ثلاثون عاما على رحيل عبدالناصر.. الناصرية تجربة من الماضى أم مشروع للمستقبل؟ اكتسب هذا التساؤل أهميته فى ظروف اقليمية ودولية مغايرة لتلك الظروف التى تفجرت فيها ثورة يوليو عام 1952, وقام عبدالناصر من خلالها بطرح مشروعه الفكرى والسياسى, والذى لم ينته الجدل حوله على الرغم من مرور 48 عاما على الثورة, وثلاثين عاما على رحيل قائدها.. (البيان) استضافت نخبة من المفكرين والسياسيين فى مصر عاصر بعضهم التجربة الناصرية وتفاعل معها, واستخلص منها بعد رحيل القائد سلبياتها وايجابياتها وذلك في ندوة حضرها الكاتب الصحفى محمد عودة, والمفكر د.جلال أمين, والكاتب الصحفى محمود المراغى, ود.محمود جبريل المفكر الليبى وأستاذ التخطيط الاستراتيجى بجامعة بيتسبرج الأمريكية سابقا, والمهندس أبوالعلا ماضى وكيل مؤسسى حزب الوسط, والقيادى الاخوانى السابق, وأدار الندوة الكاتب الصحفى جلال عارف نائب رئيس تحرير أخبار اليوم, ومدير مكتب (البيان) بالقاهرة. جلال عارف: ثلاثون عاما مرت على رحيل الزعيم جمال عبدالناصر ومازالت أفكاره وأعماله فى ضمير أمته, ليس كجزء من الماضى فقط وانما كمحور لمعارك متصلة لم تهدأ يوما طوال الثلاثين عاما الماضية حول الرجل ودوره وتجربته سلبا وايجابا.. واذا كانت بعض القوى فى الداخل والخارج قد شنت حربا لا هوادة فيها على عبدالناصر حيا وميتا, فإن قوى عربية عديدة ما زالت تحمل رايته ومازالت تبشر بمبادئه ومازالت تعتبر ان ماقدمه هو مشروع صالح للتطبيق وجمع الأمة من جديد.. وأبدأ فى طرح الأمر من هذه النقطة, وهى أنه إذا كان البعض يعتقد ان عبدالناصر مجرد تجربة مرت, ومجرد نظام حكم عاش على تجربة الخطأ والصواب, فإن البعض يرى ان عبدالناصر هو صاحب مشروع وطنى.. أين الحقيقة من هذا.. وإذا كان عبدالناصر صاحب مشروع بالفعل فما هى ملامح هذا المشروع الذى طبقه عبدالناصر؟ التسليم بالتغيير ـ د. جلال أمين: أريد ان أبدأ حديثى بملاحظة أرى أنها هامة فى هذا الاطار الذى نناقشه, وهو ان أغلب سكان الكرة الأرضية أصبحوا مستعدين للتسليم بأن العالم قد تغير تغيرا كبيرا خلال العقد الماضى, سواء كان من ضمن هؤلاء اعداء عبدالناصر أو أصدقائه.. فكلاهما يؤمن بأن ظروف العالم الآن مختلفة اختلافا كبيرا عما كانت عليه من ثلاثين عاما.. ومع ذلك فان الانقسام القائم الآن بين مايمكن تسميتهم باعداء الناصرية ومايمكن تسميته بأصدقاء الناصرية, هو ليس حول هذه النقطة وانما حول طبيعة الضوء الذى يلقيه هذا التغيير على التجربة الناصرية وسوف أوضح ماأقصده بالضبط, وهو ان اعداء الناصرية يقولون ان ماحدث فى العالم كله والوطن العربى ومصر منذ عام ,1970 وبين التجربة الناصرية كانت حماقة آن الآوان لطرحها جانبا.. بمعنى ان هذه المتغيرات قد بنيت على ان عبدالناصر كان فى الأساس على خطأ.. أما أصدقاء الناصرية ـ وأعتبر نفسى منهم يعتبرون ان مبادئ الناصرية ـ لم تكن حماقة فى أى يوم من الأيام.. وأنها ما زالت فى الأساس صالحة.. أو على الأقل جزء كبير من أسسها ما زالت صالحة, وأن كان لابد من الاعتراف بأن هذه المبادئ تواجه الآن ظروفا صعبة للغاية.. بمعنى ان ماحدث فى العالم لا يبين ان الناصرية كانت خطأ, وانما يبين انها تواجه ظروفا صعبة, والسؤال الذى أرغب فى طرحه, والذى أعتقد أنه يجب ان نبدأ به هو.. والذى نقصده بمبادئ الناصرية؟.. ويمكن ان ألخص هذه المبادئ فى أربع نقاط ويمكن ان نتناقش حولها.. وهى كالآتى: * أولا.. ان التفاوت الشديد فى الدخول والثروة شئ ليس هناك أى مبرر لاحتماله وأن على الدولة ان تتدخل تدخلا ايجابيا لوضع حد له.. وكان موقف عبدالناصر السياسى وأيضا النفسى هو ان التفاوت فى الدخول ليس هناك مبرراً لتحمله. * ثانيا: ان التنمية ورفع مستوى المعيشة للدولة ككل ـ بصرف النظر عن توزيع الدخل ـ يتطلب سياسات اقتصادية تتسم بدرجة كبيرة من الاعتماد على النفس, وبدرجة كبيرة من التدخل من جانب الدولة للقضاء أو للتخفيف من الآثار السيئة لقوى السوق.. وهذه يمكن تسميتها بالاستقلال الاقتصادى و التنمية والتخطيط. * ثالثا: ان تحقيق النهضة المصرية اقتصاديا وسياسيا وثقافيا مستحيل بدون تقارب عربى.. فمن غير الواقعى ان يتحقق أى بناء داخل مصر بالصورة التى تكلمنا عليها فى المبدئين السابقين بدون التقارب العربى أو أى صورة من صور الوحدة العربية. * أما المبدأ الرابع فهو ان اسرائيل دولة عدوة للعرب, ابتداء من تأسيسها كدولة على حساب العرب, وأيضا بمقتضى مشروعها للمستقبل الذى هو على حساب المصالح العربية.. ومن ثم يجب العمل على استرداد حقوق الفلسطينيين ووضع حد للمشروع الصهيونى.. واجمالا هذا هو تصورى للمبادئ الناصرية الأساسية. ـ محمود المراغى: فى البداية أنا أوافق على أنه ليس هناك (نظرية ناصرية).. لكنها منهج عمل وتوليفة من نظريات سابقة ما زالت موجودة.. وكما يقول الدكتور جلال أمين ان الأسس الأربعة هى أسس نظرية للناصرية وقد نضيف لها أساس آخر وهو (فكرة الاستقلال الوطنى).. وفكرة (عدم الانحياز) على اعتبار ان الانحياز يؤدي الى التبعية, وأعتقد ان هذين الأمرين يكملان المنهج الناصرى. رجل عملي ـ د. محمود جبريل: لو كان لى ان ألخص طموح التوجه الاستراتيجى للتجربة الناصرية يمكن ان ألخصه فى الطموح لانشاء الدولة العصرية بارادة مستقلة.. التوجه العربى هو خيار استراتيجى, لانها قضية امكانيات, حيث أرى ان بناء دولة قوية فى عصر القوى العظمى وخصوصا بعد رفض كثير من الدول الغربية مد يد المساعدة لمصر توجهت البلد نحو الكتلة الشرقية, وأرى ان توجه الدولة فى هذا الوقت