فى أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية. وقد تم انشاء الأمم المتحدة تعبيرا عن رغبة دول العالم فى منع نشوب حرب جديدة مدمرة كالحرب العالمية الثانية التى راح ضحية لها أكثر من خمسين مليون نسمة, فضلا عن الدمار الهائل الذى سببه فى انحاء مختلفة من العالم, وخاصة فى القارة الأوروبية. والهدف الأساسى للمنظمة هو الحفاظ على الأمن والسلام فى العالم من خلال تطبيق قواعد الشرعية الدولية, بواسطة هيئات ومنظمات الأمم المتحدة المختلفة وفى مقدمتها الجمعية العامة, ومجلس الأمن ومحكمة العدل الدولية.. الخ ولن ندخل هنا فى تفاصيل حول تطور مفاهيم الشرعية الدولية والتنظيم الدولى, فهذه تناقشها موضوعات أخرى فى هذا (الملف) . وحسبنا أن نقول: أن ميثاق الأمم المتحدة يعتبر الركيزة الأساسية للشرعية الدولية, الى جانب الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الأخرى, وقواعد القانون والعرف الدوليين. وبموجب الميثاق فإن أعضاء المنظمة هى دول مستقلة ذات سيادة, متساوية فى الحقوق والواجبات. ويحظر الميثاق انتهاك حرية أو استقلال أية دولة أو سلامتها الاقليمية. ويدعو الى حل النزاعات بالطرق السلمية, والتضامن فى مواجهة المعتدى, من خلال عقوبات واجراءات يحددها الفصل السابع من الميثاق, وتصل الى حد استخدام القوة. وقد عكس ميثاق الأمم المتحدة وتركيبها علاقات القوى الدولية فى أعقاب الحرب العالمية الثانية. فتمتعت الدول الخمس الكبرى (الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى والصين وبريطانيا وفرنسا) بالعضوية الدائمة فى مجلس الأمن. وتمتعت الدول الأخرى بحقوق تصويتية متكافئة فى الجمعية العامة, وأصبحت الجمعية العامة بالذات منبرا بالغ الأهمية للدول حديثة التحرر وقضايا مكافحة الاستعمار والعنصرية, إلخ. وكان طبيعيا أن ينعكس انقسام العالم الى معسكرين (شرقى بزعامة الاتحاد السوفييتى, غربى بزعامة الولايات المتحدة) والصراع بين المعسكرين على أداء الأمم المتحدة. فاستخدمت الدول الكبرى حق النقض (الفيتو) لمنع مجلس الأمن من اتخاذ القرارات التى لا تناسب مصالحها حتى لو كان فى ذلك تعطيل للشرعية الدولية, أو انتهاك مباشر لها.وجرت ممارسة هذا (الحق) على نطاق واسع فى فترة الحرب الباردة. بينما ظلت الجمعية العامة منبرا لقضايا الدول الصغيرة والشعوب, بفضل حق التصويت المتكافئ. ولم تتورع الدول الكبرى, وخاصة الدولتين العظميين عن اللجوء للقوة العسكرية خارج اطار المنظمة الدولية, حينما كانت مصالح هذه الدول تقتضى, وعلاقات القوة تسمح, وبغض النظر عن الشرعية الدولية وقواعدها. . كما كانت القوتان العظميان تحاولان, بدرجات متفاوتة من النجاح, الحصول على غطاء من الشرعية الدولية. لكن هذا لم يكن العنصر الحاسم فى اقدامهما على شن الحرب أو امتناعهما عنه. وانما كان العنصر الحاسم دائما هو علاقات القوى وحسابات المكسب والخسارة فى ظل توازن الردع النووى, وبغض النظر عن أية شرعية. لكن من الإنصاف, بالرغم من ذلك, أن نقول إن الاستقطاب الدولى فى مرحلة الحرب الباردة قد أتاح للدول الصغيرة فى كثير من الأحوال هامشا للمناورة ساعدها على الدفاع عن حقوقها أو أنقذها من العدوان, أو ساندها فى التصدى له