جرت في الآونة الأخيرة محاولات لإحياء اتحاد المغرب العربي أخذت صورة جولات مكوكية وزيارات في اتجاه العواصم المغاربية بهدف إذابة الخلافات وتقريب وجهات النظر بين دول الاتحاد, الذي كان قد أعلن تأسيسه في 17 فبراير عام ,1989 ويضم الجزائر ـ ليبيا ـ المغرب ـ تونس ـ موريتانيا ويبلغ عدد سكانه نحو 73 مليون نسمة ويشمل المنطقة من حدود ليبيا مع مصر إلى نهر السنغال بمساحة تصل إلى نحو 5380591 كم2. ويرى المراقبون أن هناك من الدواعي والشروط ما يحث ويدفع في سبيل إحياء المشروع المغاربي فهناك رغبة في الاتحاد بين شعوب المنطقة على قاعدة من ثقافة سياسية مشتركة تسلم بالكيانات مما يرفع عن الاتحاد شبهة العدوانية أو العنف والقسر الاندماجيين والأيديولوجيين, كما أن نخب البلدان المكونة للاتحاد ـ خاصة المغرب وتونس والجزائر ـ متشابهة ومتقاربة إلى حد كبير سواء في العناصر المكونة لثقافتها السياسية أو في مرجعياتها الفكرية والقيمية أو في انفتاحها وتعطشها للديمقراطية. وعلى الصعيد الدولي فإن العديد من ديناميكياته الفاعلة تدفع باتجاه الاتحاد المغاربي وباتجاه تحقيقه حيث يسود منطق نابع من انتشار دعاوي العولمة التي تحض على إقامة التكتلات الكبرى ما فوق الوطنية باعتباره سبيلاً وحيداً إلى الحضور في هذا العالم فضلاً عن وجود رغبة لدى القوى الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في التعامل مع دول المغرب العربي ككتلة واحدة وتجمع واحد, وبالإضافة إلى ذلك تواجه بلدان المغرب العربي مجموعة من الأزمات والمشاكل المشتركة أولها : مشكلة البطالة التي تزداد نسبتها بين الشباب أو سياسات التحرر الاقتصادي ومحاولات الانسجام مع العولمة الاقتصادية, وثاني هذه المشاكل مشكلة المهاجرين أي هؤلاء الذين يهاجرون من هذه البلدان إلى أوروبا, وقد باتت تلك المشكلة بنداً أساسياً على جدول أعمال الشراكة الأوروبية المتوسطية لأن وجودهم هو جزء لايتجزأ من أزمات الإرهاب والهوية الثقافية والعنصرية في أوروبا, وثالث تلك المشاكل مشكلة الإسلام السياسي حيث تواجه تلك الدول تحدي ما يطلق عليه (الإسلام السياسي) ذلك أن التهديد الذي مثله هذا التيار على رغم من تعرضه لضربات موجعة وتراجعه هو أكثر جدية في المغرب العربي منه في البلدان العربية الأخرى كمصر والأردن مثلاً فما اهمية احياء المشروع المغاربي؟ وتبرز أهمية إحياء المشروع المغاربي في ظل التغيرات الأخيرة التي لحقت بدوله ففي المغرب كان قد حدث تخوف بعد وفاة الملك الحسن الثاني من مشاكل قد تحدث بسبب الخلافة إلا أن خليفته الملك محمد السادس استطاع المحافظة على استقرار الأمور, وفي الجزائر أصبح عبدالعزيز بوتفليقة رئيساً للبلاد في إبريل عام 1999 وهدأ العنف مؤقتاً بعد إعلان وقف إطلاق النار في يونيو 1999 بواسطة جيش الخلاص الإسلامي وأعلن بوتفليقة مبادرته في سبتمبر 1999 بهدف اختبار مشاعر الشعب تجاه الائتلاف أو الوئام المدني, وفي تونس اكتسح الرئيس زين العابدين بن علي الانتخابات الرئاسية الأخيرة وفاز بنسبة 4.99% لدورة ثالثة وأخيرة طبقاً للدستور, وفي ليبيا عاد العقيد القذافي إلى الأضواء بعد أن قبل تسليم ليبيين إلى القضاء الاسكتلندي متهمين في حادث لوكربي, وتم في إبريل 1999 تعليق العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على ليبيا منذ 1992.وجدير بالذكر أنه بعد مرور سنوات على تأسيس الاتحاد المغاربي لم يتحقق أي تقدم على مستوى تطوير العلاقات بين دوله الخمس على رغم من محاولات إحيائه المستمرة طيلة السنوات الماضية عبر تكوين مجالس رئاسية وقانونية له ومن أبرز المؤشرات على تردي حال الاتحاد أن تجارته البينية لم تتجاوز 3% مقارنة بحجم تجارة دوله مع أوروبا الذي تجاوز 65% على جانب أخر فقد فشل الاتحاد في بلورة سياسة مشتركة تجاه القضايا الإقليمية المشتركة, بل تحولت تلك القضايا إلى مبررات إضافية لتعطيل التقارب والتعاون. حلم قديم ولا تعود جذور تأسيس الاتحاد المغاربي إلى الثمانينيات بل أنها تمتد إلى الوراء إلى فترة النضال ضد الاستعمار كما أن