لم يصدر عن الحكومة السودانية والمعارضة بالمنفى ما يشفي غليل متابعي الشأن السوداني بشأن تفاصيل ونتائج اللقاء الاول من نوعه الذي جمع امس الاول رئيس البلاد عمر البشير مع زعيم المعارضة رئيس (التجمع الديمقراطي), محمد عثمان الميرغني في العاصمة الاريترية اسمرة لكن (البيان) تابعت من خلف كواليس اللقاء ما تم من ترتيبات برتوكولية لحظة بلحظة, وامس عقد الميرغني اجتماعا مع اعضاء هيئة قيادة (التجمع) باسمرة بغية استعراض وتقييم نتائج اللقاء, وعقب الاجتماع قال امين الاعلام في (التجمع) خاتم السر في تصريح مكتوب ان الاجتماع تداول نتائج لقاء الميرغني والبشير من جميع جوانبها, وخلص إلى ان هذا الاجتماع يعتبر خطوة على طريق الحل السياسي الشامل من شأنها كسر الجمود الذي يحيط بعملية التسوية السلمية للمشكل السوداني, وانه جاء متسقا مع قرارات المؤتمر الثاني للتجمع الوطني الديمقراطي الذي عقد بمصوع, وقرارات هيئة القيادة. واضاف امين الاعلام ان الوصول إلى هذه التسوية لا يمكن ان يتحقق الا بالارادة والوضوح والشفافية والجدية, والمصداقية, وقال: ان الاجتماع لم يكن اجتماعا تفاوضيا, وان طبيعته (الاستكشافية) فرضت عليه ان يتناول الاسس والمبادىء العامة للحل السياسي الشامل, واشار إلى ان مستقبل الدخول في الخطوة التالية يتوقف على تعامل الحكومة مع متطلبات المرحلة واستحقاقاتها, التي من بينها تهيئة المناخ الملائم للحوار المثمر والجاد عبر منبر تفاوضي موحد يرتكز على المبادرة المصرية الليبية المشتركة المنسقة مع مبادرة ايجاد والمساعي الاريترية. وتناول امين الاعلام في حديثه رؤية التجمع الوطني الديمقراطي للحل السياسي الشامل, وقال ان هذه الرؤية ترتكز على الوصول إلى اتفاق سياسي شامل عبر منبر تفاوضي موحد, يكون طرفاه التجمع والحكومة, ويبحث كافة القضايا الاساسية وصولا إلى اتفاق سياسي يفضي إلى تشكيل حكومة قومية انتقالية يشارك فيها الكافة, يكون من بين مهامها تنفيذ الترتيبات الادارية والامنية والاقتصادية, والاشراف على الاستفتاء حول تقرير المصير, وعقد المؤتمر القومي الدستوري, واجراء الانتخابات العامة والنزيهة. وفي لفتة مبهمة قال المسئول الاعلامي للتجمع ان اعطاء التجمع الاولوية لمسألة الحل السياسي الشامل ووضعه على قمة الخيارات, لا يعني التخلي عن خياراته الاخرى, وقال: ان تلك الخيارات ستظل قائمة حتى يتحقق الحل السياسي الشامل, واضاف: ان التجمع يهدف من وراء ذلك التصدي لجذور الازمة السودانية بمنظور واقعي وشامل. وكانت (البيان) تابعت تفاصيل الساعات التي تتابعت منذ وصول البشير حتى مغادرته. وعقب وصوله إلى مطار اسمرة توجه البشير بعد لقاء قصير في المطار مع الرئيس الاريتري افورقي إلى فندق انتركونتننتال حيث عقد الرئيسان جلسة مغلقة استمرت لنصف ساعة, ثم انتقل البشير ووفده المكون من اللواء عبدالرحيم محمد حسين وزير رئاسة الجمهورية, واللواء الطيب ابراهيم محمد خير مستشار الرئيس للشئون الامنية والدكتور غازي صلاح الدين وزير الثقافة والاعلام, انتقلوا للصالة الرئاسية حيث اقيمت على شرفهم دعوة غداء. وفي الساعة الثالثة والنصف وصل محمد عثمان الميرغني يرافقه من التجمع الوطني كل من باقان اموم ودكتور منصور خالد من الحركة الشعبية لتحرير السودان, والفريق عبدالرحمن سعيد من القيادة الشرعية والعميد عبدالعزيز خالد قائد قوات التحالف السودانية. وكان اقتراح وفد التجمع ان تكون المباحثات مشتركة بين الطرفين بحضور وفديهما الا ان البشير طلب ان يقتصر اللقاء عليه والميرغني فقط بحضور الرئيس الاريتري اسياسي افورقي وهو ما استجاب له الميرغني حيث دخلا في اجتماع مشترك استمر لساعة ونصف الساعة, فيما تم منع الاعلاميين والمصورين من تصوير اللقاء المغلق. ولم يلتق وفدا الحكومة والمعارضة السودانية الا داخل القاعة بعد ان اتفق البشير والميرغني على صياغة البيان الذي صدر عن اللقاء, حيث تم طبع وتوزيع البيان على الوفدين قبل دخولهما للقاعة التي تم السماح فيها للاعلاميين بالدخول اليها آنذاك, وتلا الامين محمد سعيد الامين العام للجبهة الحاكمة في اريتريا نص البيان الذي اكد