في بيان فاجأ الذين لا يتواصلون مع البطريرك ولم يفاجىء الذين هم على اتصال به, حمل مجلس المطارنة الموارنة الوجود السوري في لبنان مسئولية تردي الاحوال السياسية والاقتصادية على مختلف الصعد, وأثار مشكلة اليد العاملة السورية في لبنان, ومزاحمة الانتاج السوري للمنتوجات اللبنانية, وتدخل الاجهزة السورية في الانتخابات النيابية, ومسألة المعتقلين اللبنانيين في السجون الاسرائيلية والسورية, وضرورة اعادة انتشار الجيش السوري في لبنان تمهيدا لانسحابه النهائي منه عملا باتفاق الطائف والقرار الدولي 520. وجاءت الردود دون مستوى الطرح باستثناء رد دار الفتوى الذي انصف بالرزانة والاعتدال والذي اخذ على نداء المطارنة اغفاله ذكر ايجابيات الدور السوري جهة مساهمته في انهاء الحرب اللبنانية, والحفاظ على وحدة لبنان, وتحرير اراضيه المحتلة. المهم ان مجلس المطارنة خرج على سياسة الصمت او الكلام الخجول ليقدم طرحا صريحا وعالي النبرة. والاهم ان يصير هذا الطرح على قساوته مادة حوار وطني يحول دون ان يشهد الوطن المزيد من التباعد والتناحر والوقوع في المتاهات والخيابات. وتمحورت ردات فعل في هذا السياق بين التعليق على المضمون والتساؤل حول التوقيت, تراوحت الردات حول المضمون من اقصى الترحيب الى اقصى الشجب. ولكن اسوأ ما جاء في هذا الصدد اتهام البطريرك بأنه ينفذ توجيهات (مخابرات خارجية) كما جاء على لسان وزير الزراعة سليمان فرنجية, او الاعتراض على حق بكركي في ان تطرح مثل هذه المواضيع, وكأنهم ينكرون على هذه المرجعية اللبنانية التاريخية الحق بإبداء الرأي والاختلاف والاعتراض. ولابد ان اشير في هذا الاطار ان بكركي هي اسمى من ان تنال منها هذه الاتهامات من اي جهة أتت, وأن تاريخها الطويل يدل على انها ما تعودت ان تتلقى الايحاءات من الخارج, ولا ان تستأذن أحدا عندما تشعر بأن الوقت قد حان لتقول كلمتها, مهما تكن صعبة ومكلفة. ان (مجد لبنان اعطي للبطريرك) , وهو يتصرف على اساس أن مجد الوطن لا يتحمل أي انواع التهاون في قضايا السيادة والاستقلال والحريات. اما التوقيت فهو مدار جدل لا ينتهي ويرى المعترضون ان توقيت اصدار نداء المطرنة سيء بسبب تصاعد التوترات الطائفية والمذهبية التي اندلعت في ظل الانتخابات النيابية, وبسبب الضغوط التي تواجهها سوريا على الصعيد الاقليمي, لا سيما ان الجولان السوري مازال محتلا, وان مشروع توطين الفلسطينيين مازال مطروحا. ويؤكد المؤيدون ان التوقيت ملائم بعد ان استنهض المسيحيون احوالهم, ورفعوا اصواتهم, ونظموا المسيرات والمظاهرات مطالبين بالافراج عن سمير جعجع وعودة ميشيل عون وتصحيح الخلل الوطني وانسحاب الجيش السوري.وبمعزل عن المضمون والتوقيت وردات الفعل الايجابية والسلبية فإن ما طرحه البطريرك يتزامن واقتراب موعد تشكيل الحكومة الجديدة ابتداء من منتصف شهر اكتوبر المقبل ويؤثر على برنامجها السياسي الذي يقضي بمكافحة الفقر والبطالة, ووقف الهجرة والهدر. صحيح ان بكركي رفعت سقف النقاش, ولكن الصحيح ايضا انها اضاءت على جانب من الحل. فهي تعترف بأن خروج الجيش السوري من لبنان يتطلب توافقا لبنانيا على غرار خروج الجيش الاسرائيلي. فلولا الوفاق الوطني حول المقاومة والدولة لما تحرر جنوب لبنان وبقاعه الغربي, ومن دون الوفاق بين اللبنانيين والاتفاق مع دمشق لن يخرج الجيش السوري من لبنان, هذه معادلات يدركها البطريرك ويعمل بموجبها. لقد توقف كل اللبنانيون مليا امام تصريح رئيس الجمهورية اميل لحود الذي انتقد (المتحاملين) على سوريا وحذر (المتلاعبين) بالشارع, واكد على ان وجود الجيش السوري في لبنان (شرعي) ومؤقت انها الخلاصة التي لابد منها. بقلم: كريم بقرادوني