الخلافات ـ رغم وجود عوامل للتلاقي ـ أيضاً لم تكن وليدة العهد الجديد بل أنها ترجع إلى الستينيات والسبعينيات . ومن خلال إلقاء نظرة على جذور فكرة تكوين الاتحاد نجد أن تلك الفترة ظلت أملاً يراود الحركات الوطنية التحررية المناهضة للاستعمار الفرنسي في كل من تونس والجزائر والمغرب التي عقدت أول مؤتمر لها في القاهرة في 22فبراير و15مارس عام1947 وبعد سنتين من استقلال تونس والغرب عام 1956 عقدت في مدينة طنجة أول قمة مغاربية ضمت قادة أحزاب الاستقلال المغربي والدستور التونسي وجبهة التحرير الوطني الجزائرية, وبعد استقلال الجزائر عام 1962 كان بناء المشروع المغاربي في قلب المفاوضات بين البلدان الثلاثة, حيث تم توقيع اتفاقات الرباط في عام 1963 والتي نصت على تحقيق التطابق في سياسة البلدان الثلاثة تجاه السوق الأوروبية المشتركة وتنسيق مخططات التنمية وسياسة التبادل التجاري. إلا أنه يلاحظ أن تلك الاتفاقات لم تخرج إلى الواقع بسبب التنافس بين حكومات تلك البلدان على الزعامة كما استمرت النزاعات الحدودية الموروثة من الحقبة الاستعمارية وهو ما عكس بروز المظاهر والنعرات الإقليمية التي قضت على أي تفكير جدي في بناء المغرب العربي الكبير, وعلى جانب آخر أسهم اختلاف الاستراتيجيات الاقتصادية بين دول المغرب العربي الثلاث في تهميش مشروع التكامل الاقتصادي الإقليمي خلال عقدي الستينيات والسبعينيات حيث كانت السياسة الاقتصادية التي انتهجتها الجزائر تقوم على إتباع الاقتصاد الموجه من قبل الدولة, غير أن المغرب وتونس كانا قد حددا خياراتهما الاقتصادية والسياسية لجهة تنمية الرأسمالية وتمتين علاقاتهما بالرأسمال الأجنبي وتعميق انخراطهما بالسوق العالمية, وبالإضافة إلى ذلك فقد كان الاختلاف الجذري على صعيد الشرعية السياسية وعملية بناء الدولة الوطنية بمفهومها القطري والتناقضات الأيديولوجية والسياسية العميقة التي كانت تفصل أنظمة المغرب العربي بعضها عن بعض, كانت بمثابة عاملاً آخر من ضمن عوامل تهميش فكرة الاتحاد, ففي تونس قامت سلطة أبوية برئاسة الحبيب بورقيبة استوردت النموذج الغربي لبناء النظام السياسي بحكم هيمنة الثقافة الغربية والعلمانية على النخبة الحاكمة, أما في الجزائر فإن المشروع السياسي كان يغترف من مراجع اليسار العالمي على صعيد الأيديولوجيا, وأما المغرب فقد شهد مرحلة كاملة من عدم الاستقرار السياسي بعد وفاة الملك محمد الخامس مما جعل النظام السياسي الجديد يتجه إلى إقامة تحالفات مع النخب التقليدية والإقطاعية من أجل تحقيق سيادة الملكية وتصفية الجناح اليساري الراديكالي الذي كان يطمع في إقامة نظام سياسي جمهوري. ضغوط داخلية ومع تعرض تلك الدول إلى ضغوط اقتصادية وداخلية بدأت حكومات الدول المغاربية في التفكير بل والمسارعة نحو تحقيق المشروع المغاربي, فعلى الصعيد الاقتصادي شهدت دول المغرب العربي أزمة اقتصادية بنيوية عميقة تمثلت معالمها في ارتباط اقتصاديات تلك الدول بالسوق الرأسمالية العاملة وهيمنة رأس المال الاحتكاري الأجنبي عليها, الأمر الذي زاد في تعميق التبعية الاقتصادية والمالية للدول الغربية, ومما زاد من الأزمة انخفاض عوائد الصادرات النفطية, فضلاً عن انخفاض الصادرات بصفة عامة, وتنامي المديونية الخارجية حتى تجاوزت 50 مليار دولار بالنسبة لتونس والجزائر والمغرب في نهاية عام ,1987 وازدادت الأزمة تفاقماً مع انضمام أسبانيا والبرتغال إلى الاتحاد الأوروبي عام 1986 الذي قام بوقف استيراد العديد من المنتجات الزراعية من دول المغرب العربي نظراً إلى تشابهها مع منتجات أسبانيا والبرتغال, أما على الصعيد الداخلي فقد شهدت تلك الدول نوعا من الانتفاضات الكبيرة (انتفاضة الدار البيضاء يونيو 1981 ـ ثورة الخبز في تونس نهاية عام 1983 ـ الانتفاضة الشعبية في الجزائر أكتوبر 1988) اعتبرها البعض تعبيراً عن أزمة مجتمع وأزمة هوية وأزمة النظام السياسي, وقد أحدثت تلك الانتفاضات اختلالاً جذرياً في بنية الأنظمة السياسية الحاكمة في تونس والجزائر والمغرب وأصبحت تلك الأنظمة تخاف اندلاع