سارت امريكا ومن ورائها تجر جوقة العالم الغربي الى الانصراف الى ما هو عملي ومفيد اي صنع وتفصيل ما اطلقوا عليه بـ (النظام الجديد) على قياس المصالح والاهداف التي يطمح لتحقيقها اصحاب الرأسمال العالمي. الحقيقة ان ما هو اجدر بالاهتمام في هذه المرحلة على الاقل ليس تعريف النظام العالمي الجديد, او اطلاق هذه التسمية او تلك على مجمل التغيرات العالمية الجارية امام انظارنا, وانما محاولة تفسير ما يجري بعيدا عن الافكار والمفاهيم المسبقة وكيفية اضفاء كل الشرعية على التسمية الغير واضحة المعالم. علما بأن مثل هذا النظام الذي يأمل الجميع بأن يكون خاليا من التناقضات والصراعات لا يمكن ان يستمر, اذا ما سعت اطرافه المختلفة وراء مصالحها القومية بوصفها مصالح متضاربة, وهذا ما شهدته نهاية العقد الاخير, وما ادى الى قيام بنية دولية لا سابقة لها منذ اوائل القرن التاسع عشر, اي منذ مؤتمر فيينا الذي اقام النظام الاوروبي على مبدأ الدولة القومية التي يجب ان تكون متساوية الحقوق من حيث المبدأ, وان اختلفت ادوارها باختلاف قوتها ومكانتها. النظام الجديد كما تتصوره الولايات المتحدة سيكون لاغيا للنظام الدولي الراهن القائم اساسا على مبدأ الدولة القومية, لكن اوروبا ليست اليوم في المركز الغير قادر على الدفاع عن نظامها الدولي, نظام الدولة القومية, فهي اصبحت قوة بإمكانها المساهمة في تقرير شئون النظام الرأسمالي, وقد انتقلت بالفعل من كونها مجرد تعبير سياسي معنوي لكي تصبح مشروعا لقوة سياسية حقيقية لها ارادة سياسية واحدة مستقلة, بعبارة اخرى ان اوروبا لم تعد مسرحا قابلا للاستجابة لأي نوع من الضغوط بما في ذلك الضغوط الامريكية, وهذا يعني ان امريكا لن تفلح في فرض نظامها الدولي, لان اوروبا كطرف رئيسي ترى فيه معاديا لها وهذا ما يفسر الازمة الحادة التي تعيشها مشاريع التكامل الوحدوي الاوروبي حاليا. ومنظمة الامم المتحدة باعتبارها ابرز المنظمات والهيئات العالمية التي تمثل الشرعية الدولية, تمر بمرحلة متميزة, لا سابق لها في مراحل تطورها, ويمكن تشخيص هذه المرحلة على انها اشبه الى حد كبير بالمرحلة التي نشأت فيها, مع علمنا بوجود اختلافات جوهرية بين المرحلتين, حين كانت الولايات المتحدة الامريكية القوة الوحيدة بلا منافس او منازع اقتصاديا وعسكريا, وكانت اوروبا كما حالها اليوم مترددة ومنقسمة على نفسها شرقا وغربا. وحين شاركت الولايات المتحدة انحصر هدفها بصياغة شرعية دولية تحفظ لها مكانتها كقوة عسكرية واقتصادية جبارة, وتضمن لها استقراراً سياسيا يكون قادرا على تكريس ما تم الاتفاق عليه في يالطا. التغيرات والتحولات التي طرأت على العلاقات الدولية وما صاحب ذلك من احداث وتقلبات واعادة لتوزيع القوى, دفعت الجميع شرقا وغربا لطرح التساؤل الهام: اية شرعية تلك التي ستعمل بها هيئة الامم المتحدة؟ وهل يمثل الاعضاء الدائمون في مجلس الامن الدولي الذي ما من هيئة في العالم تمتلك القوة التي يمتلكها, والذي هو بؤرة الشرعية الدولية, وهو مزيج من الردع والتحدي بمعنى انه حكومة تدير شئون العالم, سيكون قادرا حقا على حفظ واقع التوازنات الدولية؟ لقد اصاب الانحسار في دور هذه المنظمة العالمية باعتبارها أداة في ادارة العلاقات الدولية, وقد ارتبطت نهاية الحرب الباردة بأمل قصير تعلق باحياء دورها المرسوم لها بعد ان شلتها صراعات الحرب الباردة وشوهت صناعة القرار فيها وصبغت الحق بصبغة الفراق بين الاقطاب, فاهتزت في غضون ذلك معايير الشرعية الدولية. وبالفعل, فإن المتأمل بروية في الاسس النظرية لهذه الشرعية الدولية, سيلاحظ بأن ما هو مأمول حقا غير قائم في الواقع, لأنها تعيش ازمة تجاوزات في مجمل العلاقات بين مجموعة دول الشمال, وبين دول الشمال والجنوب, وازمة في ميزانيتها الدولية من جراء عدم تسديد العديد من الدول المتأخرة بحصصها, وفي الطليعة الولايات المتحدة الامريكية, التي ما زالت حتى يومنا الحاضر تعامل الامناء العاملين لهذه المنظمة الدولية وكأنهم مجرد موظفين يشتغلون تحت امرتها, كما ان هذه الشرعية ظلت حتى الوقت الحاضر مستندة الى القوة العسكرية الامريكية, وهو الامر الذي يجعلها على الدوام تحمل خللا معيبا, بكونها شرعية تأديبية وتهذيبية متحيزة, يمتلك الاقوياء فيها حق الكلام, ويفرض الصمت فيها على الصغار الذين يشكلون الاغلبية, فهي على هذا الاساس ليست شرعية عادلة تنتهج دبلوماسية وقائية, ان انفراد الولايات المتحدة بصناعة القرار الدولي وشعورها بالتميز في جميع المجالات والقدرة على ادارة العالم, دفعها الى مقاومة تشكل اي نظام دولي يضمن لغيرها موقعا او مشاركا في صناعة القرار الا بالقدر الذي تسمح به واشنطن لمن يشاء ومتى تشاء كما اغراها استخدام الامم المتحدة وفق سياساتها غير عابئة بأنها اخرجت المنظمة الدولية عن مسارها, ولتجعلها عاجزة لامتلاك دورها ازاء الفوضى في اللانظام الدولي الجديد عن ممارسة دورها المطلوب في انهاء النزاعات الدولية, على انها تحولت الى مجرد مظلة كتبت على واجتها اسم (الشرعية الدولية) لحجب ما يرتكبه القطب الاوحد الذي يسعى للهيمنة على العالم. طوال مرحلة الحرب الباردة كانت المنظمة الدولية هي الحاضر الغائب اي انها لم تكن غائبة عن الصراعات بين الشعوب والقوى العالمية الكبرى, ولكن حضورها لم يكن فاعلا الا في حدود ما تسمح به التوازنات القائمة في داخلها والتي تحددها الدول القوية, وفي احيان كثيرة تساوي المعتدي على المعتدى عليه والامثلة كثيرة في هذا المجال اذ يقف على رأسها قضية الاحتلال الاسرائيلي للبنان منذ البداية وحتى خروج المستعمر الاسرائيلي مهزوما. وفي ظل قرارات حق النقض (الفيتو) التي استخدمتها القوى التي يطلق عليها بالعظمى, سحقت الكثير من الحقوق. العلاقات الدولية شهدت محاولات كثيرة لفرض مواقف سياسية على انظمة قاومت التجاوب مع مطالب قوى وأنظمة اخرى سواء كانت دولية ام اقليمية, وكلنا يعرف بأن تلك المحاولات اخذت اشكالا متعددة ومتباينة بينها العزل الدبلوماسي والتركيع السياسي من خلال قطع العلاقات والتمثيل الدبلوماسي وعدم الاتصال والتجاوب الا ان تلك المحاولات لم يكتب لها النجاح خلال الحرب الباردة, لانه نادرا ما اتفقت مصالح الكتلتين الغربيتين اللتين تمثلهما الولايات المتحدة من جهة وحلف الناتو من جهة اخرى, فمع ان الحصار فرض على كوبا الشمالية والفيتنام, ومحاولة انكار حق ألمانيا الشرقية في ان تكون دولة كاملة العضوية والتمثيل الدبلوماسي الدولي والاقليمي, وكذلك الحال مع جنوب افريقيا التي حظيت سياستها الداخلية في الفصل والتمييز العنصري بإدانة جماعية عالمية, مرورا بكوريا الشمالية وايران وليبيا وانتهاء بالعراق حيث فرض عليه العزل السياسي والاقتصادي اقليميا ودوليا, الا ان العديد من تلك المظاهر في العزل والاحتواء وسياسة التركيع السياسي, لم تنجح لان الدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة لم تطبق اجراءات العزل خدمة لمصالح الشرعية الدولية, كما ان تلك الدول التي اشرنا اليها احتفظت بعلاقات دبلوماسية وسياسية مع دول عديدة بينها العديد من الدول والمنظمات التي تعمل بنشاط على تطبيق العزل والمقاطعة, لمصالح اقتصادية ذاتية واضحة البيان. بعد انهيار الكتلة الشرقية وتشرذم اعضائها, واستفراد الولايات المتحدة بالقوة الدبلوماسية المعززة بقوة عسكرية واقتصادية واعلامية هائلة, اصبح اللجوء الى العزل