قناعة الجانبين بأن السلام والاستقرار في السودان لا يمكن انجازهما الا عبر تسوية سلمية شاملة وليس عبر الوسائل العسكرية. ولم تستغرق الجلسة المشتركة سوى اقل من عشر دقائق, ولكنها شهدت مصافحة تاريخية حارة بين البشير والميرغني, كما حرص البشير على مصافحة العسكريين من وفد التجمع حيث عانق عبدالعزيز خالد قائد قوات التحالف السودانية والعميد محمد المأمون الترابي مدير مكتب رئيس التجمع الوطني الديمقراطي (ابن عم دكتور حسن الترابي), كما حرص البشير والميرغني عقب اللقاء على اخذ صورة تذكارية وتوسطهما افورقي. وبعد مغادرة البشير لاسمرة قال الرئيس الاريتري افورقي في تصريحات صحفية ان اريتريا ليست لها اية مبادرة بشأن السودان ولا تنوي التدخل في شئونه الداخلية وان دورهم يقتصر فقط على تهيئة المناخ, مؤكدا ان الشعب السوداني قادر على حل مشاكله. أما الرئيس البشير فقد اكد في تصريحات صحفية عقب لقائه الميرغني ان الاجتماع الاستكشافي كان ناجحا وتم فيه الاتفاق على ان حل مشكلة السودان يأتي عبر الحوار وليس بالعمل العسكري وانه تم الاتفاق على اجراء مفاوضات مع التجمع للوصول لحل شامل وعاجل للقضايا السودانية, واعرب البشير عن شكره وتقديره لجهود الرئيس الاريتري افورقي والتي ادت إلى انعقاد الجولة الاستكشافية مع الميرغني, وابان ان ما تم الاتفاق عليه مع الميرغني اخذ في الاعتبار مبادرة ايجاد والمبادرة المصرية الليبية المشتركة. وعقب وصول الرئيس البشير لمطار الخرطوم عائدا من اسمرة, ادلى الناطق الرسمي باسم الحكومة دكتور غازي صلاح الدين بتصريحات صحفية, وقال ان اللقاء الثنائي بين البشير وافورقي تناول العلاقات بين البلدين وضرورة دفعها للامام وان الرئيس الاريتري سيزور السودان الاسبوع المقبل. واضاف ان اللقاء بين البشير والميرغني تناول الاسس العامة التي ينبغي ان يقوم عليها اي لقاء في اطار الحل السلمي للمشكل القائم في السودان اليوم, وقال انهما اتفقا على مبادىء اساسية تمثلت في ضرورة الحل السلمي ووحدة السودان على اساس التراضي والمبادىء الكلية التي لا يختلف حولها السودانيون, وعقد لقاءات مباشرة بين الطرفين في اقرب وقت في ظل المبادرات القائمة. واضاف ان المباحثات تركزت حول مجمل الاسس العامة التي ينبغي ان يقوم عليها اي لقاء أو عمل سياسي يستهدف الوصول إلى حل سلمي. وذكر ان اللقاء لم يتطرق إلى مبادرتي (ايجاد) والمصرية الليبية المشتركة وانه جرى الحديث حول كافة القضايا التي تهم السودان واريتريا. ووصف الدكتور غازي الزيارة بانها خطوة لتأسيس علاقات البلدين في المقام الاول, وانها ستقوى بزيارة افورقي في الاسبوع المقبل لمناقشة كافة القضايا المشتركة. وقال ان المباحثات لم تتطرق مطلقا إلى تحديد الزمان والمكان للقاء المرتقب المقبل (الذي لن يقتصر هذه المرة على البشير والميرغني وانما بين الآليات التي ستتضافر على التفاوض لتحقيق الارضية المشتركة والاتفاق المشترك) , مؤكدا بان هذا (لا يعني التفاوض بين اطراف وانما من خلال آليات التفاوض المعروفة) . واعلن غازي ان المباحثات لم تتطرق إلى مطالب التجمع المتصلة بتأجيل الانتخابات والغاء بعض القوانين المقيدة للحريات, انما تم ارجاؤها إلى اللقاء المباشر الذي ستقدم فيه اوراق وموضوعات مدرجة. على الصعيد نفسه خرجت صحف الخرطوم وهي تحمل لقاء البشير والميرغني, حيث ابرزت (اخبار اليوم) هذا العنوان (الحكومة والتجمع المعارض يتفقان على التسوية السلمية بديلا للحلول العسكرية) , فيما قالت (الرأي العام) تصميم على وضع نهاية سريعة للحرب وخلق ظروف ملائمة للوحدة الطوعية, اما صحيفة (الانباء) الحكومية الرسمية فقد ابرزت هذا العنوان (اتفاق البشير والميرغني على التفاوض المباشر) . اما صحيفة (الشارع السياسي) فقد قالت في صدر صفحاتها: (انكسار الحاجز النفسي بين البشير والميرغني بأسمرة), وابرزت صحيفة (الايام) التفاؤل يسود اوساط المعارضة بأسمرة, وحزب الامة يرحب باتفاق البشير ـ الميرغني, واكتفت (الصحافي الدولي) بهذا العنوان (الحكومة والتجمع يتفقان على مفاوضات مباشرة, وغموض يكتنف المبادرة المشتركة) . الخرطوم ـ اسمرة ـ البيان