على الطريقة الصينية يقترح وزير في مصر معالجة المشكلة السكانية عن طريق الحافز والرادع.. من يلتزم بهدف تقليل الزيادة السكانية يأخذ حقوق المواطن الكاملة, ومن لايلتزم ويفرط في الانجاب يجري حرمانه من بعض الميزات مثل مجانية التعليم أو دعم السلع فيدفع أكثر . الاقتراح سمعته من وزير التنمية المحلية اللواء مصطفى عبد القادر في ندوة بجامعة القاهرة, والفكرة ذات بريق فسكان مصر يزيدون نحو مليونا وثلث المليون كل عام, والوزير يقول إن هناك محافظات قد تراجع فيها تزايد السكان, لكن محافظات أخرى ابتلعت هذا الانجاز و إن كانت المحصلة النهائية أن هناك ثمرة لجهود تنظيم الأسرة. والقضية ـ على ما أظن ـ مثارة في كل الوطن, أعني : قضية السكان بوجهيها .. حين يزيدون بمعدلات عالية, أو حين يكونون أقل من حاجة الوطن .. بل إن عنصرا ثالثا يدخل في القضية ـ كما هو الحال في الخليج ـ و هو عنصر التركيبة السكانية . ولا أعرف إذا كان هناك في قضية السكان ما يسمى (الحجم الأمثل), وهو الحجم الذي يتناسب مع الموارد الاقتصادية, ففي دول الخليج هناك حاجة لزيادة عدد السكان وتكبير حجم الدولة ليس لأن الموارد الاقتصادية متاحة, ولكن لأن السكان عنصر أمن قومي, بل إن الوعاء التجنيدي الذي يخرج منه جيش يدافع عن الوطن .. هو وعاء السكان . في بلد كثيف السكان نسبيا مثل مصر أو السودان فإن قياس الموارد الاقتصادية يجعلنا نطالب بالعكس وهو تقليل الزيادة السكانية.. وإن كنت أظن أن الفيصل هي الطريقة التي تنظر بها للأمور .. فهناك نظرتان للبشر وللسكان.. أن نعتبرهم ثروة بشرية تضيف ولا تحذف أو نعتبرهم عالة وعبئا ينوء بحمله الوطن! في الحالة الأولى يجري الاهتمام بالتعليم والتدريب ونسبة القوى العاملة في المجتمع وإنتاجية الفرد واشتغال المرأة.إنه مجتمع المنتجين الذي تزيد ثروته بزيادة عدد أفراده. والعكس حين نهمل اعداد الفرد, ونعتبره تكلفة وليس إضافة .. عبئا وليس ميزة وذخرا للوطن. علي أي حال فإن السؤال الأساسي, في كل الدول العربية, هل هناك سياسة سكانية حقيقية؟ وهل هناك نظرة إيجابية للثروة البشرية أم لا ؟ في تجربة مصر تبدو الصورة ملفتة للنظر, فقد تحول كل شئ فيها إلى (أعداد كبيرة) . الطلبة يقترب عددهم من (19 - 18) مليون طالب.. أي أن ما يقرب من ثلث السكان (تحت الاعداد).. والعاطلون نحو (2) مليون.. والشباب تحت العشرين نصف السكان .. وعدد موظفي الحكومة (5) ملايين بينهم كما يقول وزير التنمية الادارية حوالي (5.1) مليون بلا عمل حقيقي.. ! في تجربة مصر أيضا, وفي التجارب العربية الأخرى هناك ما يمكن أن نسميه مشكلة إعالة.. فالنسبة بين من يعمل ومن لا يعمل في الدول المتقدمة (1:1) أي أن فردا يعمل يعول فردا آخر مما يوفر مستوى معيشيا لائقا.. ولكن وفي بلادنا العربية فإن نسبة الإعالة تكاد تصبح (3:1) أي أن كل فرد يعول ثلاثة أفراد كما يؤثر على مستوى المعيشة بالتأكيد! هل من سياسة سكانية جديدة؟ صاحب اقتراح فرض عقوبة على الإنجاب الكثيف يفتح الباب لمناقشة القضية, والاقتراح يعني في حالة تطبيقه إعلان سياسة محددة أحد أركانها تحديد حجم الأسرة, وحجم الانجاب المسموح به. في الصين تحدد هذا الحجم بطفل أو طفلين.. ولكن في مناطق نائية ومناطق جبلية جرى السماح بأكثر من ذلك. ولكن, وفي إفريقيا, وبلاد عربية يصل الانجاب إلى ستة وثمانية أطفال. ولا أظن أن تحديد الحجم بقانون أمر وارد في بلادنا, بل إن فكرة العقاب لمن ينجب فكرة غير علمية .. وإن كانت فكرة تنظيم الأسرة واردة ومطلوبة, سواء كان هذا التنظيم بتشجيع النسل ( كما هو مطلوب في الخليج) أو بالحد من النسل ( كما هو الحال في مصر). أما وسيلة ذلك فهي : التعليم والتوعية ودفع المستوى الاقتصادي والصحي. ووفقا للدراسات العلمية فإنه كلما زاد التعليم, خاصة بالنسبة للمرأة قل حجم الانجاب, فالمرأة تصبح ذات حضور وذات رأي. أيضا ووفقا للدراسات فإن الفقراء أكثر انجابا لأنهم أقل وعيا في كثير من الحالات, ولأنهم أقل رعاية لصحة الأبناء مما يزيد نسبة الوفيات في الأطفال ويجعل الأسرة أقل إحساسا بالأمن. و طلبا للأمن, ينجبون أكثر, وربما أيضا طلبا لعمالة أكثر داخل الأسرة فأطفال الفقراء قوى منتجة تزيد الدخل . العقاب لا يفيد, والتغير الاجتماعي هو الحل . بقلم: محمود المراغي