ان المتتبع لاخبار النفط ليخرج ببعض النتائج الطريفة, فقبل واحد وعشرين شهرا فقط, كان سعر النفط في حدود عشرة دولارات للبرميل الواحد الخام. اما الآن, وبعد زيادتين متتاليتين في الانتاج من قبل (اوبك) نرى ان الاسعار لا تزال فوق الثلاثين دولارا للبرميل وبمعنى آخر, فان معدل سعر البرميل قد ارتفع اكثر من 200% خلال اقل من سنتين وقد تركزت هذه الزيادة في الاشهر السبعة الاخيرة. فما الذي حصل؟ ولماذا هذه الزيادة الكبيرة وما هي المبررات الاقتصادية لذلك؟ ان الطلب على النفط لم يزد بتلك الكمية الكبيرة. ولكن من الواضح ان العرض هو الذي بدأ يتأثر بعدد من العوامل, واول هذه العوامل, هو ان مجموعة (الاوبك) قد صارت اكثر تجانسا مع بعضها البعض, خاصة بعد تحسن العلاقات بين المملكة العربية السعودية وايران وبات من الواضح ان هذا التطور ارتسمت اثاره السلبية على دولة مثل الامارات العربية المتحدة وقضيتها في الجزر الثلاث التي احتلتها ايران, فقد افرزت ايجابية تحسين اسعار النفط, وكذلك, فقد بدأ الاستقرار السياسي يعود الى بعض دول الاوبك, والتي مرت بفترات عصيبة داخليا مثل نيجيريا واندونيسيا. والسبب الثاني فلا شك هو اسلوب ممارسة العقوبات الاقتصادية, بالدرجة الاولى, وليبيا والسودان من جهة اخرى, فالعراق الذي سمح له بتصدير قيم من النفط محددة كل ستة اشهر سيصدر كميات اقل بارتفاع السعر الخام, ولهذا, فان كمية النفط التي يصدرها العراق قد نقصت نظريا الى الثلث بارتفاع السعر من 10 الى 30 دولارا للبرميل الخام الواحد, وبالطبع, فان نقص الصادرات العراقية سيعزز النقص في عرض النفط المؤدي الى استقراره ورغم ان دول الاوبك الاخرى قادرة على تعويض النقص في مصادرات عراقية, الا ان طاقة العراق الانتاجية تسعى محددة رغم طاقات العراق الكبيرة على الانتاج, واما ليبيا, فان انتاجها قد تراجع وارتباطها بعقود بيع طويلة يجعلها غير فاعلة بالقدر الذي هي مؤهلة له في عالم النفط واما السودان فهو محروم من الاستفادة الكاملة من موارده بسبب الحرب وبسبب المقاطعة وبخاصة الامريكية. واما مصادر النفط الاخرى مثل دول آسيا الوسطى, شمال بحر قزوين, والتي استقلت حديثا عن الاتحاد السوفييتي الذي تفكك, فان المشكلات الداخلية, ونقص الموارد, وضعف مستوى البنية التحتية والخدمات يجعلان احتمالات الاستفادة من موارد النفط الخام فيها غير محكمة في المدى المنظور. واما الغاز, فان انتاجه ونقله سيكلفان, وكذلك, فان الكميات المتاحة منه غير كافية لمواجهة الطلب. وقد اصبح النفط مشكلة انتخابية, فالمرشح الديمقراطي (آل جور) الذي كان قبل ثمانية اشهر يعارض استخدام المخزون الاحتياطي الامريكي, صار يطالب الآن باستعماله حتى لا ترتفع اسعار المنتجات النفطية داخل الولايات المتحدة الى الحد الذي يسبب تضخما ماليا, مما يضطر البنك الاحتياطي الفيدرالي لرفع اسعار الفوائد وحفره قد يؤدي الى الاضرار بصناديق الاستثمار والمستثمرين الماليين الداعمين له. اما بوش المرشح الجمهوري , فهو يأتي من ولاية تكساس النفطية, ويريد للشركات الانتاجية ان تتحسن اوضاعها. ولكن الامر الآخر المهم هو ان المفاعل النووية المولدة للكهرباء قد باتت تشكل خطرا داهما في الدول التي تعتمد عليها حيث باتت هذه الطاقة البديلة غير مهددة للنفط, وكذلك فان التحول في وسائل النقل من النفط الى الطاقة الشمسية له كلفه, وان كان سيأتي في السنوات القليلة المقبلة ومهما كان الحال, فان النفط يتمتع الآن باستقرار سعري. بقي الامر متعلقا باقتصاديات الدول العربية غير النفطية مثل الاردن ولبنان وفلسطين. ان ارتفاع اسعار النفط يعني بالنسبة لها ارتفاعات في التكلفة وضغوطا على اوضاعها ولذلك لابد وان تقوم الدول النفطية بتقديم العون او القروض الميسرة لها حتى تستطيع ان تخرج من هذه المحنة. بقلم: د. جواد العناني