نحو الكتلة الشرقية كان توجها تكتيكيا وليس استراتيجيا, لأن التوجه الاستراتيجى لدى عبدالناصر كان هو التوجه أو خيار الوحدة العربية لبناء الدولة العصرية. وكانت اسرائيل عائقاً فى طريق تحقيق هذا الخيار الاستراتيجى, وبالتالى كانت هى ايضا قضية معقدة, ولم تكن قضية أصلية, والتوجه الأصيل هو بناء الدولة العربية الواحدة المتحررة.. واتفق مع الاستاذ محمود المراغى فى ان الناصرية ليست نظرية بدليل ان كثيراً من الخيارات تبلورت فى خطوات على مراحل, كان فى بداية الخمسينيات توجهات وفى الستينيات توجهات أخرى, خاصة في مجال الاقتصاد.. كما ان السياسة الخارجية المصرية متغيرة هى أيضا, حيث بدأت بالتوجه الى الغرب ثم الى الشرق بعد رفض الغرب مد يد المساعدة لمصر.. فقد كان الهم والشغل الشاغل لعبدالناصر هو البعد المصلحى الوطنى لمصر.. ومن وجهة نظرى أرى ان عبدالناصر رجل برجماتي (عملي) من الطراز الأول وليس صحيحا كما يصفه البعض بانه رجل ايديولوجى لان كل خياراته كانت لبناء مصر فى قلب دولة عربية متحررة واحدة.. محمود المراغى: بعض من ينتقدون الناصرية ينتقدونها من وجهة نظر انها غير ديمقراطية, وأنا أعتقد ان من يقولون ذلك يضعون فى مقابلها المقياس الليبرالى بمعنى أنه لم تكن هناك تعددية فى مصر فى هذا الوقت, ولكنى أزعم ان درجة المشاركة السياسية فى الخيار الناصرى أعلى من درجة المشاركة فى النظام الليبرالى.. بمعنى انه اذا قلنا ان الاحزاب الغربية حق (ديمقراطية قمة الهرم) على اعتبار ان الأحزاب تختار ممثليها والممثلين يصلون الى البرلمان فيختارون الحكومة, ثم ينسحب الناخب ولا نجد له أي دور فى المشاركة بعد ذلك حتى تحدث انتخابات أخرى وهكذا.. ولكن عند (عبدالناصر) فنستطيع ان نقول انها (ديمقراطية السفح).. بمعنى (مقرطة سفح الهرم) أو كل خلايا المجتمع, الكل يشارك فى الحياة السياسية وممثل نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين.. وبالفعل كان الناس فى الستينيات أكثر انتماءً وتفاعلا مع قضايا وطنهم أكثر مما يحدث الآن.. ومن هنا أرى ان أحد الأركان الأساسية للناصرية هى توسيع المشاركة السياسية للجماهير.. ـ د.جلال أمين: اسمح لى ان أضيف فى نقطة الديمقراطية, وهى ان الديمقراطية لايمكن مناقشتها بمعزل عن الطبقات المستفيدة منها, وهذه الفكرة صحيحة دائما فكل مجتمع لابد ان يكون حوله اطار تتحرك الديمقراطية من خلاله. ـ محمد عودة: فى رأيي ان الناصرية كانت حلقة جديدة فى الثورة المصرية المتصلة منذ ثورة القاهرة الأولى ضد (نابليون بونابرت) سنة ,1778 منذ ذلك الحين انتفضت مصر وأخذت تبحث أو تعيد البحث عن ذاتها وموقعها وغيره, ومن تلك الفترة, أى ثورة القاهرة الأولى ثم ثورة محمد علي الى الوقت الحالى أصبح تاريخ مصر عبارة عن (ثورة وثورة مضادة), ولذلك أرى ان ثورة يوليو كانت حلقة من هذه الثورات وثورة يوليو لها ثوابت أولها أنها ثورة اجتماعية ضد الاحتلال السياسى والاقتصادى للمستعمر البريطانى وحاولت ان تتخلص من هذا الاستقلال, لأن مصر عرفت أكثر أنواع الاستغلال والاستنزاف بشاعة فى العالم, ولذلك أصبح من ثوابتها أنها ثورة اجتماعية للتحرر من الاستقلال والاستنزاف والاعتماد على ذاتها وتنمية مواردها.. كما انها ثورة استراتيجية بمعنى ان (محمد علي) بنى جيشا لمصر ثم ضرب هذا الجيش, و(اسماعيل) بنى جيشا ثم ضرب, و(أحمد عرابى) أيضا كذلك والجيش الوحيد الذى ظل موجودا هو جيش ثورة يوليو.. والتى هى بناء القوة العسكرية المصرية.. وأيضا ثورة يوليو كانت ثورة ثقافية, لأنه لا يمكن القيام بثورة والاستمرار فيها دون ان تكون هناك حركة ثقافية, وبحكم موقع مصر فى الوطن العربى كان حلم الوحدة موجودا لدى الثورة, وكل ماسبقها من ثورات.. حيث كانت النظرة الدائمة للموقع الاقليمى ان مصر ليست فقط دولة قوية وانما هى (عمود فقرى) لكتلة كبيرة هى الكتلة العربية, ولأن هذه الكتلة العربية كانت تقع فى مهب المطامع الأوروبية أصبحت فى حالة دفاع شرعى ولكن غير متكافئ, وكانت نتيجته انها قسمت مثل (قطعة الكيكة) التى التهمتها الدول الاستعمارية فى هذا الوقت.. فأصبح على مصر أنها لا تأمن وجودها الا فى اطار حزام أمنى كبير فى المنطقة العربية كلها.. ولذلك اعتقد ان الثورة المصرية ما زالت لم تتحقق الى الآن, وان ثورة يوليو هى حلقة من هذه الثورات, وأعتقد ان المخزون الثوري ما زال موجودا فى قلب مصر وما زال يتفاعل ومن المحتمل أننا فى القريب العاجل نجد ان هذه الثورة ستحقق أهدافها التى اجهضت فى المرات السابقة طوال مايقرب من قرن مضى. انحراف إيجابي * هل تستخدم كلمة (ثورة) و(ناصرية) كمرادفين؟ ـ محمد عودة: لا توجد (ناصرية), هى الثورة المصرية التى تأخذ أشكالاً مختلفة, وثورة يوليو هى حلقة من استمرار الثورة المصرية التى بدأت منذ أول طلقة أطلقت ضد الغزو الفرنسى أيام (نابليون بونابرت).. ـ محمود جبريل: استمرارا للحديث الذى بدأته, هناك ثلاثة أشياء يجب ان نلتفت اليها: أولها ان هناك انتقادات توجه الى الناصرية فى الوقت الراهن ومنها انها تجربة ديكتاتورية وان البعد الديمقراطى كان مفقودا فيها.. وأرى ان الجدل الذى يدور دائما حول هذه النقطة وغيرها يفتقد الى فكرة المعايير التى ننتقد على أساسها فكل واحد منهم يستعمل معياره الخاص للانتقاد.. ولو وحدت هذه المعايير فيمكن ان تكون هناك كلمة واحدة, وان نعطى التجربة مالها ونقول ما عليها ولكن من منظور الظروف الراهنة فى ذلك الوقت, لانه لا يصح ونحن فى زمن العولمة ان نحكم على عبدالناصر بمعايير هذا الزمن.. واذا كنا