سبق لي الكتابة في موضوع (اعلان دمشق) اكثر من مرة, شارحا اهدافه, والظروف التي نشأ فيها, والعناصر التي ساهمت في تشكيله, والاغراض السياسية الاستراتيجية الكبرى التي اراد مهندسو الميثاق تحقيقها. وقد قلنا مرارا ان البعد الاستراتيجي لاعلان دمشق هو وضع أسس قوية وثوابت راسخة لنظام عربي جديد يخلف النظام الركيك الذي كان قائما قبل الغزو, والذي تهاوى بعد ان تنصلت بعض الدول العربية عن الالتزام بمبادىء الجامعة العربية, وميثاقها وأراد بعضها إدخال دول الخليج في دوامة من المقترحات البائسة التي ظاهرها عاقل وجوهرها قاتل مثل الحلول العربية, وتشكيل اللجان, كل ذلك على حساب شعب الكويت, ومن اجل اعطاء العراق مجالا للتهرب من المواجهة والمساءلة. حدث ذلك في مؤتمر وزراء خارجية الدول العربية ثم في القمة في اغسطس 1990. جاء اعلان دمشق بعد مخاض عسير عبر مفاوضات بين دول مجلس التعاون وسوريا ومصر, وقد اناب المجلس المملكة العربية السعودية للتفاوض مع القاهرة ودمشق للتوصل الى الصيغة المطلوبة. استمرت الاتصالات طوال فصل الاحتلال, وتوجت بإعلان عام على مبادىء ملزمة تسمح لاطرافها بالتنصل حسب الاهواء والمصالح, باعتبار ان هذه الاطراف الثلاثة (مصر, سوريا, مجلس التعاون), اوفت بمقتضيات ميثاق الدفاع العربي المشترك وساهمت في عملية عاصفة الصحراء. وهكذا تم الاجتماع الاول في مدينة دمشق في مارس ,1991 بعد تحرير الكويت ووقعت الاطراف المعنية على ميثاق الاعلان, الذي ينقسم الى ثلاثة مسارات, الاول السياسي, ويعني التشاور الدائم وتقريب المواقف, والسعي لصوغ مرئيات موحدة تجاه هذه القضايا السياسية, مثل مسيرة السلام, والوضع في العراق, والترابط التركي الاسرائيلي .. الخ. ومسار اقتصادي يدفع بدول مجلس التعاون وخاصة الكويت والمملكة العربية السعودية الى الاسهام في مشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مصر وسوريا. والمسار الثالث ثقافي واعلامي, ويتم من خلاله تبادل الخبرات والمعارض والزيارات الفنية. وقد اجمعت الاطراف على ترك المسار الأمني ليأخذ مجاله عبر التفاهم الثنائي ووقف حاجة الطرف الذي يريد. وقد شهد اعلان دمشق حالة من النشاط في السنوات الاولى ثم بدأ في الدخول في فترة بين تجاذب وبين احباط, من الوضع الجامد للاعلان, فقد خرج الوزير المصري عمرو موسى باتهام للاعلان بانه يمر بحالة من الترنح والانحسار, ويعلق الوزير السوري فاروق الشرع بما معناه بأن الاعلان غير مؤثر. ومع مرور الوقت, تباعدت اجتماعات الاعلان, وخبا الحماس للعمل من اجل تفعيل مقاصد الاعلان لاسباب كثيرة, اهمها التباين الواضح في مواقف الدول الاعضاء من مسيرة السلام, ومن الوضع في العراق, بالاضافة الى تباطؤ الدول في تطوير آلياتها الاقتصادية وقوانينها ولوائحها المالية لتفعيل الهدف الجوهري من الاعلان في جانبه الاقتصادي وهو تعزيز التعاون الاقتصادي وصولا الى تجمع اقتصادي يحقق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومنذ اجتماع القاهرة لدول اعلان دمشق في دورته السابعة عشرة, برزت احداث دفعت بالتباين في المواقف للظهور على السطح البارز في المنتديات الدولية لاسيما حول موضوعين اساسيين, هما كيفية التعامل مع الوضع في العراق, والموضوع الثاني اهمية تقييم مسيرة السلام في المنطقة, والدفع نحو نجاحها. وقد جاءت المقابلة التي اجرتها جريدة (الحياة) مع بعض وزراء خارجية اعلان دمشق خلال اجتماعات الجمعية العامة, مؤشرا واضحا على حجم الاختلاف, كما بينت الكلمات السياسية التي ألقاها الوزراء من مبنى الامم المتحدة على اتساع المسافات بين هذه الدول. في لقاء أجرته مراسلة (الحياة) في