ظل جمال عبدالناصر منذ رحيله في 28 سبتمبر 1970 حاضراً في السياسة العربية والاقليمية والدولية, وتحول إلى رمز يشير إلى قوى وتيارات سياسية واجتماعية تتحرك على الساحة مدفوعة بقوة مشروعه الحضاري, وما يتضمنه من منطلقات وأهداف ورؤى. وطيلة 30 عاما من رحيله, بقي عبدالناصر حاضرا على مائدة صناع القرار في معسكر خصومه واعداء أمتنا العربية, ربما بشكل أكثر مما كان حاضرا على مائدة أنصاره وأصدقائه, الذين حولوا ذكرى رحيله السنوية إلى منتدى موسمي للتباكي على عصره, أو لتعويض نقصان حضورهم باستدعاء توهج عصره وانجازاته. لهذا بات منطقيا ان يتردد السؤال التقليدي: ماذا بقي من عبدالناصر, وهل مازالت مرتكزات ثورته وأهداف مشروعه الحضاري العربي الاسلامي صالحة في عصر العولمة, ولم تفقد صلاحياتها في الألفية الثالثة, وهل فات أوان الحديث عن وطن عربي واحد من المحيط الهادر إلى الخليج الثائر, بعد ان تحركت قاطرة (الشرق الأوسط الجديد) كبديل للوطن العربي, وكلها أسئلة مشروعة وطرحت مراراً, لكنها تكتسب حاليا مشروعية وتحديا لا ينفع في مواجهته الاكتفاء بترديد الاجابات التقليدية الجاهزة, بل تتطلب قدراً من الاجتهاد. وللاجابة على السؤال المحوري الذي يجرنا إلى قلب مشروع عبدالناصر, واختبار مدى مصداقية قدرته على الاستمرار في الألفية الثالثة, ووسط عواصف العولمة, يجب بداية العودة إلى نقطة انطلاق مشروع عبدالناصر لمعرفة حجم التحول الجذري والتغيير الذي تحمل عبء قيادته عشية قيام ثورة 23 يوليو 1952, وهل كان ممكنا حدوثه بدون وجوده, كقائد تاريخي أم لا. يتفق كثير من المؤرخين على ان مصر ومجمل الدول العربية كانت تعيش أزمة خانقة عشية قيام ثورة 23 يوليو 1952, فمصر مثلا كانت تعاني حالة فريدة من الفوضى والفراغ السياسي وتخلف وفساد النظام الاجتماعي, الذي وضع ثرواتها في يد حفنة قليلة من كبار ملاك الأراضي الزراعية أو رجال المال المرتبطين بعجلة الاحتلال البريطاني في حين يرزح 95% من أبناء الشعب في أغلال الفقر والحرمان من الحقوق الأساسية في التعلم والعلاج والعمل الانساني الذي يوفر لهم حياة انسانية كريمة, ناهيك عن فساد النظام السياسي سواء على مستوى الحكم أو الأحزاب التي باتت عاجزة عن التجاوب مع نداء التغيير أو حتى التعبير عن حالة الشارع السياسي. فمنذ نكبة 1948 وحتى 22 يوليو 1952 نكبت مصر بحكومات متعاقبة تتبادل الجلوس على كرسي الحكم, في لعبة أشبه بلعبة الكراسي الموسيقية, أو تحريك (الدمى) على مسرح للعرائس, فلا هي جاءت وفقا لضرورة سياسية أو تعبيرا عن رغبة شعبية, بل فقط تبعا لرغبة واحد من اثنين, إما قصر عابدين أو قصر الدوبارة حيث يجلس في الثاني المندوب السامي لحكومة صاحبة الجلالة ملكة بريطانيا العظمى. واختزل العمل السياسي للأحزاب السياسية في لعبة التنافس والصراع على كرسي الحكم, حيث أسقط من حسابها تطلعات ومطالب القوى الاجتماعية الحية للمجتمع, الفلاحين والعمال والمثقفين والشباب. ووصل بالتالي مجمل