سنرى عبدالناصر بمعايير عصره سنجد انه كان (انحرافا ايجابيا) فى عصره, حيث نجح عبدالناصر فى ان يخلق بوادر عقل جمعى لأمته فى وقت كانت فى أشد الحاجة اليه.. وفكر عبدالناصر كما أراه أنه تبلور حول الفكرة الرئيسية لديه وهى بناء الدولة العصرية, وان يقف على قدميه بطريقة مستقلة, وكل العقبات التى كانت تواجه فى هذا الطريق كان يحاول ان يجد الوسائل لردها سواء من خيار استراتيجى عربى أو فكرة عدم الانحياز والحياد الايجابى, التوجه نحو الكتلة الاشتراكية الشرقية, وكل ذلك وغيره كانت وسائل وليس خيارات أصيلة لدى عبدالناصر.. ولا أعتقد ان عبدالناصر جاء بالثورة ولديه فكر جاهز لكى يطبقه فى البلد, وانما جاء بحلم ان يبنى دولة عصرية قوية.. وسوف أحاول ان أدلل بشكل سريع على قضية التوجه الديمقراطى لدى عبدالناصر وأقول ان المنطقة العربية كانت قبل يوليو تغط فى سبات عميق خاصة من الناحية الثقافية. أما سياسيا فقد كان هناك خنوع كامل للمستعمر الأجنبى, وعندما جاء عبدالناصر أطلق من خلال فعل تعبوى كلمة (أرفع رأسك ياأخى), وهذا بالفعل له دلالة كبيرة جدا بانه, أى عبدالناصر, يخاطب المواطن وليس النخبة, لأن فكرة (النخبة) لم تكن هى الأخرى توجه أصيل لدى عبدالناصر, وانما كان التوجه الجماهيرى هو التوجه الأصيل لديه, وان استعماله للنخبة فى عصره كان مجرد وسائل لمخاطبة المواطن العادى.. وكانت هناك نخبة من المثقفين والسياسيين والفنانين والاقتصاديين وفى كافة المجالات ولكن كان كل هؤلاء يتم توظيفهم لصالح التوجه نحو الجماهير ولم يكن ذلك وعيا خادعا ـ كما قال توفيق الحكيم بعد ذلك ـ وانما أعطى هذا التوجه القدرة لدى الجماهير ان تشارك وأن يكون لها رأيها, وان تستطيع ان تجهر بهذا الرأي وتقول (نعم أو لا), فقد تحول العقل الجمعى للأمة الذى حاول عبدالناصر ان يوجده لدى الجماهير الى توجه ايجابى بعد ثورة يوليو.. ولكن عندما حدثت الردة تحول هذا العقل الجمعى الى توجهات استهلاكية وفردية. أما البعد الثانى, ان الديمقراطية هى نبت بيئي مجتمعى ولا تخرج أو تمنع من حاكم ما.. بمعنى انه اذا كانت الأسرة أو المدرسة وقاعات التعليم بالمساجد والكنائس ديمقراطية لنشأ المواطن الديمقراطى, ولو كان لعبدالناصر توجه ديكتاتورى لكان سيرفض من قبل المجتمع ولو قارنا بين عبدالناصر والبيئة التى خرج منها سنجد انه كان انحرافا ايجابيا عن هذه البيئة.. وعندما توفى عبدالناصر وحصل توجه مغاير وكل الذين يتحركون هم (النخبة) وليس (الجماهير). أما النقطة الثالثة والأخيرة تتعلق بهذا الأمر هى هل الناصرية لها علاقة بما يحدث اليوم؟! التجربة الناصرية بالنسبة لي هي حق قانون حركة فى ظروف معينة واستطيع ان استنبط منها الكثير, ومنها ان الشعوب العربية بصفة عامة قابلة للتعبئة لانها ليست شعوب مغيبة, ولو اتيحت لها الفرصة مرة أخرى للحركة فسوف تتحرك. ـ د.جلال أمين: اتفق مع كل ماقاله الاستاذ محمد عودة, لكن اريد فقط ان أوجه النقاش توجيها مختلفا لأن كون التجربة الناصرية كانت تجربة تقدمية فى وقتها فهذا أمر مسلم به ولا خلاف على ذلك عندنا.. وكون أنه حلقة فى سلسلة متصلة فى الثورة المصرية فهذا أيضا أمر مسلم به, لكن اقترح ان يكون هناك توجها مختلفا للنقاش وهو مستقبل الناصرية, وعندما نقول الناصرية الآن فى عام 2000 فإن أكثر النقاط التى تحتاج لنقاش فى ذلك هو التغيير الذى شهده العالم فى الوقت الراهن ومايقال عن هذا التغيير من ضرورة وجود حركة وتفاعل مختلف معه, وما أريد ان أطرحه يحتاج الى شجاعة ومن حسن حظ التجربة الناصرية فى نظرى وطرحت بعض النقاط فى حديثى السابق سوف نجد ان كل التغيرات التى حدثت فى العالم وتلقى ضوء سلبى على هذا المبادئ الخمسة مردود عليها.. ولا يمكن ان تؤدى الى اعتبار الناصرية تجربة من الماضى, وليست لها مشروع يمكن ان يستمر, وسوف أضرب أمثلة على عكس ذلك, هناك مسألة توزيع الدخل, المعارضون ان الاشتراكية فى العالم قد سقطت وثبت ان مسألة الاهتمام والتركيز على مسألة توزيع الدخل ليست فى صالح التنمية وان أفضل طريق لحل مشكلة الفقراء فى العالم ان الدولة تعطى القضية للقطاع الخاص وتتخلص من هذه المسألة.. واستطيع ان أقول ان هذا الكلام تصور خاطئ للأمور وغير منطقى.. لان مايسمى بهزيمة الكتلة الشرقية لم تكن هزيمة فى مسألة اعادة توزيع الدخل, لأن الكتلة الشرقية هزمت وكأنها قد هزمت فى حرب وليس فى نظرية, لأن الاهتمام بالعدالة الاجتماعية لم يكن خطأ, والاتحاد السوفيتى والكتلة الشرقية لم يسقطا لأنهما اهتما بالعدالة الاجتماعية, وانما اضطر للدخول فى تنافس مسلح هزمت فيه.. ويمكن ايضا ان ننظر الى تجربة مصر, ففى عهد عبد الناصر كان معدل النمو أفضل من أى معدل نمو حدث فى مصر بعد ذلك, باستثناء فترة هجرة العمالة المصرية الى بلاد النفط والتحويلات التى دخلت البلاد خلالها, وهذا الأمر بالطبع ليس له علاقة بالسياسة الاقتصادية داخل البلاد, وأؤكد ان سياسة عبد الناصر فى توزيع الدخل لم تضر لا بالنمو الاقتصادى ولا بالتجربة باعادة هيكلة الاقتصاد فى الواقع, والآن نحن لسنا أفضل مما كنا عليه فى الماضى حيث نعتمد على بترول وخدمات مثل السياحة وتصدير العمالة, انما نصيب الصناعة فى الاقتصاد ليس لها أي اعتبار كبير, ولذلك أرى أنه ما جد على العالم منذ السبعينيات وحتى الآن لا يجعل قضية توزيع الدخل أقل أهمية مما كانت فى الستينيات. التقويم الصحيح ـ أبو العلا ماضى: سوف أبدأ حديثى بسؤال وهو هل نحن نتحدث عن النموذج الناصري كتجربة تاريخية ونريد تقييمها, أو نتكلم عنها باعتباره تيار