الانفجارات الشعبية التي قد تؤدي إلى الإطاحة بالضعيفة منها. وفي ظل تلك الظروف ومن أجل تحريك الفكرة المغاربية عقدت مجموعة اجتماعات لتنقية الأجواء بين الدول المغاربية انتهت باجتماع يضم الدول الخمس في 10 يونيو 1988 و تقرر في الاجتماع تشكيل لجنة عليا لإنجاز مشروع الوحدة المغاربية, وهو ما تم في 17 فبراير ,1989 ويعني ما سبق أن تحقيق الفكرة المغاربية لم يكن وراءه مطالب شعبية بقدر ما كان نوعاً من التضامن لاحتواء أي انفجارات داخلية أو ضغوط اقتصادية دولية أو داخلية, وهو ما أدى إلى أن تصبح أساس وبنية الاتحاد هشة تؤثر فيها بالسلب أي عوارض وخلافات, فقد جاءت القمة الثانية في الجزائر التي عقدت في يوليو عام 1990 بعد الفوز المدوي للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الانتخابات البلدية لتسجل بداية التراجع في دينامية الوحدة المغاربية حيث تخوفت الأنظمة من مشاهدة الإسلاميين يصلون ديمقراطياً إلى السلطة في الجزائر باعتبار أن هذا الوصول - في حالة تحققه فعلياً - سيكون له وقع كبير في كل منطقة المغرب العربي وبخاصة تونس حيث كانت حركة النهضة تحتل ما بين 20-30% من الناخبين وتطرح إقامة السلطة الإسلامية البلدية في تونس. وعلى جانب آخر جاءت أزمة الخليج لتكشف التنوع الكبير في مواقف الدول المغاربية الخمس إذ تحفظت موريتانيا على قرار إدانة العراق الصادر عن القمة العربية التي عقدت في القاهرة, وصوتت المغرب على القرار, وتحفظت الجزائر بدورها, ولم تشارك تونس في القمة في حين صوتت ليبيا ضد القرار, وقد استمرت مسيرة الاتحاد في التراجع مع وقوع الانقلاب العسكري في الجزائر يناير 1992 بعد فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ وتدخل الجيش لإلغاء الانتخابات التشريعية ودخول الجزائر مرحلة الصراع المسلح بين النظام والمعارضة الإسلامية. وفي هذا السياق فقد انعقدت آخر قمة للاتحاد في ربيع عام 1994 في تونس ومنذ ذلك الوقت انقطعت القمم التي تمثل إحدى مؤسسات الاتحاد الذي فشل حتى في الحفاظ على الانعقاد الدوري لمؤسساته, بل انحلت بعض المؤسسات التي أنشئت في صلبه, كما أن المؤسسات التي مازالت مستمرة عبارة عن هياكل خاوية فضلاً عن أن هناك مؤسسات أخرى قرر مجلس الرئاسة في الدورات التي عقدت إنشاءها لكنها لم تر النور حتى الآن بالرغم من أنها أداة أساسية لتحقيق التكامل الاقتصادي المغاربي وفي مقدمتها (المصرف المغاربي للاستثمار والتجارة الخارجية) الذي كان مقرراً إنشاؤه منذ أواخر عام 1993. وبصفة عامة صار الاتحاد بعيداً عن الأهداف التي حددتها القمة التأسيسية في مراكش والقمم اللاحقة خصوصاً وهي الوصول إلى حرية التبادل التجاري وإلغاء الحدود الداخلية (1992) وتحقيق الوحدة الجمركية (1995) وصولاً إلى إنشاء السوق المغاربية المشتركة عام 2002 مثلما كان مخططاً, وبالطبع فقد تأخر الاتحاد المغاربي كثيراً في سبيل تحقيق تلك الأهداف التي يصعب تحقيقها في ظل الأوضاع الحالية, ومما زاد الأمر سوءاً أن المغرب قد طلب أواخر عام 1995 على لسان وزير الخارجية ورئيس الوزراء آنذاك د. عبداللطيف الفيلالي تجميد عضويته في الهيئات والمؤسسات المغاربية احتجاجاً على ما اعتبره تدخلاً جزائرياً في مجريات الصراع في الصحراء المغربية ـ الصحراء الغربية - على نحو يتناقض مع الحياد المفترض للدولة التي ترأس الاتحاد ـ يقصد الجزائر. اسباب التعثر بعد هذا العرض لظروف نشأة الاتحاد المغاربي يثور تساؤل هام ألا وهو لماذا تعثر الاتحاد وجُمدت قممه وأنشطته بعد فترة قصيرة من الوقت ؟ وبصفة عامة هناك مجموعة من الأسباب يرى المحللون أنها وراء تعثر التجربة المغاربية وتدور تلك الأسباب حول نشوب نوع من التوتر في العلاقات بين دول الاتحاد وتفاوت درجة الديمقراطية في تلك الدول فضلاً عن العلاقة الخاصة بين المغرب والجزائر والمتوترة دائماً بسبب قضية الصحراء الغربية هذا بالإضافة إلى مجموعة عوامل أخرى, وأما بالنسبة للسبب الأول فقد شهدت بلدان المغرب العربي في النصف الأول من التسعينيات توترات في العلاقات فيما بينها ففي حين ساهمت الأزمة التي مرت بها الجزائر في ترسيخ العلاقات بين النظامين التونسي والجزائري لالتقائهما حول معالجة الإسلام السياسي إلا أنها كانت في الوقت نفسه مصدر عودة للعلاقات المغربية الجزائرية إلى المربع رقم واحد حيث بادر المغرب إلى فرض التأشيرة على المواطنين الجزائريين إثر الاعتداء الذي وقع على أحد فنادق مراكش, في أغسطس 1994 وردت الجزائر بإجراء مماثل حيث قامت بإغلاق الحدود البرية, كما أشار البعض إلى أن العلاقات الليبية ـ الجزائرية قد شهدت نوعاً من الجفاء بعد عرض طرابلس الوساطة بين النظام الجزائري وجبهة الإنقاذ الإسلامية المحظورة عام 1993 وهو ما أغضب الجزائر ودفعها إلى استضافة مؤتمر لتشكيلات المعارضة الليبية في الخارج والتغاضي عن عمليات مسلحة نفذتها انطلاقاً من أراضيها فيما سمح الليبيون بوصول إمدادات للجماعة المسلحة في الجزائر عبر الحدود المشتركة لم يوقف تدفقها سوى تدخل الطيران الحربي الجزائري, كما شهدت العلاقات الليبية الموريتانية تدهورا كبيراً في عام 1995 في أعقاب قرار موريتانيا بإقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل بعد اجتماع وزير خارجيتها (السابق) سالم ولد الأكحل مع نظيره آنذاك إيهود باراك على هامش المؤتمر الأوروبي المتوسطي الأول في برشلونة . ومن جانب آخر فقد وجهت القيادة الليبية اللوم الدولي لدول الشمال الأفريقي المغربي لعدم تماشيها مع قرار القمة الأفريقي في (واجادوجو) بكسر الحظر المفروض على ليبيا حيث قامت الدول الأفريقية كلها بعدم الالتزام بالحظر الجوي ما عدا دول الشمال الأفريقي العربية, وهو ما أدى إلى أن عدم موافقة ليبيا على استئناف الرحلات الجوية بين طرابلس وعواصم الشمال الأفريقي, كما أبدت طرابلس تحفظاتها المستمرة لتردد دول شمال أفريقيا في الانضمام لتجمع دول الساحل والصحراء حيث لم تنضم تلك الدول رسمياً لهذا التجمع حتى الآن. وفيما يتعلق بالسبب الثاني المرتبط بالسبب السابق وهو العلاقة المتوترة بين المغرب والجزائر, فيرى البعض أن توتر تلك العلاقة لا يعود فقط للمشكلة الصحراوية فالجزائر منذ برز إلى الوجود ككيان مازال يبحث عن أسباب اتساقه ولعل ذلك ما يفسر أن علاقات الجزائر الخارجية منذ قيامها كدولة مستقلة قد احتفظت على الدوام بمحوري توتر دائمين ثابتين وأن اعتراهما انفراج من حين إلى حين: أحدهما في العلاقة مع فرنسا والثاني في العلاقة مع المغرب حيث لا يزال يجري تأكيد وجود الجزائر ككيان قياساً إلى كيان المغرب التاريخي المجاور وبفرض إثبات الوجود وذلك على الرغم من أنه لم يكد يبقي من إشكال حدودي بين البلدين ما يوحي بعمق تلك المسألة, وربما كانت الأزمة التي تواجهها الجزائر منذ نحو العقد من الآن وفق بعض أوجهها هي الانتقال من المرحلة الاستثنائية ما بعد الفترة الثورية أو التحررية تلك المتمادية منذ الاستقلال إلى مرحلة إقامة كيان عادي متسق في نسيج المنطقة .. ولعل نجاح الجزائر في مواجهة تلك الأزمة يساعدها في تحسين علاقاتها مع المغرب. وتأتي مشكلة الصحراء لتزيد من الخلاف بين المغرب والجزائر وتعيق محاولات إحياء الاتحاد المغاربي, حيث تدعم الجزائر حق الصحراويين في تقرير المصير وتتفق معهم في عدم جدوى ما يعرف بـ (الحل الثالث) حيث يراه الصحراويون إطاراً لإفراغ صيغة الاستقلال من مضمونها, لأنه يقضي بنوع من الحكم الذاتي للصحراويين تحت سيادة مغربية, ويرى البعض أن حلاً بين المغرب وبوليساريو رغم استبعاده الآن لا يفيد سياسة الجزائر سواء على مستوى علاقاتها مع المغرب و على صعيد علاقاتها الأفريقية والأوروبية ليس فقط لأنه يفوت عليها فرصة التحكم بمسار الصراع بل لأنها قد تصبح الخاسر رقم واحد في العملية, وفي المقابل فإن حلاً بين المغرب والجزائر قد ينهي (بوليساريو) من دون الحصول على أي شيء لذلك يظل التمسك بصيغة الاستفتاء مخرجاً لجميع الأطراف أقله إرجاء الحل مادامت كل المعطيات تفيد بإرجاء الاستفتاء. وفي هذا السياق يرى البعض أن (الحل الثالث) في حالة قبوله من بوليساريو والمغرب قد تناهضه الجزائر بقوة