النظام الاجتماعي والسياسي في مصر إلى طريق مسدود, لا ينفع معه أي حل مؤقت بتغيير حكومة بتلك , بل بات الحل هو تغيير النظام الاجتماعي والسياسي تغييرا جذريا بفتح الطريق أمام تطور المجتمع وتذويب تناقضاته, وهو الأمر الذي تنبه له عبدالناصر مبكرا وأثناء وقوعه مع قواته في حصار الفالوجا أثناء حرب 1948 أو المواجهة العربية الاسرائيلية الأولى عندما قال ان البداية ليست من هنا, بل هناك في القاهرة. ويرجع نجاح عبدالناصر في القيام بثورته واحداث التغيير الجذري في النظام السياسي والاجتماعي أساسا إلى تحليله الصحيح ورؤيته الصائبة لمتطلبات اللحظة التاريخية, وعدم ركونه إلى التحليلات الايديولوجية الجاهزة التي تحولت إلى سجن عقائدي للقوى الحية المرشحة للقيام بالتغيير وهي أساسا: الاسلاميون, الليبراليون, واليساريون. فعلى صعيد الاسلاميين, كانت حركة الاخوان المسلمين أوسع الحركات السياسية انتشارا في مصر, وأحكمها تنظيما وانضباطا, إلا انها عانت كثيرا من أخطائها السياسية, وتحول تحالفها مرة مع القصر, وأخرى بنسج علاقات سرية مع الاحتلال الانجليزي وترك الحبل على الغارب لمن أراد التلاعب بها واستخدامها لضرب شعبية حزب الوفد, على ان أخطر مظاهر ضعف حركة الاخوان يكمن في الخلط بين الدعوة الاسلامية وهي تتصف بالثبات والقدسية والتسامي على متغيرات وتحولات الواقع, من جهة ومتطلبات العمل الحزبي السياسي الذي يتصف بالنسبية والتغير ويحتاج إلى قراءة صحيحة للعصر وللمجتمع. فالاخوان المسلمون بلا شك لعبوا دورا اجتماعيا خطيرا وشكلوا سياج أمان أخلاقياً لمجتمع كان يتعرض لهجمة شرسة تهدد قيمه وأخلاقه وتسعى لمسخ هويته, عبر احلال القيم والعادات الأوروبية محل المنظومة الأخلاقية لمجتمعنا الاسلامي العربي. أما على صعيد العمل السياسي, فلقد تورط الاخوان في العديد من الخطايا, بخلطهم بين الدين والمتغيرات الحزبية, وتجاهلوا حقيقة انه لا يجوز اختزال الاسلام في حزب, وتحميله اخطاء الاجتهاد البشري. ومع هذا لا يستطيع منصف أو راصد موضوعي للتاريخ ان يزعم ان الاخوان عشية قيام ثورة 23 يوليو كانوا يفكرون في تغيير النظام القائم, أو توصلوا في قراءتهم للواقع, ان مثل هذا النظام الفاسد قد وصل إلى طريق مسدود, فقد صلاحيته التاريخية, بل جل ما توصلوا إليه هو الاصلاح عبر تغيير الحكومة والجهاد من أجل تحرير القدس وطرد قوات الاحتلال الانجليزي من مصر, وهو هدف أجمعت عليه كل التيارات الوطنية المصرية. لهذا نجد ان عبدالناصر اكتفى بالتعاون مع الاخوان, دون دخول قفصهم الايديولوجي لأن التعاون معهم أمر ضروري تفرضه حقيقة كونهم قوة سياسية موجودة, أما قفصهم الايديولوجي فلا حاجة لمن يرغب في التغيير الشامل والجذري أن يسجن نفسه فيه, لأن ذلك سيفقده القدرة على التعبير عن مجمل القوى والتيارات السائدة في المجتمع, ويدخله في نطاق الطائفية, ويسلبه ميزة التعبير عن المجتمع ككل, وهذا ما كان وفعله عبدالناصر وجر عليه ويلات حرب كلامية أطلقها