ومشروع موجود يطرح نفسه على الساحة كحاضر ومستقبل؟! وأتصور ان كل تجاربنا تحتاج الى تقويم صحيح, وهناك بعض المصريين والعرب استطاعوا ان ينظروا الى التجربة بشئ من الحياد والموضوعية, ولكن ماحدث فى الأغلب الأعم ان الناس انقسمت الى فريقين أحدهما من اعداء التجربة والآخر من أصدقاء التجربة, والفريق الثانى لم ير فى التجربة الناصرية أية عيوب أو سلبيات وفى حالة دفاع مستمر عنها دون مراجعة أو نقد ذاتى, أما اعداء التجربة فهم يهدمونها بالأساس ويصورونها وكأنها شر مطلق.. وأعتقد ان الحالتين غير منصفتين للحقيقة وليس فيها أى خير للمجتمع, ولو كان هناك محلل منصف لا ينتمى الى أى من هذين الفريقين فسوف ينظر لها بشكل مختلف تماما.. وللحقيقة ان هذه النظرة الموضوعية لم تحدث مع تجربة ان هناك قوى سياسية موجودة فى مصر, وتحديدا التيار الاسلامى وفى القلب منه (الاخوان المسلمون) , فقد بذلنا جهوداً كبيرة جدا قبل ان نستقيل من الاخوان لمراجعة التاريخ والمواقف لكى نستفيد منها, ولكن الأغلبية من القيادة رفضت ذلك, واكتشفنا بعد ذلك انه لو كان هناك قصور أو سلبيات فسوف تكون هذه القيادة هى المسئولة عنه ولذلك هى لم ترد ان تتناقش.. هذه المسألة للأسف شائعة وموجودة فى كافة التيارات السياسية فى مصر أو خارجها, واذا أردنا ان نتكلم بشئ من الحياد والانصاف والموضوعية فسوف نقول ان التجربة الناصرية فيها الكثير من الايجابيات, وقد اشرتم الى بعضها وهناك الكثير منها ايضا يمكن ان يقال.. نحن ابناء الثورة الذين ولدوا فى عهدها وانتفعوا منها وكنت قد قلت ذلك من قبل فى مقالات سابقة, وكنت قد ذكرت ايضا اننى كنت فى حالة نزاع نفسى شديد بين أمرين أولهما اننى كنت أحد الذين تعلموا فى العهد الناصرى والثانى هو أننى كنت أشحن ضد التجربة لدرجة العداء والكراهية الشديدة, واستمر ذلك النزاع داخلى الى ان حدثت لحظة توازن استطعت خلالها ان اتزن فى داخلى وأن أنظر الى العهد الناصرى نظرة موضوعية وبالتالى لا يستطيع انسان عاقل ومنتمى الى هذا الوطن ان ينكر ايجابيات هذه الفترة وماحدث من تطور فى المجتمع المصرى من جراء هذه الثورة فى كافة النواحى سواء التعليم أو الثقافة والتصنيع والزراعة والتنمية بشكل عام أو حتى فى تنمية الوعى القومى وفكرة عدم الانحياز والدور الافريقى وغيره, هذا عن الايجابيات, ولكن الجزء الثانى من الحقيقة التى يجب ان نتعامل معها ونعترف بها ان هناك سلبيات تمت فعلا وعيب ألا نتحدث عنها بطريقة موضوعية, ولا يمكن ان نقارن مصر بأي بلاد أخرى منعدمة من التاريخ أو غيرها, لانه كانت فى مصر تجربة ديمقراطية وبرلمان وأحزاب وتم التراجع عن ذلك فى عهد الثورة, وبالتأكيد كانت هذه نقطة سلبية, ولذلك أرى ان هناك تجاوزا قد تم فى مسألة الحريات والتعددية وحقوق الانسان, وحتى أيضا لو أضير من هذه التجاوزات عشرات الأشخاص وليس المئات أو الالاف.. واذا كنا سنضطر الى التجربة من زاوية ان هناك سلبيات فهذا يساعد بالطبع على تطور التجربة, وليس هناك أمرا محكوما عليه بالأبدية, وعندنا التيار الاسلامى يرى ان دعوته هى (أصل) من الاسلام, والاسلام باق فتبقى دعوته, فيخلط مابين الدعوة البشرية التى تبتدعها مجموعة من البشر بدعوة الاسلام التى هى خالدة من مصدر القرآن والسنة. ويقول ان الاسلام باق والله يحفظه بمامعناه ان دعوته باقية على دعوة البشرية وحركتهم, ولكن نحن نقول ان الحركة البشرية تحيا وتموت, كما تحيا وتموت الحضارات والأمم والجماعات والقوى واذا ماأخذت بأسباب البقاء أو تركتها ستموت, وهذا يخضع اليه الجميع بلا استثناء, وستبقى الحركة الناصرية مثل أى حركة اذا أخذت باسباب البقاء, وأبرز اسباب البقاء هى ان تطور من نفسها وتطور خطابها ومشروعها وتعالج قصورها وتحافظ على استمرارية المشروع, وفى المشروع الناصرى الحاضر سيحكم له أو عليه وفق هذه المعايير واذا أراد ان ينجح مرة أخرى لابد ان يكون معبرا حقيقيا عن الواقع الحالى الموجود بتكويناته والعلاقات التى تغيرت سواء على المستوى المحلى أو الاقليمى والدولى.. ولا يجب ان يعيش فى الماضى فقط, كما كنا نفعل من قبل فى الاخوان المسلمين, وأذكر أننا عندما كنا نلتقى فى السبعينيات ونحن طلاب بالاستاذ محمد حسنين هيكل كان يقول لنا ان مقالات الاخوان التى تكتب الآن كان من المنطقى ان تكتب فى الثلاثينيات أو ماقبلها, وهذا كان حقيقيا حيث اننا كاخوان كنا نعيش فى الماضى ولم نطور انفسنا وكان خطابنا متأخرا جدا.. وهذا درس يجب ان يستفيد منه الناصريون ولا يكررون خطابا كان يقال فى الخمسينيات أو الستينيات, ويتصورون ان ماحدث فى الماضى صالح لأن يطبق فى الحاضر أو المستقبل, واذا فعل ذلك فهذا معناه أنهم يتطورون ويتقدمون خطوات الى الامام. * يمكن ان يقال ان هناك الآن طرحان وهما ماطرحه الدكتور جلال أمين من ناحية والثانى الذى طرحه المهندس أبوالعلا ماضى عن تجديد المشروع, ولكن قبل ان نتناقش فى هذين الطرحين نريد ان نطرح الرأى أولا فى عوامل القوة وعوامل الضعف فى التجربة الناصرية؟! ـ محمد عودة: أعتقد ان مصر لها مطالب ثابتة دائما.. وأناحاولت ان أبدا بالوعي المصري الحديث بشخصيته وهو يناضل من أجل بناء الثورة الشاملة, وحاولت أكثر من محاولة فى ذلك, لكن هذه المحاولات كانت تتعرض غالبا للاجهاض بعوامل ثورة مضادة من الداخل أو الاقليم أو من الخارج اساسا, وان ثورة يوليو كانت واحدة من هذه المحاولات التى لم تفشل ولكن اجهضت, وذلك بثورة مضادة من الداخل والاقليم والخارج, فهى ثورة ناجحة ولكنها كانت تواجه اعداء غير متكافئين, وعندما نحاول الآن ان نعالج ثورة 23 يوليو لابد ان نراها أولا فى اطار الثورة المصرية عموما, ولابد ثانيا ان نراها فيما استطاعت ان تحققه, فهى أول ثورة مصرية استطاعت ان تواجه القضايا الاساسية للمجتمع المصرى والمجتمع العربى وتقدم لها حلول جذرية, وهذه الحلول الجذرية كان يمكن لها ان تستمر لولا انها اجهضت من الداخل ومن الخارج ولذلك عندما نريد ان نبحث ثورة يوليو يجب ان نبحثها فى الاجابة على السؤال الآتى: (لماذا اجهضت ثورة يوليو؟!) وهل يمكن ان يكون هذا الاجهاض هو الأرضية الجديدة التى تمتد عليها ثورة مصر أم لا. نقاط القوة والضعف ـ د.