وهزيمته. فلولا الدعم السوفييتى لمصر, ثم تدخل أمريكا خوفا من التغلغل السوفييتى لكان من الصعب على مصر الانتصار على العدوان الثلاثى (عام 1956). كما أن الدعم السوفييتى لفيتنام كان عنصرا حاسما فى تمكينها من هزيمة العدوان الأمريكى. ولولا هذا الدعم أيضا لاجتاحت الولايات المتحدة كوبا. وفى المقابل فإن (الفيتو) الأمريكى كان عنصرا حاسما فى منع الاتحاد السوفييتى من اجتياح يوغوسلافيا والاطاحة بنظام الماريشال تيتو. وفى جميع الأحوال كان الاستقطاب الدولى عنصرا مواتيا لحماية نظم تتمتع بالشرعية فى أعين مواطنيها, وللدفاع عن الشرعية الدولية. ومثل هذا يمكن قوله عن حالات أخرى كان لحساسية وضعها بالنسبة لهذه القوة أو تلك أثر حاسم فى منع حروب اقليمية أو احتوائها بسرعة. ومنها على سبيل المثال فقط النزاع على شط العرب بين نظام الشاه والعراق فى منتصف السبعينيات. القوة الوحيدة مع تصدع ثم انهيار الاتحاد السوفييتى, وقبله حلف وارسو والمعسكر الاشتراكى نشأ وضع جديد فى العالم يتلخص فى انفراد الولايات المتحدة بوضع القوة العظمى بمعايير القوة الشاملة. فروسيا عملاق نووى بأقدام من صلصال, وأوروبا عملاق اقتصادى يفتقر إلى الإدارة السياسية والقوة العسكرية الموحدة. واليابان قوة اقتصادية هائلة وقزم سياسى وعسكرى. والصين رغم قوتها المتنامية بسرعة لا تزال فى مرحلة البناء. ومن الطبيعى أن يغري مثل هذا الوضع الولايات المتحدة بمحاولة فرض هيمنتها السياسية والاقتصادية والعسكرية على العالم, وترتيب الأوضاع الدولية والاقليمية بما يتيح تعزيز هذه الهيمنة وادامتها لأطول فترة ممكنة, واضعاف قدرة المنافسين المحتملين على تحديها ما أمكن ذلك. وفى سبيل تحقيق هذا الهدف تلجأ الولايات المتحدة الى استخدام شتى الوسائل بغض النظر عن مدى شرعيتها, وتتزايد عدوانية السياسة الأمريكية فى كافة الاتجاهات, مستخدمة الضغوط السياسية والاقتصادية, والعسكرية اذا لزم الأمر, وتوظف واشنطن لتحقيق أهدافها شتى روافع وآليات العلاقات الدولية, والمنظمات الدولية والاقليمية, مستفيدة من ثقلها الهائل فى تلك المنظمات وعدم وجود قوة قادرة على تحديها. وقد نجحت واشنطن بالفعل فى ترويض الأمم المتحدة والسيطرة عليها بأساليب شتى, من بينها ممارسة الضغوط على المنظمة الدولية لتعديل مواقفها وحتى أساليب عملها وهيكلها الادارى, تحت طائلة الامتناع عن دفع المتأخرات الأمريكية الضخمة للمنظمة الدولية (حوالى 105 مليارات دولار). وتمكنت الولايات المتحدة من منع انتخاب الأمين العام السابق د.بطرس غالى لولاية جديدة, رغم ارادة العالم كله. وكانت قد فرضت على الأمم المتحدة قبل ذلك الغاء قرارها الخاص بإدانة الصهيونية باعتبارها شكلا من أشكال العنصرية. ولنا أن نتخيل ما اقتضاه ذلك من ضغوط على عدد ضخم من الدول يمثلون أعضاء الجمعية العامة. وحتى فى مجلس الأمن تمارس الولايات المتحدة أعنف الضغوط على الدول الكبرى الخمس المتمتعة بالعضوية الدائمة لحملها على تمرير القرارات التى تريد واشنطن (استصدارها) من المجلس, سواء بتصويت هذه الدول بالموافقة, أو بالامتناع عن التصويت واستخدام حق النقض (الفيتو) فى مواجهة قرارات يكون موقف هذه الدول واضحا فى معارضتها فى البداية. ويحدث