الاخوان, ولم تنته بعد, حتى بعد رحيله. وحتى لو افترضنا جدلا وأخذ بمنطق المخالفة لمسار التاريخ الواقعي, فإن حركة الاخوان المسلمين كانت ستفشل فشلا ذريعا لو تمكنت من قيادة الثورة والامساك بزمام الأمور, فهي لم تكن تمتلك قائمة بالأهداف المرحلية أو شبه البعيدة, ولم يكن لديها قصورا مستقبليا لمسار الاحداث, وافتقرت دائما إلى خارطة تحالفات تعكس تصورا صحيحا للمجتمع المصري والعربي في اشتباكه مع الآخر اقليميا ودوليا, ذلك انها اكتفت دوما بشعار فضفاض يقول كل شيء, ولا يوجه لفعل شيء محدد, في لحظة بعينها. يأتي الليبراليون في المرتبة الثانية بعد الاخوان المسلمين من حيث الوزن الجماهيري والسياسي في مصر عشية ثورة يوليو, فلقد شكل حزب الوفد بكل أطيافه من يمين ووسط ويسار, ومثلت الطليعة الوفدية تياراً واسعاً ومؤثرا في المجتمع, وان تراجع تأثيره وانطفأ بريقه, بفعل تخلفه عن مسار التطور الذي حدث في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية, وظهور قوى وتيارات جديدة, مثل حزب مصر الفتاة الاشتراكي فيما بعد والتنظيمات الماركسية بكل تشكيلاتها. وجسد الوفد منبر الليبراليين منذ ثورة 1919, الذين وجدوا في استنساخ التجربة البرلمانية والحزبية الغربية حلا للمسألة المصرية, أو العربية بشكل عام, ففي رأي مفكريهم ومنظّريهم ان الشرق لن ينصلح إلا بما انصلح به حال الغرب, تعددية حزبية, وبرلمان قوي. غير ان التعددية تحت أسنة رماح الاحتلال تحولت إلى قفص وسجن كبير لطموحات الاستقلال والتطور, وتحولت إلى لعبة كراسي الحكم, كما أسلفنا, لهذا لم يكن حال الليبراليون عشية الثورة بأفضل من حال الاخوان, بل أكثر تخلفا وعجزا وضعفا, ولم يخطر ببال قادتهم امكانية تغيير النظام القائم, فهم اركانه الرئيسية, لذا كانوا الاكثر زهولا عندما قامت الثورة, ولم يستوعبوا التحول التاريخي, ودخلوا تابوت التبرير للخطأ والانعزال عن نهر التغيير لحقب طويلة. اما الجماعات الماركسية, فكانت الاكثر تبشيرا بضرورة تغيير الامر الواقع, والاشد انتقادا لفساده, والاعلى صوتا لقيام نظام اجتماعي جديد مستنسخ من تجربة الثورة البلشفية الروسية, على انها وبدرجات متفاوتة ظلت معزولة عن الواقع الحي في مصر والوطن العربي, تخطط له من علٍ, وفشلت جميعها في ضبط بوصلة حركتها مع الشعب, أو الاندماج فيه, فتراوح نتاج نضالها ما بين الهرطقة والاغتراب عن الواقع, أو العجز عن فعل شيء حقيقي. وتفسر اوضاع المعسكرات السياسية الليبرالية والاسلامية واليسارية عشية ثورة يوليو, سر تمسك عبدالناصر بصيغته المبتكرة والخلاقة للتغيير بمشاركة حلف وطني واسع يستفيد من التعددية الفكرية ولا يسجن نفسه في قفص الايديولوجيات. فنجده في تنظيمه للضباط الاحرار, لم يستبعد الضباط الماركسيين أو المنتمين للاخوان المسلمين مثل خالد محي الدين ويوسف صديق وعبدالمنعم عبدالرؤوف وحتى الذين ارتبطوا بمنظمات سرية تابعة للقصر لفترة من حياتهم مثل انور السادات. على ان عبدالناصر سعى إلى صهر اعضاء قيادة الضباط الاحرار في بوتقة وطنية تتجاوز اقفاص تنظيماتهم الايديولوجية وهذا سر نجاح ثورته واستمرار مشروعه الحضاري العربي الإسلامي. وتأسيسا على القراءة السابقة, يمكن مقاربة السؤال الاهم: ماذا بقى من عبدالناصر صالحا للالفية الثالثة, وهل تصمد اهداف مشروعه كبوصلة لحركة المجتمع العربي في عصر العولمة؟ وهل مازالت القومية العربية حية, لتعاود مدها بعد الانحسار طيلة العقود الماضية؟ يمكن استخلاص الاجابة عن هذه التساؤلات, بمراجعة سريعة للواقع العربي الراهن, ففي ظلال سيادة الدولة الاقليمية المتمترسة خلف حدود مصطنعة, خسر الوطن العربي ككل ومعه, وربما قبله, الدولة الاقليمية القدر الاعظم من ثرواتها ومواردها, واهدرت ما طالته يدها على خلق حالة وهمية من الامن الذي ظل مكشوفا وعرضة للتهديد من الجوار ومن الخارج البعيد, في ظل غياب الرابطة القومية, وتمدد المشروع الصهيوني أو قل هيمن على مجريات الاحداث, وتراجعت خطط التنمية بمفهومها الانساني والشامل, في ظل التخلي عن قيمة الاعتماد على الذات, واغراق بلداننا في تبعية واضحة أو مستمرة. وتحولت الصراعات الهامشية بين الفرقاء العرب, إلى صراعات دامية, بفضل مغامرات خرقاء, وسوء تقدير لبعض صناع القرار العربي. وعلى مستوى الحريات, تآكل بشكل مستمر الهامش المتاح, وتحولت الديمقراطية من قيمة موجهة للعمل, إلى مجرد شعار وحلبة وديكور يخفي ابشع عمليات القهر وتغييب دور الجماهير, ناهيك عن التدجين المستمر والمتوحش للمثقفين, وافقادهم الحد الادنى من الاستقلالية والمصداقية. اذن يمكن تلخيص الميراث الباقي من عبدالناصر ومشروعه الحضاري في منظومة من القيم والاهداف واساليب العمل. ففي ظل تحديات الالفية الثالثة ومشاريع التفتيت المطروحة لوطننا, واعادة صياغته في نظام شرق اوسطي, تبقى قيمة وهدف الوحدة العربية ثابتة توجه نضالات الشعب العربي بكل فئاته, وان كانت سوف تتخذ صيغا واشكالا جديدة, تتبنى التدرج والواقعية وتستعيض من غياب الوحدة الشاملة بالتجمعات الاقليمية, وكما قال عبدالناصر (فان الممكن هو الطريق الوحيد المتاح على طريق الهدف البعيد المنال) . وفي مواجهة الاغراق في التبعية ومنتجات العولمة تبقى التنمية المستقلة والاعتماد على الذات والتكامل العربي والاسلامي هدفا وطريقا للتطور. وفي مواجهة تجريف دور الفرد وحريته في الاختيار والمشاركة, وتقطيع اوصال المجتمع عبر اللعب بأوراق الاقليات, والتحريك عن بعد بقوة الشركات العابرة للقوميات, تبقى الديمقراطية والعدل الاجتماعي بالمفهوم الخلاق عربيا واسلاميا وسيلة للحكم وللتحاور بين الجماهير والحكومات. على ان المجال لا يتسع لتفصيل مابقى من ميراث عبدالناصر, دونما الوقوع في قولبته, وتحنيطه بترديد اقواله واسترجاع تجربته كما هي, مثلما يفعل الناطقون باسم عبدالناصر أو الزاعمون بانهم كذلك, ولربما تواصلت حلقات مشروعة في العقد المقبل بعيدا عن مشاركة حتى الاحزاب التي تحمل اسمه. سيد زهران