لأنه يبعدها بقوة تدريجياً عن العملية, وبصفة عامة فإنه في ظل تعثر مسيرة التسوية الجارية في الصحراء الغربية وعجز الأمم المتحدة عن تطبيق خطة الاستفتاء التي تم الإعلان عنها في 3 ديسمبر 1997 عقب مفاوضات هيوستن برعاية وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر حين اتفق طرفا النزاع (بوليساريو والمغرب) على إجراء استفتاء حر ونزيه وعادل إضافة إلى اتفاق يقرر فيه الصحراويون مصيرهم بكل حرية ـ في ظل ذلك ـ تستمر قضية الصحراء الغربية كقضية أساسية في تعطيل المشروع المغاربي. وبالنسبة للسبب الثالث وهو المتعلق بتفاوت مسارات الديمقراطية بين مختلف البلدان المغاربية فيرى البعض أن هذا السبب يعد سبباً رئيسياً لتعثر المشروع المغاربي, فلقد ظل المجتمع المدني مهمشاً بالكامل بالرغم من خطوات البناء التي تحققت في النصف الأول من التسعينيات وهكذا بدأ الاتحاد فوقياً, وقطع الشوط الأول الذي تركز على إقامة مؤسسات إقليمية في إطار العلاقات الرسمية بين الدول, ثم توقف أيضاً بقرار فوقي ورغم أن الحكومات هي المخولة في اتخاذ القرارات الديمقراطية مثل الانضمام لتجمع إقليمي ورغم أن قرار إنشاء الاتحاد المغاربي لم يأت من فراغ وإنما سبقه تيار ثقافي واجتماعي ضاغط في اتجاه تشكيل تجميع إقليمي ولو على صعيد النخبة المثقفة في البلدان المعنية إلا أن المسيرة المغاربية لم تعتمد على مبدأ المشاركة السياسية ولم تمنح فرصة لتبلور حركة واسعة على صعيد شمال أفريقيا تحصن المشروع وتدافع عنه لدى تعرضه للعراقيل والمطبات. وفي هذا السياق يؤكد أنصار هذا الرأي أن توقيع معاهدة مراكش, عام 1989 لإعلان قيام الاتحاد قد اتسم بالإبقاء على مسافة بين الاتحاد والرأي العام مما جعل مصير الاتحاد منحصراً في دوائر القرار الرسمية على رغم أن مئات الآلاف من سكان المناطق الحدودية كانوا هم المستفيدين مباشرة من التقارب والتكامل وهم أيضاً الخاسرون الأوائل من انتكاس المشروع ولو كانت الكلمة لهم لما قبلوا بغلق الحدود وتجميد المؤسسات المغاربية. الديمقراطية الغائبة وعلى جانب آخر لايقتصر عامل الديمقراطية على العلاقة بين السلطات والشعوب ومدى مساهمة الأخيرين في مسيرة الاتحاد بل يتعدى ذلك إلى ما يمكن القول أن التكتل المنشود لا يمكنه أن يكون إلا طوعياً ويندرج في سياق من انفتاح يفرضه منطق العصر وبالتالي قد لايتحقق هذا التكتل إلا بمقدار نجاح بلدان المنطقة في إرساء الديمقراطية داخل كل منها وعلى هذا الصعيد فإنه مما لا شك فيه أن بعض بلدان المغرب العربي أكثر تأهيلاً لذلك من بعضها الآخر, وعلى ذلك فالأرجح أن مصير المشروع المغاربي سيكون رهناً بمدى التقدم في بناء الديمقراطية في بلدان المنطقة لأن الثابت من خلال تجربة العقود الماضية أن كل تقدم في مجال توسيع المشاركة السياسية يسهل الوصول إلى الإندماج الإقليمي ويرفع الأحجار عن طريق بناء مصير مشترك. والسبب الأخير مرتبط أيضاً بسابقيه حيث يؤكد بعض المحللين أن من أسباب تجميد المشروع المغاربي محاولة اقتفاء أثر الاتحاد الأوروبي ونسخ هيئاته, إلا أن الممارسة أثبتت أنه ـ أي الاتحاد المغاربي ـ قلد المؤسسات المركزية الأوروبية في الشكل فقط ودون الجوهر وهو الاستقلال الذي تتمتع به تلك المؤسسات إزاء الحكومات الأعضاء فالهيئات المغاربية مسلوبة القرار ولا تستطيع اتخاذ أي مبادرة أو قطع أي شوط في أي مجال إلا بعد انتظار اجتماع مجلس الرئاسة الذي لم يجتمع منذ عام 1994 وبعد موافقة مجلس الرئاسة فقط يُفسح المجال أمام باقي المؤسسات اعتماد القرارات وتنفيذها, بتعبير آخر تسير حركة صنع القرار في الاتحاد المغاربي من أعلى إلى أسفل مما يجعل تعطل الحوار في القمة نهاية لمسيرة التكامل الإقليمي, وفيما وضع الأوروبيون منذ عام 1958 آليات وأجهزة مستقلة وظيفتها الأساسية تسريع خطوات الاندماج ومنحها صلاحيات واسعة حتى باتت (اللجنة الأوروبية) في بروكسل بمثابة حكومة مركزية, ارتدت المؤسسات المغاربية بالمقابل طابعاً بيروقراطياً واستشارياً ورفضت الحكومات المعنية التنازل عن أي ذرة من صلاحياتها. ورغم