تحت لافتة كتب عليها (الذكرى الثلاثون) لرحيل الزعيم جمال عبدالناصر) كانت صورة صغيرة بالأسود والأبيض للزعيم جمال عبدالناصر وكأنه يتطلع الى المستقبل بنظراته الثاقبة, وعلى الجانب الأيمن من المنصة التي شهدت افتتاح ندوة اللجنة المصرية للتضامن حول الذكرى الثلاثين والتي تستمر حتى اليوم في القاهرة تمثالا نصفيا صغيرا أيضا للزعيم الراحل جمال عبدالناصر, وكان من أبرز المتحدثين على المنصة أحد رفقاء الزعيم الراحل في تنظيم الضباط الأحرار ومجلس قيادة الثورة خالد محيي الدين رئيس حزب التجمع المعارض, وبجواره هدى ابنة عبدالناصر الاستاذة بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة, والدكتور اسامة الباز المستشار السياسي لرئيس الجمهورية اضافة الى رئيس الجلسة ورئيس لجنة التضامن المصرية أحمد حمروش وعدد من الشخصيات السياسية المصرية والعربية ومنهم بهية الحريري ومحسن العيني وطلعت حماد وزكريا الأغا. وعلى العكس من تطلع الزعيم الراحل جمال عبدالناصر الى المستقبل من خلال صورته التي تصدرت إحدى قاعات أحد الفنادق الكبرى في القاهرة, كانت أغلب الكلمات تبدو وكأنها غارقة في الماضي, الأمر الذي اعتبره أكثر من مشارك في الندوة بأن الزعيم عبدالناصر يسبق الجميع الى المستقبل حتى بعد وفاته. في كلمته الافتتاحية أكد أحمد حمروش ان لحظة وفاة القائد والزعيم جمال عبدالناصر كانت (لحظة صدمة كبرى وفاجعة مذهلة تعرض لها الشعب المصري والعربي من محيطه الى خليجه), وبعد لحظات من الصدمة والمفاجأة بدأ الشعب العربي في استكمال مسيرة الزعيم التي لم تستطع الثلاثون عاما الماضية ان تنسيه تلك المبادئ والقيم التي ناضل وعاش عبدالناصر من أجل تحقيقها. وأضاف: (أنه من المنظمات التي استكملت هذه المسيرة هي اللجنة المصرية للتضامن الأفرواسيوي مع تقدير عميق للمتغيرات العالمية الحادثة خلال العقد الماضي وحتى الوقت الراهن), وقال: (ان المنظمة اعتادت ان تحتفل بذكرى الزعيم الراحل وفي هذا العام تحديدا يتأكد لدى العالم العربي والدولي ان عبدالناصر كان واحدا من زعماء القرن العشرين ومن أصحاب الأثر البالغ والعميق في تحريك السياسة الدولية, كما ترك الأثر البالغ في ترسيخ كثير من المعاني التي يحفظها التاريخ في مجال التحرر والتقدم والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية). وأشار حمروش في ختام كلمته الافتتاحية الى ان المنظمة قد رأت ان يكون التعبير عن هذه الذكرى تعبيرا عربيا شاملا). وفي كلمة الدكتور عصمت عبدالمجيد الأمين العام لجامعة الدول العربية والتي ألقاها نيابة عنه طلعت حامد المتحدث الرسمي باسم الجامعة قال: أنه رغم مضي ثلاثة عقود على وفاة عبدالناصر فإن اسهاماته وانجازاته لا تزال تثير الجدل والحوار, ومهما كانت الآراء والاجتهادات التي تناولت الرئيس عبدالناصر وانجازاته فإن الكل يشهد على أنه كان قائدا عربيا فذا, وزعيما قويا, لايمكن التقليل من قيمة دوره الضخم في تاريخ أمته العربية في القرن العشرين حيث احتل مركز الصدارة بين قادة حركات التحرير الوطني والتفت الجماهير من حوله سواء في مصر أو في الوطن العربي. وأضاف: (أن الثورة كانت بداية لزلزلة كيان الاستعمار والقضاء على نفوذه وأن حرب السويس قد أبرزت اسمه على النطاق الدولي باعتبارها نموذجا حيا للارادة الوطنية في تحديها لقوى الاستعمار العالمي وأدت نتائجها الى تحرير الجزائر وليبيا وتونس والمغرب واليمن). وأشار الى ان عبدالناصر كان قد فرض عليه خوض الكثير من المعارك وكان يخوض معركتين في آن واحد, معركة الاستقلال والتحرر الوطني ومعركة التحول الاجتماعي. ولم يكن عبدالناصر نبيا معصوما, كما أنه لم يكن أسطورة تتخطى قدرات البشر وإنما كان مواطنا وقائدا عربيا أدرك امكانيات وطنه في ظل ارادة عربية لايقاد روح القومية العربية ومناصرة حركات التحرر الوطني). ويبدأ رفيق عبدالناصر خالد محيي الدين حديثه بقوله أنه من الصعب ان نصدق ان ثلاثين عاما قد مرت على وفاة الزعيم, فمنذ رحيله وحتى الوقت الراهن تحاول قوى الثورة المضادة ان تشكك في سلامة منطلقات الثورة والنيل من حقيقة انجازاتها, واضافة ان هدف هذه الحملات أيضا هو هزيمة كل القوى القومية التي ساندها عبدالناصر في كل مكان من الوطن العربي), وبالرغم من ان النتائج العملية للتغيير الذي فرضت القوى المعادية للثورة على الواقع المعاصر تؤكد