جلال أمين: فى مسألة نقاط القوة والضعف أعتقد أننا لسنا بصدد ان نعطى للزعيم الراحل جمال عبدالناصر درجة تقييم, ولكن الرأى عندى ان نتناول المسألة بشكل آخر وهو هل كانت التجربة تستطيع ان تتخلص من نقاط الضعف التى كانت فيها وعن ظروف العالم والبلد التى كانت فيها؟! أعتقد ان ذلك كان من أصعب الأمور.. لأنه وكما يقول البعض ان نقطة الضعف الرئيسية تتعلق بالديمقراطية وهذا الأمر نسلم به. ـ محمد عودة: ولكن أنا لا أسلم بذلك.. ـ د.جلال أمين: أنا أقول ان الديمقراطية التى كانت موجودة أيام عبدالناصر أفضل مما نعيشه الآن. ـ محمد عودة: أعتقد ان التجربة الناصرية أو ثورة يوليو اجتهدت واجهضت ولذلك لم يكن من الممكن ان يحدث أفضل مماحدث.. فقد واجهت الثورة من الداخل الاخوان المسلمين والشيوعيين والوفديين ومن الخارج أمريكا التى رأت ان تحل محل بريطانيا, ولذلك اجهضت ولكن بقى منها الجيش المصرى والسد العالى فى أسوان وبقى جيل تربى فى عهد الثورة وهو جيل مازال يرفض الثورة المضادة. ـ د.جلال أمين: المثل الصارخ الذى يذكره الأستاذ محمد عودة, هو حكاية ,1967 وأتذكر مناقشة سابقة له تساءل فيها هل لو كان نظام عبدالناصر أكثر ديمقراطية هل كانت حرب 67 لم تقع وتنهزم فيها مصر؟! أنا فى رأيي انها كانت ستقع وكنا سنهزم, أى ان الديمقراطية والديكتاتورية ليست لها علاقة بحرب 1967 من قريب أو بعيد.. والديمقراطية والديكتاتورية قليلة الصلة بالهزيمة أو النصر فى أى حرب, فمن الممكن ان يكون هناك نظام ديكتاتوري وينتصر فى حرب و(الرئيس الروسى) ستالين الذى كان يوصف بالديكتاتورية انتصر انتصارا بارعا على الألمان, وايضا يمكن لنظام ديمقراطى ان ينهزم مثل فرنسا فى الحرب العالمية الثانية, ولذلك أرى أنه من السخف ان نقول ان عبدالناصر انهزم فى 67 لانه كان ديكتاتورا. ـ أبوالعلا ماضى: اذا كان الأمر كذلك, فاسمحوا لى ان أقول كلاماً سخيفاً, فى البداية أقدر ماقاله الأساتذة الكبار ولكن ما زلت غير مقتنع بوجهة النظر التى يقولها دكتور جلال أمين بأن الديكتاتورية والديمقراطية لا تؤثر فى مسألة الحروب والنصر أو الهزيمة فيها, وبالتأكيد أنا غير منحاز الى نموذج معين من الديمقراطية, وبالتأكيد انه اذا كان فى أى مؤسسة صلاحيات ومؤسسة جامعة تملك المحاسبة والسؤال وفيها شفافية فان النتيجة تتغير عما اذا لم يكن هناك محاسبة أو شفافية, وبغض النظر عن طريقة المشاركة ومع تقديري لما يقال من ان حجم المشاركة كانت أفضل من العصر الحالي. لكن أنا أتكلم عن فكرة ان المحاسبة والشفافية كانت يمكن ان تغير من نتيجة الحرب, ولو كان هناك دور جماهيري للمحاسبة ما كان حدث في الجيش المصري ما حدث أيام الحرب وهي أمور عديدة اعترف بها النظام والناصريون.. بالتأكيد الشفافية والمحاسبة اذا كانت موجودة في شركة أو حزب أو دولة لها تأثيرها على النتائج التي يمكن ان تحدث حتى لو كانت مفاجأة, ويمكن ان أتفق ان هناك قوى خارقة ارادت لنا ان ننهزم, ولكن في النهاية اذا كانت هناك محاسبة وشفافية كانت النتائج ستتغير, الأنبياء هزموا في معارك لهم وهذا لم يكن عيبا فيهم لأنهم أخذوا بالأسباب واستعدوا ولا جرم في ذلك.. لذا نريد ان نتعلم ـ نحن كجيل شاب ـ ان الشفافية والمحاسبة أمران ضروريان, اما اذا قلنا ان الديمقراطية أو الديكتاتورية ليس لها علاقة بنتائج الحروب فهذا أمر آخر أنا لا أتقبله.. واذا قبلته سوف أكون منافقا في هذا.. وأعتذر أنني قلت كلاما سخيفا.. السقوط العسكري ـ محمد عودة: هذا ليس كلاما سخيفا أو أي شئ آخر.. ومن حقك ان تقول ذلك لكن لدي رد بسيط عليه, وهو ان الهزيمة في حرب 67 كانت من أغرب الهزائم في الحروب, فقبل الضربة الاسرائيلية بأيام أبلغ عبدالناصر قيادة الجيش ان اسرائيل ستوجه لنا ضربة يوم 5 يونيو الساعة التاسعة صباحا أثناء افطار الطيارين, وكان ذلك بناءً على خطاب أرسله اليه الجنرال ديجول رئيس فرنسا في ذلك الوقت, وكان من الطبيعي ان يبادر القائد العسكري باعلان التعبئة العامة وغيرها من الأمور والاستعدادات العسكرية التي بها يمكن مواجهة هذه الضربة وتفادي آثارها العسكرية ثم الرد عليها بضربة هجومية, كان لابد ان يحدث ذلك لكن الغريب أنه حدثت لا مبالاة وارتكبت القيادة العسكرية أخطاء بشعة.. لذلك لم تكن الهزيمة لافتقاد الشعب للحرية ولكن الهزيمة كانت لسقوط الجهاز العسكري نفسه, وهناك مسألة أخرى تدل على ذلك, وهو أنه عندما وقعت الهزيمة أعلن عبدالناصر أنه المسئول عنها وتنحى عن الحكم, ولكن خرجت الجماهير المصرية والعربية في عفوية وبشكل ليس مدبرا كما يقول البعض وطالبت بعودة عبدالناصر واستكمال المعركة مع العدو الصهيوني, وكانت ارادة القتال موجودة ليس لدى القيادة الناصرية فقط وإنما على مستوى الشارع المصري والعربي, ثم وقعت بعد أسبوع واحد من الهزيمة معركة (رأس العش) التي استطاع الجندي المصري ان ينتصر فيها, ثم بعد ذلك استطاع عبدالناصر ان يعيد بناء