استمرار تلك الأسباب حتى الآن إلا أنه ظهرت محاولات لإحياء مشروع الاتحاد المغاربي في الآونة الأخيرة وذلك في ضوء المتغيرات الإقليمية والدولية التي يشهدها العالم ودول المنطقة, وقد أثارت تلك المحاولات تساؤلات حول مدى نجاحها وهل يمكن فعلاً إنعاش المسيرة المغاربية أم ستظل جامدة على حالها منذ عام ,1994 وفي الواقع فإن الإجابة على هذا السؤال تعد صعبة في ضوء ظهور مجموعة من المؤشرات المتناقضة الصادرة عن دول الاتحاد وهو ما يعني عدم وضوح الرؤية بالنسبة لهذا الأمر فهناك مؤشرات سلبية وأخرى إيجابية ظهرت أدت إلى انقسام آراء المحللين والمراقبين حول مستقبل المشروع المغاربي إذ أعتبر البعض أن المؤشرات السلبية تطغى على نظيرتها الإيجابية مما يعني استمرار تجميد المسيرة المغاربية في حين أكد آخرون أن المؤشرات السلبية لا تشكل حجر عثرة في سبيل إحياء الاتحاد فالمؤشرات الإيجابية تدل وبوضوح على وجود رغبة ووجود دوافع لإنعاش وإحياء المشروع المغاربي, وفيما بين الرأيين يميل فريق ثالث إلى تأييد وجهة النظر التي تغلب فكرة الإحياء نظراً للظروف الدولية الإقليمية التي تعيشها المنطقة فضلاً عن التغيير الحادث في سياسات الدول المغاربية بعد تولي قادة جدد في تلك الدول مما يعني إمكانية تجاوز خلافات الماضي والاتجاه نحو المستقبل من خلال الاتحاد المغاربي الذي يمثل الأمل في انطلاق المنطقة في تعاملها مع العالم الذي أصبح يعتمد لغة التكتلات الاقتصادية حديثاً من أجل تحقيق المصالح سياسية كانت أو اقتصادية وتزداد أهمية إحياء الاتحاد في ضوء الموقف المصري الذي ينتظر من أجل الانضمام للتجمع مما يزيده ثقلاً دولياً فاعلاً, كما يمكن أن تلعب مصر دوراً موازناً بين دول الاتحاد كما يمكن أن تكون وسيطاً فعالاً في سبيل حل الخلافات الثنائية القائمة أو تلك التي يمكن أن تحدث مستقبلاً. ويبقى أن نذكر المؤشرات السلبية والإيجابية الدالة على تجميد أو إحياء المشروع المغاربي, فبالنسبة للأولى يرى البعض أن تلك المؤشرات تتنوع لتشمل ما هو اقتصادي وما هو سياسي, فعلى سبيل المثال لم تتجاوز المبادلات التجارية البينية بين دول اتحاد المغرب العربي نسبة 3% ويعود ذلك إلى مجموعة من الأسباب التي تعرقل التبادل التجاري بين تلك الدول وأهم تلك الأسباب مايلي : 1ـ أن أوروبا التي تقع على الضفة الشمالية من البحر المتوسط تمثل قطباً اقتصادياً عالمياً ونظراً لخضوع المنطقة المغاربية للهيمنة الاستعمارية فقد هيمنت المبادلات التجارية العمودية بين بلدان المغرب وأوروبا ومع تعميق التبعية الاقتصادية والتجارية والثقافية للبلدان المغاربية إزاء الدول الأوروبية ظلت أوروبا سيدة اللعبة على صعيد المبادلات التجارية على حساب المبادلات البينية بين دول المغرب العربي. 2ـ طبيعة أنظمة الإنتاج السائدة في البلدان المغاربية وغياب الخطط المدروسة لتحقيق التكامل الاقتصادي . 3ـ استمرار وجود الخلافات الحدودية والسياسية والتبعية الاقتصادية والمالية واختلال هياكلها الاقتصادية. 4ـ عدم اهتمام المواطنين بالاتحاد بين دول المغرب أو عدمه, لا لأنهم غير معنيين بالوحدة والتكامل وتعزيز حرية تنقل الأشخاص والسلع, بل لأنهم تعودوا على أن تكون هذه المشاريع إعلانية دعائية لأنها تغلب السياسة على الاقتصاد وهو ما أدى إلى عدم تحقيق أي جدوى من الاتحاد. وبالإضافة إلى ذلك هناك مؤشرات سلبية سياسية لعل أهمها ما جاء في رسالة بعث بها الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة إلى الأمين العام لجبهة (بوليساريو) محمد عبدالعزيز والتي أكد فيها مجدداً موقف الجزائر التقليدي الثابت ودعمها المستمر لـ (القضية العادلة لشعب الصحراء) في كفاحه من أجل تقرير المصير والاستقلال التام وفق قرارات الأمم المتحدة واتفاقيات هيوستن. ولا شك أن المغرب رأى في موقف بوتفليقة هذا تجاوزاً لدور الأمم المتحدة التي ترعى الاستفتاء في الصحراء, وكذلك لحق الصحراويين أنفسهم في تقرير مصيرهم فضلاً عن اعتباره من قبل المراقبين تكراراً للمواقف البومدينية نسبة للرئيس هواري