كان حضور الوفد الرسمي السوداني لمؤتمر قمة الالفية تدشينا اجباريا يفترض دخول سودان حكم الانقاذ في نظام عالمي جديد يعمل وفق قيم انسانية جديدة تتمثل في الديمقراطية وحقوق الانسان والغاء الفقر, أو كما قال البيان الختامي: (الكفاح من اجل التنمية لكل شعوب العالم ومكافحة الفقر والجهل, والمرض ومناهضة الظلم ومحاربة العنف والارهاب والجريمة والحيلولة دون تدهور بيتنا المشترك) , والسودان بمشاركته وخطاب رئيس الجمهورية والتوقيع على اتفاقات ومواثيق دولية, اصبح بالضرورة جزءا من هذا البيت المشترك, وهذا يعني مواجهة تناقضات ومفارقات على السودان ان يحلها بعقلانية, فكونه جزءا من البيت لا يعني ان يفقد خصوصيته ولكن السؤال هو: هل خصوصيته تتعارض مع تلك القيم التي اكدتها قمة الالفية؟ ولم ينس الفريق البشير في خطابه ان يتحدث عن رفض التدخل في الشئون الداخلية للدول المختلفة وفي نفس اليوم اعلنت لجنة لحقوق الانسان ان انتهاكات حقوق الانسان ليست شأنا داخليا وان انتهاك حق فرد واحد يبرر التدخل الدولي, والحل لمنع التدخل الخارجي هو الالتزام بالمبادىء العالمية واعتقد انها تصبح من عناصر خصوصية الدولة الثقافية طالما وافقت الدول على التوقيع عليها وإلا كان عليها من البداية رفض الالتزام تحت نفس دعوى الخصوصية والا لن يمكن التحايل على هذه المبادىء مستقبلا تحت اي مبررات اخرى, وعلى الدولة المعنية ان تتحمل مسئولية الموافقة من ادانة ومقاطعة وتدخل. تكرر التأكيد خلال المؤتمر على مبدأ الديمقراطية, وقد اشار الفريق البشير إلى الديمقراطية هذه المرة ولم يذكر في خطابه الشورى أو المشاركة, وهذا تطور نرجو الا تكون قد فرضته ظروف المناسبة, فالديمقراطية لها شروط ومناخات وآليات واضحة بدون تأويل, عندما تغيب هذه فالديمقراطية غائبة لا محال, وبالطبع جاء إلى ذهني موضوع القوانين المقيدة للحريات واستمرار الطوارىء وحقيقة حتى الآن لم اقتنع باصرار النظام على ابقاء هذه القوانين وان يفاصل في المواد التي يجب الغاؤها هل هي واحدة ام اثنين؟ ثم يظهر اجتهاد بأن هذه المواد لن تستخدم ضد المعارضين السياسيين, وهنا ندخل في جدول من هو المعارض السياسي ومن هو غير ذلك, يقال ان النظام يريد ان يفاوض المعارضة عند انعقاد اي مؤتمر (كثرت التسميات) حول هذه القوانين اي تنازل عنها مقابل تنازل ما من المعارضة! لذلك يبقى هذا الكارت للعبة في المرحلة الاخيرة. يتضح الموقف من الديمقراطية حسب موقف النظام المبدئي اي اتاحة الديمقراطية دون اعتبارات المناورة والكسب السياسي. فالنظام يتحدث عن شرعية ثورية واخرى دستورية ويعتبر نفسه الآن في مرحلة الشرعية الدستورية وتلك القوانين كما يقول من مخلفات المرحلة السابقة. فلماذا يصر على نقلها معه رغم عيوبها وشرورها الى مرحلة يفترض ان تكون جديدة؟ يمكن للنظام ان يبقي هذه القوانين في مناطق العمليات الحربية ولا اظن ان الخرطوم ومدني وعطير والابيض من ضمن هذه المناطق, وهذا التمسك بالاجراءات الامنية المقيدة للحريات يدل مما لايدع اي مجال لشك. بأن النظام مازال رغم كل هذه السنوات لا يثق في قدرته على كسب الجماهير من خلال اقناعها بسياساته وبرامجه. تلقي مشاركة السودان في مؤتمر قمة الالفية عليه مسئولية اخلاقية خاصة في مجال الحريات واهما حرية التعبير والتنظيم, ولكن هذه الحريات مازالت مقيدة, ورغم الضجيج حول حرية الصحافة ولكن المضايقات وحتى الاعتقالات مازالت مستمرة. وسيقول المبررون انه لا توجد حرية مطلقة وفي كل العالم هناك حدود لحرية الصحافة, ولكن القاعدة في حرية الصحافة هي الاباحة وليس التقييد. وقد منعت الصحافة مرات عديدة من نشر موضوعات هامة تحتاج للنقاش خاصة لو شكلت لجان تحقيق او محاكم لقضية بعينها. وكان يمكن ان