الجيش المصري من الشباب المصري المثقف وقام بتسليحه وخاض حرب الاستنزاف. أيضا هناك فارق كبير بين الكارثة والهزيمة, عندما ضرب اليابانيون الأسطول الأمريكي كله في عقر دار الولايات المتحدة الأمريكية, لم يقل أحد للرئيس الأمريكي وقتها أنت تتحمل ذلك.. بالطبع هناك عيوب في الثورة وكانت هناك مقولة لقائد الثورة الروسية (فلاديمير لينين) تقول ان الذين يريدون ثورة طاهرة مبرأة من كل العيوب سوف يموتون قبل ان يروا هذه الثورة.. الثورة ليست سهرة كوكتيل يتباهي فيها كل شخص بما يرتديه من ملابس فاخرة وقفازات بيضاء لامعة.. ولذلك لا يستطيع أحد ان يدعي ان ثورة يوليو ليس بها أخطاء. بل العكس كانت فيها أخطاء كثيرة وغريبة, لكن في قضية الديمقراطية تحديدا الأمر يختلف, كيف كانت الثورة ستبني الديمقراطية وليس في المجتمع المصري ما يؤهل لذلك, ليس هناك طبقة متوسطة وطنية, وليس هناك أي عمال, أو صناعة أو اقتصاد أو ثقافة وتعليم.. المرض كان متفشيا, فكيف كان للثورة ان تبني الديمقراطية في هذا الوقت.. أنا لست ضد الديمقراطية, لكن لابد ان تبني أولا البنى التحتية التي ستقيم عليها هذه الديمقراطية. ـ أبو العلا ماضي: هناك ديمقراطية الهند, وهي ديمقراطية ناجحة رغم الفقر والمرض والأمية وغيرها من الأمور التي ذكرتها.. ـ محمد عودة: أنا قريب من البحث في حالة الديمقراطية في الهند وأستطيع ان أزعم أنها ديمقراطية فاشلة, وما كان يفعله عبدالناصر في مصر هو البناء التحتي الذي ينبغي ان تصعد عليه الديمقراطية بعد ذلك, أيضا أسس عبدالناصر هيئة التحرير وعندما فشلت أسس الاتحاد الاشتراكي, ثم عمل المؤتمر الوطني للقوى الشعبية وهو تجربة ديمقراطية خلاقة في العالم الثالث. عمر التجربة قصير ـ د. جلال أمين: هناك نقطة مهمة يجب ان نشير اليها وهي ان عمر التجربة الناصرية كانت قصيرة جدا واعتبر ان الناصرية هي الفترة من 1956 الى ,1967 أي أنها حوالي (11) عاما.. عبدالناصر لم يبدأ مشروعه إلا بتأميم قناة السويس أما قبل ذلك فقد كانت هناك قضية طرد وازالة آثار الاحتلال الانجليزي, وكان بها تشجيع للاستثمار الأجنبي الغربي الذي لم يأت منه أحد, كما ان بقايا الاقطاع لم تتخلص منها الثورة, والصناعة كانت في بداياتها, ومن المدهش والمثير للاعجاب ان الانجازات التي حدثت في مصر بعد ذلك كانت خلال هذه الفترة القصيرة.. وأتذكر أنه في بداية التصنيع كانت محلات الملابس تضع علامة صنع في مصر على ملابس مستوردة من الخارج, لأن جودة الصناعة المصرية قد أثبتت نفسها.. وما أريد ان أقوله هو ان الانجازات كانت كبيرة جدا حتى عام 1967. ـ محمد عودة: أنت تقول حتى 67 فقط, لكن الثلاثة أعوام التي جاءت بعدها كانت فيها انجازات كبيرة أيضا, حيث استطاعت مصر ان تعيد بناء جيشها وتحارب به في أعظم وأقسى الحروب التي خاضها العدو وهي حرب الاستنزاف, كل ذلك كان قمة الانجاز الناصري, وهذا الجيش كان من ابناء العمال والفلاحين الذين أتاحت لهم الثورة فرصة التعليم والترقي في العلم والمعرفة.. ـ د. جلال أمين: أتفق معك على ذلك لكن من ناحية التنمية والدخل توقفت هذه العملية في 1967. ـ محمد عودة: أيوه.. نعم لكن أنت استطعت في ظل كارثة أو أكبر كارثة واجهت مصر ان تحارب بعد ثمانية أيام وأن تعيد بناء جيش من شباب أبناء العمال والفلاحين الذين تعلموا بالمجان في عهد الثورة, هذا الجيش خاض حرب الاستنزاف التي هي في السجلات الاسرائيلية من أقسى الحروب التي خاضتها اسرائيل, وهذا كلام الاسرائيليين أنفسهم, وبعد ذلك مات عبدالناصر وهو يقاتل. صحيح أنه كان هناك أخطاء عديدة في 67 لكن عبدالناصر مات في عام 1970 وهو يقاتل, ويقاتل.. ـ أبو العلا ماضي: اسمح لي ان أسأل سؤالاً, وبداية أنا مدرك بأنني لست في اطار الرأي الآخر للتجربة الناصرية, وإنما لا أريد من الأساتذة وهم يتحدثون عن التجربة الناصرية, وهذا حقهم وهو شئ جيد, أنه لا يرى أي عيوب أو قصور أو سلبيات أو نقاط ضعف في التجربة, وذلك لأن الجيل الحالي من الشباب والأجيال التي ستأتي بعده لم يعايش التجربة الناصرية أو يعيش فيها مثلهم ولذلك فهو يريد ان يستمع الى الحقيقة, وأن يجد اجابات منطقية لتساؤلات منطقية أيضا, وأعتقد أنه اذا لم يجد هذا الشباب اجابات منطقية على تساؤلاته فسوف تهتز الصورة لديه في كل ما يقال حول هذه الفترة, يعني أنا أريد ان أقول عن تجربة لي كنت فيها في موقع قيادي في احدى النقابات, وكنت أتحدث عن سلبيات وايجابيات هذه التجربة النقابية مع الآخرين بصدر مفتوح ولذلك كانت لنا مصداقية عند من يستمع لنا ويتخذ المواقف المساندة لنا, وأنا أعلم كل ما قيل عن التجربة الناصرية من خصومها , وإذا حاولت ان أرد عليها لن تكون الصورة دقيقة .. لذلك أقول , برغم أني من نفس محافظة عبد الحكيم عامر في الصعيد , ان عبد الحكيم عامر كان كارثة من كوارث مصر , ولو كان هناك مشاركة شعبية وشفافية هل كان سيتم تعيين صديق عبد الناصر قائدا للجيش المصري, وأن تظل هذه الاعتبارات الشكلية مستمرة حتى الكارثة؟! ـ محمد عودة: ليس هناك أسوأ من المبالغة في الايجابيات إلا المبالغة في السلبيات ونحن نعيش في عصر المبالغة في السلبيات , ولذلك نحن نقول أو نحاول ان نقول ان هذه هي الايجابيات التي حدثت .. لكن نحن كما قلت نعيش في عصر التعمية والمبالغة في السلبيات.. نموذج القائد ـ د. محمود جبريل: اسمحوا لي ان أعود بالنقاش إلى السؤال الذي طرحه الاستاذ جلال عارف حول نقاط القوة التي يمكن ان تمنح للمشروع الناصري الاستمرار في المستقبل .. وأستطيع ان أقول أنه بالنظر إلى الظروف