على سلامة مبادئ ثورة 23 يوليو ومصداقيتها بأكثر مما تنال منها. وأشار الى ان عبدالناصر كان قد نجح في توسيع دائرة المشاركة السياسية لدى الشعب المصري حيث دخلت قوى اجتماعية مثل الفلاحين والعمال والموظفين وغيرهم في دائرة العمل السياسي وهو ما يعني ان التجربة الناصرية كانت قد ساهمت في ترسيخ الديمقراطية. ومن جانبها أكدت الدكتورة هدى عبدالناصر على ضرورة التصدي لحملات الثورة المضادة التي مازالت تتوالى على الثورة , وقالت أنها كمواطنة مصرية مهمومة من حملات تزييف التاريخ وحريصة على التوثيق الأمين لمرحلة من أهم مراحله في عصرنا الحديث, أطرح هذا السؤال, أين يستطيع الباحث في التاريخ المصري ان يجد مصادر من الدرجة الأولى, وأقصد هنا وثائق رسمية, اذا أراد ان يتناول بالدراسة العلمية موضوعا عن ثورة 23 يوليو أو جمال عبدالناصر؟. وأشارت الى استحالة امكانية الحصول على هذه الوثائق سواء في مصر أو الوطن العربي عن تلك الفترة, ولا يجد الباحث أمامه سوى الاستناد الى الوثائق الأجنبية عن الثورة. وطالبت هدى عبدالناصر بأن تكون هناك وقفة لتدبر هذا الموضوع ومحاولة ايجاد مخرج لها, وقالت أنها وأسرة الزعيم مستعدة لتسليم الوثائق التي لديها الى دار الوثائق المصرية وطلبت ان تتخذ الدولة المصرية قرارا بتحويل الوثائق التي لديها الى دار التوثيق لكي يكون هناك منبعا واحداً لهذه الوثائق وحفظها, ودعت المسئولين الذين عملوا مع عبدالناصر الى ارسال ما لديهم الى دار الوثائق المصرية. وفي كلمته أكد الدكتور أسامة الباز أنه بالرغم من الكتابات والمواقف التي سعت بغير حق الى تحطيم صورة الرئيس عبدالناصر والزعيم العظيم إلا ان أعماله لن تمحى من سجل التاريخ, ولن يستطيع منصف ان ينكر ان هذا القائد التاريخي كان الركيزة الأساسية بل القوة الملهمة التي دفعت الشعب المصري والأمة العربية الى رفض الهزيمة في يونيو 67 وتحديها وابطال مفعولها أولا داخل النفس العربية وثانيا بمواجهة اسرائيل وثالثا على الصعيد الدولي الأوسع. واستطاع القائد عبدالناصر بمواقفه الفولاذية ان يتغلب على الهزيمة داخل نفسه بكل ما سببته من ألم, بل ودعا الشعب الى تحدي هذا الواقع تحديا شاملا, وكان شعار ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة هو الاعلان التاريخي الذي سرعان ما تحول الى برنامج ملموس التف حوله الشعب المصري والعربي فبدأت اعادة بناء القوات المسلحة, وكانت النتيجة أيضا ان مصر لم تستسلم ولم يتسرب اليها اليأس في المقاومة والتحرير ولم يكن هناك ولو صوت واحد يقبل الهزيمة. وقالت بهية الحريري النائبة البرلمانية و نائب رئيس لجنة التضامن اللبنانية, أنه عند وفاة الزعيم عبدالناصر منذ ثلاثين عاما كان الشعب العربي يتساءل ماذا بعد رحيله؟ وكان الجواب بأننا أمة واحدة لنا تاريخ واحد ومصير واحد, وأن ما من قوة مهما عظمت تستطيع ان تجعل منا مجرد صدى في التاريخ. و أضافت ان كل انسان عربي هو جبهة بحد ذاتها لأنه مستهدف في تاريخه وعودته الى التشتت والضياع. وقالت ان الشعب العربي في لبنان تعلم من عبدالناصر كيف يبني ويحمل السلاح دفاعا عن وطنه وترابه. وأشار محسن العيني نائب رئيس المنتدى العربي الى أكذوبة من يدعون خطأ عبدالناصر في حرب اليمن وقال أنه لولا قيام ثورة يوليو ونجاحها في مصر ما كانت ستنجح ثورة سبتمبر عام 62 في اليمن, ولو لم تصمد الثورة بجوار أشقائها في اليمن لما كان ان يتحرر اليمن من الاستعمار فقد كان دور عبدالناصر للأمة كلها وكان رمزا لنضالها وبحثها عن التحرر والتقدم. وفي كلمة ياسر عرفات التي ألقاها نيابة عنه زكريا الأغا قال أنه من حقنا ان نحزن لرحيل القائد رمز التحرر والكرامة وقائد الوحدة واضاف أنه ليس أمامنا من طريق للخلاص غير طريق عبدالناصر للدفاع عن حقوقنا المشروعة في فلسطين واستعادة القدس الشريف ودعا الى توحيد صفوفها لتجاوز مرحلة الخلافات لكي تواجه التحدي الصهيوني الذي اغتصب أرض فلسطين ويعمل على تهويد القدس. وقال ان ثورة يوليو كانت الشعلة التي قادت حركات التحرر في العالم نحو الحرية, و كانت لها انعكاساتها الايجابية داخليا وخارجيا ومازالت لها الأثر البالغ حتى يومنا هذا سواء الصناعة والتنمية التي أصبحت مثلا يحتذى في العالم ومساندة ثورة الجزائر واليمن وأهمية بناء الوحدة العربية لقد ظل يعمل من أجل أمتنا حتى رحل عن عالمنا. القاهرة ـ أحمد مراد