تساعد الصحافة القضاء ولجان التحقيق في استقصاء الحقائق والمعلومات. وهناك امر هام نخشاه وهو ان تكون هذه الحرية ـ المقيدة هي بديل للحريات الاخرى وقد تصبح مجرد دعاية وتجميل بدون مضمون حقيقي وقد تكون اغلب الصحف مجرد استنساخ معدل لمواقف النظام وقد تتكرر هيمنة الجبهة على الصحف كما حدث عقب انتفاضة ابريل, خاصة وان اصدار الصحف يحتاج لرأسمال كبير وقدرات مالية لا تتوافر لدى الكثيرين الذين لديهم قدرات ومهارات فكرية وبالتالي قد تطفح الصحافة بادعاء يغطون جهلهم بمالهم. وفي هذه الحالة قد تصبح الصحافة معوقا للديمقراطية والحرية. لذلك فالنظام مطالب بتوفير الحريات وتسهيل شروط اصدار الصحف والتدقيق في نوعية الكتاب. ركز مؤتمر قمة الالفية على مكافحة الفقر ولكن السودان يتدهور اقتصاديا ورغم الحديث عن الانجازات العملاقة وصناعات الحديد والصلب والاسلحة وتطور الاتصالات, عجز النظام عن تلبية الحاجات الاساسية. ومن حسن المصادفة ان يصدر تقرير لجنة محاربة الفقر في نفس فترة انعقاد القمة. وكشف التقرير عن ان نسبة السكان الذين لايبقون على قيد الحياة بعد سن الاربعين تصل الى 48% وهي نسبة تزيد على الدول النامية الاكثر فقرا.ويقول التقرير ان نسبة السكان الذين لاتتوفر لهم فرص الحصول على الخدمات الصحية تصل الى 30% علما بأن الخدمات اصلا لم تعد مجانية او مدعومة كما ان الذين لا يحصلون على مياه نقية ومأمونة تصل نسبتهم الى 60% وان نسبة الاطفال دون الخامسة ناقصي الوزن الطبيعي تصل الى 34%, واكد التقرير ان متوسط السعرات الحرارية للفرد تصل الى 1840 مقارنة بـ 3115 في الدول الاقل نموا. هذه الحقائق لابد ان تحرك ضمير السودانيين جميعا ولا يمكن ان يغطى عليها بالضجيج الاعلامي المكثف وتزييف الوعي الذي يمارس يوميا, ومثل هذه الحقائق لابد انها احرجت الفريق البشير حين القى خطابه امام 150 رئيسا من كل العالم, خاصة وانه اتى من بلاد تمتاز بامكانات زراعية وانتاجية هائلة, ولا يوجد اي سبب لهذا الفقر وللمجاعة القادمة بسبب الجفاف وعدم هطول الامطار هذا الموسم. وهناك تبرير الحرب الاهلية التي تستنزف الموارد ولكن لماذا تستمر الحرب ولماذا لا تتوقف فورا؟ الحرب غطاء ايديولوجي هام يبرر استمرار كثير من السياسات بل هي مبرر مجيء هذا النظام نفسه, فهم القائلون بأنه لولا الانقلاب لوصل (المتمردون) الخرطوم او الاثارة الرخيصة عن شرب قرنق للقهوة في المتمة. لو كانت محاربة الفقر من اولويات النظام لوقفت الحرب, وقد يكون الافقار من جند النظام في الاستمرار.تعرض الفريق البشير لموقف محرج في نيويورك حين اعلن والي الخرطوم قرار منع عمل النساء في بعض المرافق, وكان اجتماع قد عقد للنساء الزعيمات والقائدات على هامش القمة, لذلك كان لموضوع المرأة وجود قوي, وهذا القرار المحرج بين ازدواجية المواقف داخل النظام واحد, فالانقاذ يريد ان يؤكد اصوليته واصالته الدينية وفي نفس الوقت عليه ان يواكب العالم. لذلك يتحدث الانقاذ باكثر من لسان, وقضية المرأة تحمل النظام مسئولية اخرى, اذ لا تكفي مشاركة المرأة كديكور فقط في السلطة خاصة وانه يتم اختيار شخصيات نسائية هي اصلا ضد تحرير المرأة (ارجو الا تقرأ انحلال المرأة), فقد ايدت بعض النساء بقاء المرأة في المنزل كما ايدت بعضهن تعدد الزوجات رغم تغير الظروف مما يقتضي نظرة دينية تجديدة. دخل الانقاذ عنوة فترة ما بعد مؤتمر قمة الالفية وستكون عيون العالم مفتوحة على ممارسات النظام وسيتعرض لما يسميه التدخل خاصة فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الانسان. ولكن النظام كان امام خيارين: اما ان يحافظ على ذاتيته ويبتعد عن الالفية ونيويورك او ان يتحمل النتائج والمسئولية الصعبة. بقلم: د. حيدر ابراهيم علي