التي نعيشها اليوم سنجد ان عبد الناصر كان يمثل القائد النموذج الطاهر في عصر فساد حكومات وأنظمة كثيرة , أيضا كانت هناك مصداقية وصمود وقدرة على المواصلة في النضال, وأيضا قدرة كبيرة جدا على التعبئة الجماهيرية وهي قدرة هامه يفتقدها أي حاكم آخر سواء كان في عهد عبد الناصر أو في الوقت الحالي.. هذه الأمور كلها لا تعني ان عبد الناصر لا عيوب فيه, في المنهج الديمقراطي أو الاتجاه الديمقراطي كان لعبد الناصر أولوية أخرى وهي بناء الدولة العصرية, وهناك ما يمكن ان نطلق عليه بالأولية القاطرة التي تجر وراءها كل الاهتمام , كان يريد ان يبني الدولة العصرية ولذلك كانت هناك أمور أخرى يضحي بها , والذي أريد ان أقوله , هل يمكن مقارنة شخص في بيئة إجتماعية سلطوية في هياكل مختلفة وله بعض المبادرات الديمقراطية مع شخص آخر يعيش في بيئة فيها وعي منتشر بالديمقراطية ومازال هذا الشخص له ممارسات سلطوية في عصر أنظمة حكم عديدة ؟! ايهما أكثر ديكتاتورية ؟! هل هو الذي يمارس السلطوية في عصر فيه ديمقراطية حتى لو كان على مستوى الوعي, أم هو الذي يمارس السلطوية في عصر كان الوعي والضرورة فيه غير ذلك؟! أعتقد ان عبد الناصر لم يتم دراسته دراسة نموذجية ومن كافة الجوانب حتى الآن , نحن دخلنا كنخبة إلى دراسة عبد الناصر وكأننا فريقان في لعبة كرة والأمر ليس كذلك بالطبع. ـ محمود المراغي: أتصور ان التجربة الناصرية كانت لها أهداف كبيرة وكانت هناك قدرة على الانجاز ولكن الامكانيات كانت محدودة , المهندس أبو العلا ماضي أعطى لنا مثلاً وهو الجيش المصري في عهد عبد الحكيم عامر وهو مثل صحيح لان الجيش أو قيادة الجيش خذلت بالفعل عبد الناصر في حرب ..67 ولو أخذنا فكرة التنمية سنجد ان عبد الناصر أدخل الجماهير طرفا في التنمية والعدل الاجتماعي وربط الاقتصاد بالسياسة , يعني معركة السد العالي كانت اقتصادية وسياسية في وقت واحد, ايضا سيطر على مدخرات الوطن ووجه الأموال بما يسرع عملية التنمية , وحتى الوقت الراهن سنجد ان الخطة التنموية الوحيدة التي تم تنفيذها خلال الأعوام الخمسين الماضية هي خطة الخمسية من عام 60 إلى 1965 وقد كانت هذه الخطة نموذج للعالم الثالث.. هذا عن الجانب الايجابي كانت هناك أهداف كبيرة ولديك قدرة على الانجاز لكن الامكانات كانت محدودة.. ولكن الذي كان يعوق إنطلاق هذه الايجابيات وتطور حركة الطرف المعادي لها, لقد حاولوا استنزاف مصر في ,56 وفي ,67 وفي حصار القمح , حاولوا ان يتدخلوا في مشروع انشاص ليحاصروا مصر من الجانب النووي , اغتالوا خبراء التصنيع الحربي والنووي.. إذا كانت هناك حركة ثورة , وحركة مضادة لها.. وأيضا في اطار الايجابي والسلبي أرى ان عبد الناصر في مسألة العروبة كان قد أعد المسرح جيدا لكنه لم يعد النص, أي انه هيأ الجماهير وشحنها وأصبحت جاهزة لفكرة الوحدة ولكن السوريين جذبوه نحو شيئ استبعد الاحداث , عبد الناصر لم يكن يريد وحدة اندماجية كاملة. وربما كان التدرج في مسألة الوحدة مع سوريا هو المطلوب أكثر من الوحدة الاندماجية الكاملة , لأن الوحدة مع التنوع كانت ممكنة كما كانت هناك معالجات أخرى أفضل للوحدة , وأظن ان هذه الأفكار هي التي كانت في ذهن عبد الناصر , لكن السوريين كانوا مندفعين بدرجة أجبرت عبد الناصر إلى الوحدة الاندماجية وفشلت بعد ذلك. التقييم عبر الزمن ـ د. جلال أمين: أريد ان أطرح عدداً من النقاط , والأولى تتعلق بالماضي وهو أنه مهما اعترفت بما كان فيها من سلبيات فإن مرور الزمن يجعلك تغفر أشياء لم تكن لتغفرها في وقتها, يعني إذا قرأنا تجربة محمد علي الآن فسوف نجد أنه ارتكب فظائع في عصره ولكن الآن يمكن ان تراها غير ذلك , ترى هذه الفظائع وكأنها سلبيات صغيرة يمكن ان تغتفر .. وأعتقد أنه في عهد عبد الناصر كانت هناك أشياء تظهر على أنها سلبيات جدا في وقتها , ولكن عندما تنظر إليها بعد ذلك فسوف تقول يمكن ان تغفر هذه أو تلك. النقطة الثانية ان عبد الناصر جاء إلى الحكم في ظروف مواتية للمعركة , كما ان محمد علي قد جاء هو الأخر في ظروف مواتية للحركة في وقته .. وهناك أوجه شبه كبيرة بين هذه الظروف , حيث كان هناك صراع بين قوتين عظميين , وكان من حسن حظ المصريين في هذه الظروف ان جاء رجل ذكي ووطني فاستغل الريح المواتية في صالح وطنه وأمته. .. ولكن ماذا بعد؟ أرى أنه في المستقبل سنعيش لفترة هجمة استعمارية كما حدث في القرن التاسع عشر , ولكن المتغير الوحيد هو في الاسماء فقط , فبدلا من الاحتلال الاستعماري أصبح احتلال اقتصادي , وبدلا من الاستعمار السياسي أصبحت (التبعية) والاستعمار الثقافي وغيرها .. هي فقط ان القوى المنتصرة القوية في الوقت الراهن تصور لنا أننا احرار وأننا منتصرون إلى الابد , وأننا نعيش في عصر الحرية والاستقلال .. وتعليقي على هذا ان التاريخ ليس له نهاية وأن عبد الناصر عندما جاء كرر إلى حد كبير تجربة محمد علي, إنما كان يمكن ان ندخل القرن العشرين وليس هناك عبد الناصر.. ومن المعروف أنه قبل عبد الناصر كانت النخبة في مصر ترى أنه لا فائدة من الحركة وأن الظروف غير مهيأة , وأن إمكانيات مصر لا تسمح بالتغيير ولكن رغم ذلك كان هناك عبد الناصر , وأرى أنه لابد وأن تأتي موجة أخرى مثل الخمسينيات والستينيات على مصر, ولا مفر من ذلك .. وأعتقد ان دور المثقفين الوطنيين في مصر والعالم العربي الا يستسلموا لهذه الحالة ويزعموا ان الظروف غير مواتية وأن التغيير غير ممكن , لأن القصة لم تنته وأن تاريخ الأمم عبارة عن موجات ونحن للأسف في فترة سيئة جدا .. ولابد ان نتمسك