السياسي والاقتصادي, والتدخل العسكري المباشر, احدى اهم ادوات السياسة الدولية التي اضفي عليها تسمية الشرعية الدولية, فإيران تعرضت للعزل السياسي بدرجات متفاوتة الحدة لدرء ما تعتبره الولايات المتحدة خطرا فكريا اسلاميا متشددا, وكوريا الشمالية تعرضت هي الاخرى للعقاب الاقتصادي لاجبارها على التخلي عن برنامجها النووي تلبية لرغبة الولايات المتحدة, وليبيا عزلت سياسيا وفرضت عليها المقاطعة الاقتصادية دوليا وباسم الشرعية الدولية بعد اعتراضها على تسليم اثنين من مواطنيها يشتبه بأنهما متورطان في حادثة تفجير طائرة بان امريكان الامريكية فوق قرية لوكيربي الاسكتلندية, والقائمة تطول, والولايات المتحدة تبذل جهودا مستميتة لاخضاع منظمة الامم المتحدة لسيطرتها وتفريغها من محتواها كإطار رئيسي للعلاقات الدولية, حتى اصبحنا جميعا نرى ونسمع عن دول صغرى وعدد من الدول الكبرى عرضة للضغوط الامريكية العنيفة سواء في الجمعية العامة او في مجلس الامن, ورأينا مرارا موافقة روسيا والصين على بعض القرارات نتيجة الضغوط الامريكية, كما استغلت الولايات المتحدة مساهمتها الكبيرة بميزانية المنظمة الدولية ومتأخرات هذه المساهمة لكي تفرض شروطها على الامم المتحدة في مجالات عدة, وخلال السنوات الاخيرة اصبح الكونجرس الامريكي طرفا صريحا وفاعلا في تسيير شئون الامم المتحدة بدون اي حياء. ان مفهوم الشرعية الدولية كان يمكن ان يتسع ويترسخ ليشمل اعمال العدالة الدولية وضمان حقوق الانسان, ونهاية الجرائم ضد الانسانية بغض النظر عن الحدود السياسية والاختلافات القانونية بين دول العالم, وكان يمكن ان تتوج نهاية القرن الماضي بإنشاء المحكمة الدولية الجنائية الدائمة لمحاكمة مرتكبي الجرائم ضد الانسانية والابادة والحرب والعدوان, لتكون ثمرة نضال العديد من ناشطي الحركات والمنظمات العالمية لحقوق الانسان التي ظلت حلما للجميع, الا ان المؤتمر الذي نظمته هيئة الامم المتحدة في مدينة روما عام 1998 ووافقت اغلبية الدول المشاركة فيه على مسودة النظام الاساسي للمحكمة والتي تنص على ان تتمتع المحكمة بشخصية اعتبارية مستقلة تمكنها من ملاحقة ومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والابادة والعدوان وذلك على اراضي الدول المصدقة على الاتفاقية, فقد عارضت الولايات المتحدة على استقلالية المحكمة, وصممت على ان تكون المحكمة تابعة لمجلس الامن, الامر الذي يتيح لواشنطن استخدام حق النقض (الفيتو) لحماية مجرميها. والمثل الآخر الذي عرض مبدأ الشرعية الدولية الى الاهتزاز, هو مسألة العقوبات التي سببت فادحة تأثيراتها من الناحية الانسانية وهشاشة نتائجها ومردودها من الناحية السياسية, هو الحصار الذي يفرض على العراق كعقوبة من مجلس الامن الدولي قبل عشر سنوات بعد حرب الخليج الثانية والذي استنفد غرضه, ويعتبر ساقطا بعد تكرر العدوان الامريكي عليه, فإذا كان العراق قد اخطأ فقد عوقب بما فيه الكفاية, والسؤال الآن هل كسر الحصار عن العراق يعد خروجا عن الشرعية الدولية؟ اي شرعية دولية تصاحبها نزعة عدوانية تتكرس يوما بعد آخر من طرف واحد يحاول فرض هيمنته وعدوانيته, ولا يستثني مجالا او دولة اللهم الا اسرائيل, فإن هذه الشرعية تظل شرعية انتقائية, ويتم من خلالها الاحتكام الى القوة وحدها, وخلاصة القول ان النظام العالمي الجديد بما فيه الامم المتحدة هو الآن على مفترق طرق, وان بنيته الرئيسية بحاجة الى اجراء العديد من التعديلات, فاما ان يقبل العالم بالمعايير التي تحاول ترسيخها واشنطن يوما بعد آخر, او ان تطالب قوى العالم الاخرى بإجراء تغيرات جذرية لهذه المنظمة العالمية. بقلم: موسى الخميسي كاتب عراقي مقيم في روما