هذا بصفة خاصة مع روسيا والصين, وبدرجة أقل من فرنسا. وبهذه الطريقة مثلا تم (استصدار) عدد من القرارات الظالمة التى تفرض حصارا غير إنسانى على شعب العراق بدعوى عدم امتثال نظام بغداد لمقتضيات تصفية أسلحة الدمار الشامل التى ثبت أن نظام التفتيش الخاص بها يستخدم للتجسس لصالح أمريكا, والتى تفيد التقارير بأنه تم تصفية 99% منها!! كما تواصل الطائرات الأمريكية والبريطانية قصف مايسمى (بمناطق الحظر الجوى) فى عملية استنزاف لا تنتهى, رغم انعدام: أية شرعية لهذا القصف. وبنفس الطريقة تم (استصدار) قرار من مجلس الأمن بفرض عقوبات قاسية على الشعب الليبي لاجبار طرابلس على تسليم المتهمين بتفجير طائرة بان أميركان فوق بلدة (لوكيربى) ورغم تسليم المتهمين للمحاكمة فإن العقوبات لم يتم إلغاؤها وانما (تجميدها). وحين خشيت الولايات المتحدة من استخدام روسيا (للفيتو) بشأن ضرب يوغوسلافيا عقابا للصرب على جرائمهم فى كوسوفو, لم تتردد واشنطن فى شن الحرب على يوغوسلافيا (مع التركيز على جمهورية الصرب) دون انتظار قرار من مجلس الأمن, باستخدام قوات حلف الأطلسى. والأكثر من ذلك أن القمة الخمسين لحلف (الناتو) عام 1999 بزعامة الولايات المتحدة, وتحت ضغطها أعلنت رسميا عن حق الحلف فى التدخل العسكرى فى أى بلد (خارج بلدان الحلف) إذا نشأ وضع يهدد أمن أية دولة عضو فى (الناتو) أو مصالحها الحيوية, أو تدفق المواد الأولية الحيوية لاقتصادها (كالبترول)!! ذلك بغض النظر عن موافقة الأمم المتحدة!! أى أن (الشرعية الدولية) هى مايناسب الولايات المتحدة وحلفاؤها.. وأى شيء عدا ذلك لا يهم واشنطن!!وحتى المعاهدات الدولية التى وقعت عليها الولايات المتحدة يمكن أن تضرب بعرض الحائط إذا اقتضى الأمر. فواشنطن تصر مثلا منذ عدة سنوات على التنصل من معاهدة الحد من الصواريخ المضادة للصواريخ التى وقعتها مع موسكو عام ,1972 فى اطار المساعى الأمريكية لبعث مشروع (حرب النجوم). وبعد ذلك كله نجد فى عالمنا العربى من يندهشون لاستهانة الولايات المتحدة (بقرارات الشرعية الدولية) فيما يتصل بتسوية الصراع العربى ـ الاسرائيلى!!! الواقع أن ما ذكرناه ليس إلا أمثلة بارزة لتوضيح مأساة الشرعية الدولية فى ظل (النظام العالمى الجديد). وهى مأساة ستطول. لأن الولايات المتحدة باعتبارها القوة العظمى الوحيدة (تؤصل نظريا) حقها فى التدخل فى أى مكان فى العالم دفاعا عن (حقوق الإنسان) و(الحريات الدينية) من وجهة النظر الأمريكية بالطبع. ولأن زحف العولمة يخترق حدود الدول القومية ويزعزع سيادتها على أراضيها, ويزيح جانبا قواعد القانون الدولى. ولان العولمة تعني أساسا (أمركة) العالم فإن مأساة الشرعية الدولية مرشحة للاستمرار, حتى تبرز قوى جديدة قادرة على وضع حد لانفراد الولايات المتحدة بالهيمنة على العالم, وخلق توازن دولى جديد يعيد الاعتبار الى (الشرعية) باعتبارها ضرورة لتنظيم العلاقات الدولية ومنع صراعات قد تؤدي لإفناء العالم. وحتى يحدث ذلك ليس على الدول والشعوب الصغيرة مثلنا نحن العرب أن تجلس مكتوفة الايدي وهى ترى حقوقها تداس وتنتهك.. فثمة أساليب كثيرة للدفاع عن الحقوق المشروعة للدول الصغيرة. لكن هذا حديث ذو شجون. بقلم: د.محمد فراج أبوالنور كاتب مصرى