بومدين التقليدية وناجماً من الضغوط التي تمارسها التيارات المتشددة داخل المؤسسة العسكرية, وقد أعاد الرئيس الجزائري موقف بلاده مرة أخرى خلال الزيارة التي قام بها إلى تونس في إبريل الماضي حيث أكد تمسك الجزائر بـ (حق تقرير المصير للشعب الصحراوي) وهذه المرة اعتبرت الرباط أن هذا الموقف يستهدفها أو يمثل تراجعاً عن مواقف جزائرية سابقة ربما أشارت إلى مرونة أوضح بالنسبة لها, وهو ما ظهر في أثناء التحضير للقمة الأفريقية الأوروبية التي عقدت في القاهرة قبل اشهر قليلة عندما تدخل الرئيس الجزائري من أجل إثناء رئيس (الجمهورية الصحراوية) عن حضورها نزولاً عن امتناع مغربي وحتى تتسنى مشاركة الملك محمد السادس فيها وذلك على رغم أن عضوية المغرب في منظمة الوحدة الأفريقية معلقة منذ 5 سنوات. استمرار التوتر واستمراراً للتوتر الجزائري المغربي فقد جاءت زيارة الرئيس الجزائري بوتفليقة للعاصمة التونسية لتعقد مهمة إحياء الاتحاد المغربي ـ من وجهة نظر البعض ـ بل أنها قد ساهمت في تأزيم كل تقارب ممكن بين بلدان الشمال الأفريقي أو أنها على الأقل عبرت عن حالة كتلك قائمة وأفصحت عنها وأكدتها, فخلال وجوده في تونس أدلى بوتفليقة بتصريحات تسببت في إثارة المغرب وهو القطب الآخر الكبير الذي يستحيل قيام تآلف على الصعيد الإقليمي إلا بوجوده, فقد عمد بوتفليقة إلى الإشادة بالسلطات التونسية والليبية بقوة حيث أنهما (البلدان اللذان يملكان حدوداً طويلة مع الجزائر واللذان وقفا مع الجزائر في محنتها الطويلة مدة حقبة زمنية كاملة حيث كانا درعاً واقياً وجداراً موصداً لا منفذ منه لغادر أو مخادع ) وهو ما أعتبر إشارة واضحة لصد حدود البلدين أمام المتطرفين الدينيين أيام الحرب الأهلية الجزائرية, ويعتقد المراقبون أن الرئيس الجزائري لو كان قد اكتفى بذكر تونس دون ليبيا لاعتبر ذلك طبيعياً, باعتباره في ضيافة تونس أما وقد أشرك ليبيا في تلك الإشارة فإن المحللين لم يفتهموا إجمال التعرض للمغرب ولموريتانيا ما أعتبر وكأنه لا ينطبق عليهما بمعنى أن عدم إشراك المغرب وموريتانيا بالإشارة يشكل دلالة واضحة على أنهما لم يقفا مع الجزائر في الظروف الصعبة التي مرت بها وأن حدودهما كانت مجال تسريب (للمخربين) إن قصدا أو لم يقصدا, بل أن بعض المراقبين يؤكدون أنه حتى وإن كان كلام بوتفليقة قد قيل على سبيل المجاملة وحتى وإن كان قد اقتصر على الإشادة بتونس فإنه ما كان ينبغي التفوه علانية بذلك الحديث لأنه سيكون له بالتأكيد مردود سلبي لدى المغرب طالما قد يفهم على أنه غمز يقصد به المغرب الذي كثيراً ما اتهمته سلطات الجزائر بتسهيل تسلل مقاتلي الجماعات الإسلامية وعتادها منها وإليها. وأخيراً فمن المؤشرات السلبية أيضاً تلك التي يمكن أن نسميه فشلاً في مجال انتهاج سياسة خارجية موحدة وقد شكلت أزمة لوكيربي محكاً قاسياً للدبلوماسية المغاربية كرست التباعد بين أعضاء الاتحاد في التعاطي معها مما حمل ليبيا على رفض تسلم دورها في رئاسة الاتحاد من الجزائر عام 1995 احتجاجاً على ما اعتبرته قلة حماس للتضامن معها في رفع العقوبات الدولية وان كانت ليبيا قد أعلنت في العام الماضي أنها مستعدة لتولي رئاسة الاتحاد في الدورة المقبلة. وفي هذا السياق يؤكد البعض أن الدبلوماسية المغاربية قد فقدت انسجامها وفاعليتها منذ انهيار حوار (5 + 5) بين البلدان المغاربية وكل من إيطاليا وفرنسا وأسبانيا والبرتغال ومالطا في عام 1991 بسبب رفض الأوروبيين الجلوس مع الطرف الليبي, كما ظهر التباعد بين البلدان الخمسة في مناسبات أخرى عديدة خصوصاً لدى إعلان أوروبا عن تشكيل قوات للتدخل السريع في المنطقة الجنوبية للبحر المتوسط وتضاربت في شأنها المواقف المغاربية . كذلك لم تكن البلدان المغاربية ـ ومازالت ـ غير قادرة على تكريس التنسيق لمجابهة استحقاق الشراكة مع بلدان الاتحاد الأوروبي سواء كانت في مؤتمر برشلونة الأوروبي المتوسطي الذي عقد في خريف عام 1995 والذي وضع أسس الشراكة المستقبلية أو في المؤتمرات اللاحقة في فاليتسا وباليرمو وشتوتجارت. مؤشرات ايجابية