بروح ثورة يوليو ومبادئها الأساسية ومهمة المثقف العربي الوطني هو ان يجعل هذه الروح حية داخل كل مواطن عربي طالما بقي فيه نفس.. ـ محمد عودة: أعتقد ان هناك قضايا أساسية لمصر , هذه القضايا الاساسية هي القضية الوطنية والاجتماعية والثقافية والاستراتيجية ثم القضية الاقليمية , ثم القضية الدولية , وهذه هي القضايا الثابتة لمصر ومن يوم ان استيقظ الوعي الوطني في مصر وهي تكافح في استكمال هذه القضايا وأن يصبح لدينا مجتمع فيه رخاء وعدل ومثقف وجيش قوي يافع ونكون نحن محور الأمة العربية وهذه الثوابت الاساسية بالنسبة لمصر وقد حاول محمد علي ان يقيم هذه الثوابت وكذلك الخديوي اسماعيل, ثم احمد عرابي, وسعد زغلول , وأيام عبد الناصر هو أكثر هؤلاء جميعا في محاولة تحقيق تلك الثوابت .. ورغم الاجهاضات التي تعرضت لها تلك المحاولات إلا ان تلك القضايا ستظل باقية ومهمة الجيل القادم هي الايمان بأن هذه القضايا ستظل باقية وامتلاك القدرة على تحقيقها في الواقع وهذا الأمر (محتوم) بمعنى ان هذه القضايا سوف تحل وتقوم مصر بدورها في التاريخ.. وما زالت القضايا التي أثارتها ثورة يوليو والأشواط التي قطعتها في تحقيق هذه القضايا الأساسية للمجتمع المصري هي أبعد شوط حققته ثورة مصر هناك جيش قوي والحياة الثقافية ما زالت موجودة لكن ما زال عندنا 40% أمية والمستوى الصحي متدن والفروق بين الطبقات كبيرة, بل بالعكس كل شيء حاولت ثورة يوليو ان تفعله ثم تصفيته أو يكاد لأن هناك قوى الثورة المضادة الداخلية والخارجية استولت على الثورة واجهضتها.. وليس أمامنا سوى ان نحاول استكمال الشوط الذي قطعته ثورة يوليو أو عجزت عن تحقيقه.. التمسك بالعروبة * من الواضح ان التطورات التي تحدث في العالم الآن ليست نهاية المطاف ولا تثبت حماقة المشروع الناصري أو التجربة الناصرية, لكن ما نراه ان الواقع الحالي يفرض قيودا على الحركة العربية, فما هو تقديركم لذلك؟! ـ د. جلال أمين: يزعم البعض ان نكسة مصر سببها الاهتمام بالقضايا العربية وأمتها العربية, وثبت في العقدين الماضيين أنه عندما تركت مصر أمتها العربية انتكست أكثر وأكثر ومن كافة النواحي الاقتصادية والسياسية.. أيضا الدعوة الى التطبيع مع العدو الاسرائيلي.. عبدالناصر بدأ باعتبار ان اسرائيل عدو.. وعندما قالت القيادة التي جاءت بعده عكس ذلك انتكست مصر أكثر بل وفازت اسرائيل في فترة ما يسمى بالسلام بأكثر مما فازت به في الحروب مع مصر وما أريد ان أؤكده مرة أخرى ان ما جد على العالم من تغييرات منذ عام 70 وحتى الآن لا يلقي ضوءا سلبيا على ثورة يوليو.. و لا يثبت ان ما كان يدعو اليه عبدالناصر بأنه خطأ بالعكس فإن الاستمرار فيه كان يمكن ان يحقق لهذه الأمة حريتها لولا الاجهاض الذي حصل. في اعتقادي أنه ليس هناك أي سبب للتخلي عن مبادئ ثورة يوليو, والذين يتخلون عنها هم في الحقيقة مجرد خاضعين للأمر الواقع, ومستسلمين لأنهم يعتقدون ان النضال ليس له ضرورة, طالما ان المتغيرات العالمية غير مواتية, وهذا الأمر ليس حقيقيا على الاطلاق. ـ محمود المراغي: أعتقد ان المتغيرات العالمية التي حدثت هي التي تبرر اعادة اعمال المبادأة الناصرية, والشئ يصنع نقيضه, أي ان وجود رأسمالية فجة وعولمة وغيره, فهذا هو الذي يدفع الناس الى البحث عن النقيض, اذن الظروف الحالية ليست عقبة فقط وإنما هي ميزة أيضا.. ولو نظرنا الى العقد الماضي سنجد ان تجربة المعسكر الاشتراكي قد سقط خلالها وتراجعت فكرة الاشتراكية رغم وجودها في الصين وكوبا وغيرهما, وفي نفس الوقت تعثرت تجربة الرأسمالية.. وبدا أول المحتجين على الرأسمالية هم الغرب أنفسهم.. ولذلك يمكن القول بأن التجربة أثبتت بأن النموذج السوفييتي لم يكن صالحا والتجربة أثبتت أيضا ان النموذج الغربي بالنسبة لنا غير صالح, وأن العالم كله وليس نحن فقط يبحث عن طريق ثالث, وفي هذا الاطار سنرى محاولة توني بلير وبيل كلينتون والطريق الثالث وهي في الواقع محاولة لتزيين أو تهذيب النموذج الرأسمالي, وأظن ان النموذج الناصري هو الأكثر اكتمالا ومواءمة لدول العالم الثالث. ـ د. جلال أمين: اذا سمحت لي فأنا أريد ان أتحدث قليلا عن (الهوية) وأريد ان أجري مقارنة في هذا الأمر.. نحن دائما نقول ان ثورة 19 كانت قد أهملت الجانب الاجتماعي لأن هذه القضية لم تكن واردة وقتها, أيضا هناك نقطة في التجربة الناصرية كان عبد الناصر ملتفتا اليها وذلك لأن ظروف ورودها وبروزها على السطح كانت غير مواتية, وهي موقفة من الغرب كحضارة.. عبد الناصر كان يريد تحرير نفسه من السيطرة والاستغلال الغربي, ومشكلة الهوية الثقافية الآن تكتسب أهمية لم تكن واضحة في الخمسينيات والستينيات, وقد يكون السبب في ذلك هو التقدم التكنولوجي, وان الانسان مقهور بالتكنولوجيا في كل مكان من العالم, أي ان الانسان ليس مقهورا اقتصاديا بسياسة توزيع الدخل, ولا سياسيا باحتلال اجنبي, وإنما مقهور ثقافيا أو حضاريا بمفهوم جديد هو (العولمة) في الهوية الغربية. ـ أبو العلا ماضي: لدي تعقيب في مسألة الهوية, وهناك سؤال سوف أطرحه عليكم وهو هل أنا كمصري مضطر ان أختار ما بين الاشتراكية والرأسمالية؟ أعتقد أنه عندما نطرح مشاريعنا سواء كانت ناصرية أو اسلامية أو حتى ليبرالية أو يسارية ان نتكلم عن نموذج مصري فيه خلطة عربية اسلامية والتي هي تشكل في مجموعها الهوية, وبالتالي أنا غير مطالب بان أتحدث أو أدافع عن الليبرالية المتوحشة أو عن الاشتراكية التي يحاول اليسار في الغرب ان يطورها.. هناك مشروع وطني عربي اسلامي وليس هناك أي تعارض بين هذه ال