في الذكرى الثلاثين لرحيل الزعيم العربي جمال عبدالناصر وضمن تناوله للتجربة الناصرية, في هذه المناسبة اجرى (البيان) حوارا مع محمد فائق وزير الخارجية المصري في عهد عبدالناصر واحد المقربين منه. وقبل بداية اللقاء بادرنا محمد فائق قائلا: ثلاثون عاما من الغياب وثلاثون عاما من الحضور ثبت خلالها فشل كل البدائل, ومازال شبح عبدالناصر يطارد كل الذين هاجموه, مازال شبحه في السد العالي مثالا يطارد كل من اعتبره من اكبر الكبائر وتثبت الطبيعة انه كان من اعظم الانجازات, حضور عبدالناصر مستمر لان البدائل فشلت. * لكن التطورات العالمية التي شهدناها في الثلاثين عاما قد تجعل مشروع عبدالناصر جزءا من الماضي؟ ـ بالعكس, التطورات العالمية تؤكد أن فكر ومبادئ عبدالناصر مطلوبين بالزمن, خذي مثلا موضوع الوحدة وكان فى ذلك الوقت مطروحا على انها قوة, الآن أصبحت ضرورة وأصبحنا فى عالم ليس فيه مكان للكيانات الصغيرة, يمكن أن يكون مشروع الوحدة فى حاجة الى تعديل للأسلوب, أعني أن تطرأ التعديلات على الأسلوب الذى يحقق الوحدة وأظن ان التيار القومى درس ونقد نفسه وحاول أن يطور هذا البعد, بعد الوحدة الدستورية. * ولكننا الآن امام دولة قطرية مهددة فى سيادتها القطرية, فكيف ترى امكانية الوحدة بينها؟ ـ أنا احتاج لدولة قطرية قوية, غياب الاستقلال هو العائق الاساسى للوحدة, أولا نبدأ بالقفز فوق كل شئ ممكن, ثم ننظر لمواضيع تجمعنا, استراتيجية واحدة, أمنا قومىا واحدا, لا يوجد أمن قطرى وانما أمن قومى, ومن باب أولى الاعتماد المتبادل بين الدول العربية وبعضها والأمن القومى والبعد العربي هو احد الثوابت الأساسية لمشروع الوحدة, وبغير مشروع الوحدة سيكون البديل هو التشرذم الهائل الذى وصلنا اليه الآن. * هذا عن الوحدة, وماذا عن الطرح الاشتراكى في مشروع عبدالناصر, هل مازالت هناك امكانية لوجوده؟ ـ الاشتراكية وتوازن المجتمع, والعدالة الاجتماعية موضوعات ملحة, الحد من اطلاق آليات السوق الى مداها موضوع ملح, وتصور أن آليات السوق ستوازن نفسها أوتوماتيكيا غير صحيح, البعض يطلق على التدخل للحد من آليات السوق الطريق الثالث, والبعض يقول: (حكومات الفرامل) لا يمكن تجاهل آليات السوق ولا يمكن تصور اطلاق هذه الآليات وهنا أقول أن الاشتراكية وتوازن المجتمع والعدالة الاجتماعية موضوعات ملحة, العالم الآن يحارب الفقر, ويربط التنمية بحقوق الإنسان وأول من تكلم فى تنمية الإنسان نفسه هو عبدالناصر. الوحدة والاشتراكية والعولمة * الاشتراكية والوحدة كما تسميها (الاعتماد المتبادل بين الدول العربية) كيف ننظر لهذه المسميات فى اطار ما يسمى العولمة الآن؟ ـ فكرة العولمة فى بعدها النظرى شئ جميل, الاعتماد المتبادل بين الشعوب لادارة الكون لصالح الكون يختصر الى دول معينة تأخذ مكاسب وتترك السلبيات للدول الأخرى, وأصبح ضروريا الآن مقاومة الهيمنة التى هى جزء من العولمة ولكن جزءا فيها ايضا الثورة العلمية والمعلومات وأساليب الاتصال, السؤال: كيف تحافظ على هويتك ولا تخضع للهيمنة المطلقة, للثقافة المطلقة للنظم, انك تحتاج للحفاظ على الهوية ومقاومة الهيمنة ومشروع الوحدة هو الاجابة للمستقبل. * وكيف تنظر الآن لمشروع عبدالناصر فى التحرر ازاء قضية العرب المحورية, الصراع العربى الاسرائيلى, هل مازال صالحا بعد ما حدث ويحدث الآن؟ ـ كل الذين فرطوا وخرجوا عن هذا الخط وصلوا لطريق مسدود تماما, وأصبحت الفكرة والثوابت رؤية سلمية مئة فى المئة, وأكبر دليل على ذلك ما نحن فيه الآن, انظرى لحركات التحرر فى العالم كله ماذا حققت وماذا أنجزت أنا فى تصورى أنه لا يوجد طريق آخر. * هل تسميها نظرية ناصرية, أم مشروعا ناصريا, وهل هى اعادة التاريخ للوراء؟ ـ فكرة النظرية ليست موجودة ولكنها الثوابت فى التحرر الوطنى وفي العدالة والتنمية وفى البعد العربى والأمن القومي, ولا أستطيع أن أقول مشروعا ناصريا, الناصرية ليست اعادة لعجلة التاريخ للوراء. * كثيرين تحدثوا عن المشروع القومى والمشروع الاسلامى مارأيك؟ ـ أنا لست مع التلفيق, أنا مؤمن ايمانا كاملا أن جزءا أساسيا من المشروع القومى هو البعد الاسلامى, ونظريتى فيما وراء الطبيعة هى الاسلام كدين وكثقافة تجمع بيننا عربا وبربر وأقباطا, وأتذكر كلمة مكرم عبيد عندما قال: (نحن مسيحيون دينا ومسلمون ثقافة) وأقول أن التيار الوحيد الذي ربما راجع نفسه فى أشياء كثيرة هو التيار القومى. القوميون وافريقيا * هل مازال البعد الافريقى قائما فى منظور القوميين كما نظرت اليه الناصرية؟ ـ أفريقيا مكون أساسي وهام جدا, ومازالت الدوائر الثلاث التى تحدث عنها عبدالناصر هى التى تسير عليها الى حد كبير البعد العربى والافريقى والاسلامى وافريقيا تتقاطع فيها الدوائر الثلاث, وثلثا العرب فى افريقيا, و15 دولة عربية أعضاء فى منظمة الوحدة الافريقية, والبعد الافريقى بالغ الأهمية لنا كعرب, وفى عام 1956 أستوعب عبدالناصر درس فشل مصدق فى تأميم البترول فقد دخل مصدق معركته فى التأميم كحركة داخلية, لم يشرك الخارج فيها, ودخل عبدالناصر معركته ضمن حركة عالمية واسعة كانت باندونج أساسية فيها, وكان البعد العربى والافريقى والدولة مقدمات دافقة أظهرت الفيتو الروسى, وموقف ايزنهاور المختلف وكانت نتيجتها وقوف الجمعية العامة للأمم المتحدة ضد العدوان. * السودان كان له شأن بعيد فى رؤية عبدالناصر لأمن مصر وبدأ من السودان يغزو حركة المقاومة فى افريقيا وقد كنت مسئولا عن الدائرة الافريقية, هل تحدثنا عن هذه السنوات؟ ـ بالفعل كان السودان نقطة البداية في اهتمامات الثورة بافريقيا, فقد قرر عبدالناصر بحسه العميق الموافقة على حق السودان فى تقرير مصيره. وخلافا لكل التوقعات بإن نظاما عسكريا سيكون أكثر تشددا فى مصر فى المطالبة بحقه فى السودان بعد أن أعلن فاروق نفسه ملكا على مصر والسودان, فاجأ عبدالناصر الانجليز أنفسهم بالموافقة على اعطاء السودان حق تقرير المصير.. وطلب توقيع اتفاقية مصير السودان قبل توقيع اتفاقية الجلاء عن مصر, وكانت خطوة جريئة وواعية من عبدالناصر الذى أراد شمول معركته ضد الاستعمار من بلدان محررة فكان المكسب الذى حققه هو خروج الانجليز من السودان فى يناير ,1956 وتأكد حق تقرير المصير فى افريقيا من موقف مصر ازاء السودان الذى أصبح رابع دولة افريقية مستقلة بعد مصر وليبيريا واثيوبيا. * ومن السودان الى افريقيا ومقاومة اسرائيل والأمريكان ماذا حدث؟ ـ من السودان المحرر بدأ عبدالناصر يعزز حركة المقاومة فى افريقيا من خلال اذاعة (صوت العرب) الموجهة, ومن خلال تصفية بؤرة لتنفيذ السياسة الأمريكية فى السودان وكانت تتمثل هذه البؤرة فى مكتب الاتصال الاثيوبى, وفى كل هذا كانت عينا عبدالناصر على تأمين مياه النيل ضمن مفهومه الشامل لمقاومة الاستعمار فى افريقيا, وكانت مقاومة اسرائيل من الأهداف التى عجلت بدورنا فى افريقيا لدرجة أن عبدالناصر كان يقدم قروضا للدول الافريقية فى مواجهة القروض التى تقدمها اسرائيل, ولكن القروض المصرية كانت عبارة عن مشروعات تمول ببضائع مصرية تباع لافريقيا فيتم توفير التمويل المحلى أما المستلزمات المطلوبة للمشروعات من الخارج فكنا نستوردها من الكتلة الشرقية معتمدين على اتفاقاتنا مع هذه الدول, ونجحنا فى عزل دول افريقية عن اسرائيل بهذه المشروعات وبتكلفة قليلة, وأذكر أنه فى مؤتمر الدار البيضاء فى 1691 وفي أول لقاء بين عبدالناصر وموديبو كيتا رئيس مالي, وكان عبدالناصر يعلم ان اسرائيل تسلح جيش مالى, سأله عبدالناصر: ألم تجد الا اسرائيل تسلحك فى مواجهتك مع فرنسا, فرد عليه: طلبت من كل دول الغرب أن يمدونا بالسلاح وقالوا موافقين ولكن عن طريق اسرائيل, وافقت.. الى أن دخلت فى معركة حقيقية مع فرنسا ووجدت أن كل ما أقوله لسفير اسرائيل ينقله لسفير فرنسا. وهنا سأله عبدالناصر: كم تعداد جيشك؟ فقال: ألف عسكرى, فعرض عليه عبدالناصر أن تقوم مصر بتدريب وتسليح جيش مالى بدلا من اسرائيل, كما قدم له هدية باسم مصر من الأسلحة السوفييتية الصغيرة تكفى لالف مقاتل, وكانت الهدية بقصد أن تحل هذه الأسلحة السوفييتية الصنع محل الاسلحة الاسرائيلية, والى يومنا هذا وجيش مالى يرتدى نفس الزى العسكري الذى يرتديه الجيش المصرى, ومنذ ذلك الحين دخلت مالى مع مصر فى كل مواجهة بين مصر واسرائيل. * كانت لعبدالناصر مقولة شهيرة بعد 1967 وهى: (لا أريد أن تنتكس أفريقيا بنكستنا) لماذا قالها؟ ـ عندما كان عبدالناصر يستعد للسفر الى الخرطوم فى 1967 وكان ذلك يوم أغسطس, وقبل يوم واحد من تصفية مقر المشير عامر فى الجيزة, وصل إلي خطاب عاجل من جون جو وكان رئيس المجلس العسكرى الحاكم فى نيجيريا يستغيث فيه لأن طائرات من (بيافرا) تغير يوميا على لاجوس العاصمة, وهو ليس لديه مدفعية مضادة للطائرات ولا طائرات مقاتلة تستطيع الدفاع عن سماء لاجوس.. وأن استمرار هذا الوضع بالغ الخطورة, وانه استغاث بالعالم ولم يغثه أحد سوى الروس وأرسلوا اليه ميج 19 بدون طيارين ورجا عبدالناصر ان يطلب من الدول الصديقة له ارسال طيارين, تلقيت الخطاب وأرسلته لعبدالناصر ولم أعلق عليه على غير العادة, طلبنى عبدالناصر, وقال لي عبارة لن انساها فى حياتى.. وأنا أعلم ما نحن فيه من هزيمة.. والمشاكل الداخلية التى يواجهها والاستعداد للخرطوم قال لى: (لا أريد أن تنتكس أفريقيا بنكستنا) واستطرد: لابد أن تنهى نيجيريا عملية انفصال بيافرا.. انها عملية اساسية من أجل تحرير أرضنا, علينا أن نساعدهم فورا.. أنهم يريدون اخافة هذه الأنظمة ليسهل عزلنا, وفوضنى الرئيس بسلطات رئيس الجمهورية فى هذا الموضوع, وأرسلنا طيارين مصريين بكافة الأطقم اللازمة لهم.. ونجحت نيجيريا فى القضاء على انفصال بيافرا.. وكانت مصر أول دولة يزورها رئيس نيجيريا بعد انهاء الانفصال اعترافا بدور عبدالناصر فى هذه العملية.. وتدفقت بعد ذلك المساعدات على نيجيريا. الرصيد * هل مازال هذا الرصيد لمصر موجودا فى أفريقيا؟ ـ مازال لنا رصيد كبير فى افريقيا.. ومازال ينظرون الى عبد الناصر كبطل لتحرير افريقيا, فقد استطاع ان يكشف وجه مصر الافريقى بعيدا عن اطماع التوسع الامبراطوري فى القارة وكان واضحا اننا معهم فى حركة واحدة ضد الاستعمار.. وان أى خطوة أو نجاح تحققه دولة افريقية يجد صداه لدينا, وكان الاعلام أيضا يعكس هذه الصورة, وأذكر مثلا فى حكاية الاعلام ما فعله عبدالناصر مع عبدالرشيد شرماركى وهو كان رئيس وزراء صومالى حاول أن يسير بالصومال فى اتجاه وطنى تحررى, وكان عبدالرشيد فى أوروبا, وطلب أن يزور مصر واثناء محادثاته مع عبدالناصر شرح له مشكلته مع الشركات الايطالية التى تحتكر محصول الصومال الرئيسى وهو الموز, وكيف أن هذه الشركات أمتنعت عن شراء المحصول بعد جمعه, وتركت اسعاره تهبط هبوطا شديدا الأمر الذى هدد الصومال بكارثة لا يتحملها اقتصادها, وكان هذا أسلوبا معروفا تتبعه الشركات الغربية فى مواجهة الحكومات الافريقية التى تنتهج سياسات استقلالية, ورد عبدالناصر قائلا: ان مصر ستدخل مشترية لمحصول الصومال من الموز, وسيطرح الموز الصومالى للاستهلاك المحلى داخل أسواقنا, وسنقوم بتصدير محصولنا من الموز المصرى فلدينا القنوات القادرة على ذلك, وسأله عبدالناصر عن مجموع محصول الموز, فقال له عبدالرشيد مشرماركى الرقم فأكد عبدالناصر أن مصر ستشتريه كله, وجاء هذا العرض مفاجأة لعبدالرشيد نفسه, الذى وجد فيه انقاذا لاقتصاد الصومال ومخرجا من الأزمة دون أن يخضع لضغط الشركات الايطالية, أو أن يعدل فى سياسات وطنية اختارها الصومال.. واستطرد عبدالناصر: انه مع التزامه بما عرضه على عبدالرشيد الا انه يعتقد ان الصفقة لن تتم, وانه بمجرد اعلان مصر عنها فسوف تعدل الشركات الايطالية موقفها لانها بالتأكيد لا تريد ان تخسر السوق الصومالى, وستعود غالبا لشراء محصول الموز, وتحققت نبوءة عبدالناصر, الذى طلب منى وهنا اشير لاستخدامه دور الاعلام اعلان هذا العرض المصرى فى المؤتمر الصحفى بعد محادثاته مع عبدالرشيد, وأعلنت هذا, وقبل عودة عبدالرشيد الى مقديشو اندفعت الشركات الايطالية طالبة شراء موز الصومال, وبالفعل ألغيت الصفقة التى لم نكن فى حاجة اليها, بعد أن أصبحت حكومة عبدالرشيد حكومة قوية فى مواجهة هذه الشركات ومن وراءها, ومن العجيب ان محصول الموز الصومالى فى هذه السنة أرتفع ثمنه مقارنة بالأعوام السابقة. هاتوه * عودة الى ليلة 10 يونيو 1967 وحكاية تعرضك للموت امام بيت عبدالناصر فى منشية البكرى ماالحكاية وماسبب تأخرك في هذا الوقت في مساء 9 يونيو؟ ـ هذه هى المرة الوحيدة التى شعرت فيها بالموت فعلا.. وظللت لفترة طويلة أعالج رقبتى من جراح تلك الليلة, فقد تأخرت بسبب الضغوط الشديدة التى واجهتها الاذاعة والتليفزيون عقب اعلان بيان التنحى ورفضت اذاعة بيانين بعد بيان التنحى كان أحدهما للمشير عامر والآخر لشمس بدران بهدف توضيح مواقفهما, وأذكر أن همت مصطفى صرخت بعد بيان التنحي وقالت: صورة عبدالناصر لن تختفى من الشاشة أبدا, وأنا وافقتها على ذلك, ولكن وضمانا للسيطرة الكاملة طلبت الا تذاع كلمة واحدة الا بعد الرجوع لى شخصيا, وبعد ذلك كان الليل قد بدأ وحدث ما حدث بمجرد وصولى الى بيت الرئيس فى منشية البكرى, فقد فوجئت بالأصوات الغاضبة امام البيت تقول: زكريا محيى الدين أهه هاتوه.. وأعتقدوا اننى زكريا محيى الدين, ونشبت الأظافر فى رقبتى حتى خلصنى حرس بيت الرئيس الذى بادرنى قائلا بمجرد دخولى اليه: ايه دا؟ فقلت له: دا الرئيس الجديد. هذه لحظات فاصلة فى حياتى. * وقد جاء الحديث عن 1967 ما هي حكاية البيانات العسكرية؟ ـ الاعلام يعكس صورة ولا يضعها, البيان العسكرى لا أستطيع أن أحرف فيه, وفى مرحلة مابعد 1967 عكس الاعلام مكاشفة كبيرة كان عبدالناصر فيها يقول كل مايتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية, وقد عينت متحدثا رسميا يذيع ما يتعلق بالسياسة الداخلية والخارجية كل يوم ثلاثاء, وكان أكبر مشكلة تواجهنا فى السياسة الاعلامية هى البحث عن النغمة الصحيحة, وكانت هناك دائما عملية مراجعة لكل شئ صدر بها بيان 30 مارس. * ماذا تقصد بالبحث عن النغمة الصحيحة؟ ـ الناس كانت عايزة تحارب ثانى يوم الهزيمة, وكان لابد من أحداث توازن بين مشاعر ناس تريد الحرب وحالة استعداد عسكري فأستحدثنا فى الاذاعة برنامج مايطلبه المحاربون, وانشأنا محطة البرنامج الموسيقى وكانت كلها محاولات من اجل الوصول للنغمة الصحيحة. وفى اطار المواجهة مع العدو كان لابد من وجود حملة دعاية مضادة داخل اسرائيل وعبر اذاعة باللغة العبرية استطعنا تدمير الروح المعنوية للعدو بإطلاع الاسرائيليين على حجم الخسائر اليومية فى الأرواح نتيجة التصعيد فى حرب الاستنزاف, واستهدفنا ان يعلم الاسرائيليين ان نصر الأيام الستة لم يحقق أمن اسرائيل, وان هذا النصر لم ينه الحرب, وان اسرائيل كسبت معركة ولكنها اذا خسرت حربا واحدة فسوف تنتهى فكرة اقامة الدولة الاسرائيلية. * وفى الداخل كيف تمت ترجمة ذلك؟ ـ كان اهتمام عبدالناصر بالداخل كبيرا.. كنا نبني اقتصاد حرب, وأيضا ظلت العلاقة مع حركات التحرر ممتدة.. وعملية التنمية لم تتوقف فى عز الحرب, وبيانات ثورات الصومال والسودان وليبيا جاءت بعد نكسة ,1967 وأعلنت هذه الثورات انها امتداد لثورة يوليو.. والاستقبال الخرافى الذى استقبل به الشعب السودانى عبدالناصر فى الخرطوم, ونتائج مؤتمر قمة الخرطوم الذى تعهد فيه الرؤساء العرب بدفع حصيلة دخل قناة السويس الذى توقف نتيجة تعطيل الملاحة كل هذه أمور كان لها تأثيرها المعنوى الرائع على الداخل وعلى عبدالناصر, وكانت دليلا أن ثورة يوليو لم تنته. * يوصف عهد عبدالناصر بأنه عهد شمولى, وتوصف بأنك وزير من عهد غير ديمقراطي, تتحدث الآن عن حقوق الانسان؟! ـ عموما عبدالناصر كان مع الديمقراطية بدليل انها جاءت أحد أهداف الثورة, ولكن ربما يكون عبدالناصر قد أعطى الديمقراطية بمعناها الاقتصادى والاجتماعى اهتمامه الاساسى بسبب الخلل الخطير فى توازن المجتمع.. وربما للخلل نفسه لم يعط عبدالناصر للحقوق السياسية والمدنية القدر نفسه من الاهتمام, وربما بسبب الظروف والمتغيرات الثورية التى جرت فى بداية الثورة كانت الحاجة لتركيز السلطة, وربما تكون هذه المتغيرات والظروف قد جعلت عبدالناصر يلتزم بفكرة التنظيم الواحد, ولكن هذا الاهتمام بالمعنى الاقتصادى والاجتماعى للديمقراطية والالتزام بفكرة التنظيم السياسي الواحد لم يكن من ثوابت فكر عبدالناصر, وكان يفكر فعليا فى مسألة التعددية, وعندما بدأت فكرة التنظيم الطليعى كانت بداية لتكون نواة تنطلق منها حرية الاحزاب. عموما اذا عملنا بنفس مقاييس مرحلة التحرر الوطنى التى كانت فيها قضية التحرر قضية محورية, فإن قضية الديمقراطية وحقوق الإنسان تكون الآن هى قضايانا المحورية باعتبارها قضية العصر. القاهرة ـ نور الهدى زكي