في مقابل هذه المؤشرات السلبية برزت مجموعة من المؤشرات الإيجابية يؤكد البعض أنها تُعد دلالة واضحة على إمكانية إحياء المشروع المغاربي فهناك اتصالات جارية لزعامات المنطقة تؤكد على استشعار أهمية التحرك لاستئناف ديناميكيات العمل المغاربي الذي أضحى ضرورة ملحة لأسباب عديدة أهمها تحقيق التوافق السياسي الإقليمي للتعامل الفاعل مع المعطيات الإقليمية والدولية الجديدة التي تواجهها المنطقة هذا فضلاً عن أن إحياء المشروع المغاربي سيسمح بتطوير آفاق التعاون والتكامل الاقتصادي الإقليمي المصاحب لسوق واسعة لمواجهة آثار وتداعيات العولمة الاقتصادية في ظل عالم يتجه نحو المزيد من التكتل, وفي ضوء هذا الإطار العام شهدت القاهرة في إبريل الماضي وعلى هامش أعمال قمة أوروبا أفريقيا عدة لقاءات ثنائية بين قادة الاتحاد المغاربي فضلاً عن لقاء رباعي ضم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والعاهل المغربي الملك محمد السادس والرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة والعقيد الليبي معمر القذافي ولم يحضر الرئيس الموريتاني حيث كان الرئيس الليبي لا يزال غير متفهم لخطوة التطبيع الموريتانية مع إسرائيل, وقد اعتبر البعض هذا اللقاء مؤشراً جيداً على دفع مسيرة الاتحاد المغربي, وبالإضافة إلى ذلك فقد شهدت الشهور القليلة الماضية جولات مكوكية قام بها موفدون رسميون من قبل بعض دول الاتحاد, حيث بدأت بمهمة قام بها مبعوث الملك محمد السادس وزير التعليم المغربي إسماعيل العلوي لدى الرئيس التونسي أوائل شهر يوليو الماضي أعقبها إرسال موفدين تونسيين إلى العواصم المغاربية فيما قام وزير الوحدة الأفريقية عبدالسلام التريكي في 21 يوليو الماضي بعقد اجتماعات مع كبار المسئولين التونسيين وقد تبادل الوزير قضية تنشيط الاتحاد المغاربي الذي من المفترض أن تتسلم ليبيا رئاسته من الجزائر بعد عقد القمة المرجأة منذ عام 1994 وتظهر ليبيا الآن حماسة لإنعاش الاتحاد الذي ترى فيه (رافداً ومكملاً ) لمشروع الاتحاد الأفريقي. وعلى جانب آخر فقد جاءت الجولات التي قام بها الموفدون التونسيون على عواصم المنطقة لتعكس رغبة جماعية بتحريك ملف الاتحاد بالرغم من الصعوبات التي تمر بها التسوية السلمية لقضية الصحراء المغربية, وقد رجح محللون آخرون أن يكون الهدف الأساسي من تلك الجولات هو السعي لترطيب الأجواء بعقد اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد رجحت بعض المصادر أن يتم في الخريف المقبل مما يشكل مقدمة لعقد القمة المغاربية. وبالإضافة إلى ذلك أشار البعض إلى أن هناك مؤشرات أخرى إيجابية لعل أهمها تلك الزيارة التي قام بها الرئيس التونسي زين العابدين بن علي إلى المغرب في مارس 1999 والتي شهدت مبادرة تونسية لتنشيط هياكل الاتحاد, أيضاً يعد الانفراج في قضية لوكربي مؤشراً إيجابياً على إمكانية عودة الاتحاد في ضوء العودة الليبية للساحة الدولية بعد تعليق ثم رفع الحصار عنها, وهناك أيضاً مؤشر آخر يتعلق باستضافة الجزائر لجنة المتابعة المغاربية التي عقدت أول اجتماعاتها في 17 مايو 1999 بعد انقطاع منذ عام ,1995 كما انعقد في تونس مؤتمر التنظيمات السياسية المغاربية في دورته الثانية التي جاءت بعد عامين من عقد دورة أولى في العاصمة الليبية طرابلس. وأخيراً تأتي المبادرة الأمريكية لإرساء شراكة مع دول المغرب العربي لتكون دافعاً وحافزاً لإحياء الاتحاد مما أعتبره البعض مؤشراً إيجابياً في ضوء اعتبار البعض أن ذلك يعد أهم مشروع استراتيجي لإرساء شراكة تكون منافسة للشراكة الأوروبية حيث تقوم هذه الشراكة على التعامل مع المغرب العربي (كوحدة اقتصادية واحدة) أو (كمنطقة للتعاون الاقتصادي) , بمعنى أن الإدارة الأمريكية ترغب في التفاوض مع البلدان المركزية المغاربية (المغرب - تونس - الجزائر), كما لو كانت طرفاً واحداً بل ذهبت إلى أبعد من ذلك حين أعلنت (نحن نأمل أن يشجع اتحاد المغرب العربي وغيره من هيئات التكامل الإقليمي على إزالة الحواجز بينها لأنها تحول دون ازدهار التجارة في صورة كاملة)