نيويورك مع الوزير المصري عمرو موسى, حول الشأن العراقي, يقول الوزير (ان الحصار الذي يخضع له العراق يجب ان ينتهي وان قرار مجلس الامن رقم 1284 بصيغته الحالية سيكون من الصعب تنفيذه), ويضيف (حالة الظلام في العراق غير مقبولة, كما ان من غير المقبول القول ان لامخرج من هذا الحصار الا عن طريق واحد هو القرار ,1284 المخرج ليس في الكلام الكثير الذي جعل من الصعب فهمه اساسا حتى يمكن تنفيذه). ومعنى هذا الكلام هو بذل الجهود من اجل اعطاء تفسير مبسط للقرار 1284 يغري العراق بقبوله, حيث يرى الوزير المصري بأن القرار في وضعه الحالي, صعب الفهم والهضم ولا يوجد فيه ما يجعل العراق مرتاحا للتعاون معه. في خطاب للوزير السوري فاروق الشرع امام الجمعية العامة للامم المتحدة يدعو الوزير السوري إلى رفع الحظر عن العراق, دون ان يربط ذلك باطار تنفيذ قرارات الشرعية الدولية, ويعتقد بأن العراق أوفى بمتطلبات ازالة الحظر, ثم يدعو الى الحوار بين الكويت والعراق لايجاد صيغة مقبولة لقضية الاسرى, وهو اقتراح خيالي وغير واقعي, ولم يتم التشاور حوله مع الطرف المعني. وهو موقف لا يستقيم مع الالتزام بقرارات الشرعية الدولية, ويشكل حالة سورية متبرمة من الوضع الدولي تجاه العراق, كما يعبر هذا الموقف عن منظور سوري يرى في العراق الحالي, مجالا للتنمية الاقتصادية, ومجالا للاستفادة من العمق العراقي في حالة استمرار الجمود حول المسار السوري ـ الاسرائيلي. ويقول الوزير راشد بن عبدالله, وزير خارجية دولة الامارات في لقائه مع جريدة (الحياة) , خلال تواجده في نيويورك, بأننا نقدر ظروف العراق الصعبة ونتفهم حدتهم في اختيار الكلمات واندفاعهم نحو تأزيم المواقف, ولا نلومهم لان ظروفهم صعبة. بينما يدعو الوزير السعودي نزار مدني العراق الى التعاون مع مجلس الامن من اجل تنفيذ القرارات واظهار حسن النوايا عن طريق قبول القرار ,1284 وايجاد مخرج للاسرى الكويتيين, والعمل بجدية للخروج من المأزق الحالي. خلال اجتماع المجلس الوزاري لدول مجلس التعاون في جدة في بداية شهر سبتمبر الجاري, صدر البيان الصحفي الذي يشير الى افكار ومقترحات قطرية تتعامل مع الوضع في العراق من اجل رفع العقوبات تعبيرا للمشاعر تجاه معاناة الشعب العراقي, هذه المقترحات تدرسها دول المجلس ثم ترسل ملاحظاتها على هذه المقترحات فيما بعد, وجاء خطاب قطر في الجمعية العامة بنفس النهج, الذي يتحرك من شعور بأن المعاناة تجاوزت المعقول. وفي حديث آخر لجريدة الحياة, مع الوزير العماني يوسف العلوي المسئول عن الشئون الخارجية, يقول الوزير في لقائه في العدد الصادر يوم الخميس 21 سبتمبر الجاري, (بأن الوضع الذي يعيشه العراق مأساوي, ويجب ان ينتهي, نحض جميع الاطراف بمن فيها العراق على انه لابد من جهد لانهاء هذا الوضع, فبعد عشر سنوات لم يعد مقبولا ان يستمر هذا الوضع, لان العقوبات اصبحت مضرة للعراق, بصرف النظر عن الخلافات بين الحكومات, وعمن هو مصيب ومن هو خاطىء) . ويتابع حديثه (على الاقل واجبنا ان نطالب بانهاء العقوبات, لكن مفتاحها ليس في يدنا, بل في مجلس الامن الذي يضم مجموعة من الدول الدائمة العضوية, لها مصالح متفرقة احيانا تكون متعارضة وما نستطيع فعله ان ننصح من لنا علاقة به لان هذا الوضع غير مفيد, ولان ما يهم المجتمع الدولي الا تبقى في العراق اسلحة دمار شامل). مواقف متباينة, بين الذين يصرون على مسئولية حكومة العراق تجاه معاناة شعب العراق, وبين الذين لايرون وضع اللوم على احد, وانما يريدون رفع العقوبات لانها وصلت الى الحد المأساوي, وبين الذي يريدون رفع العقوبات لان العراق نفذ التزاماته. وفي نفس التوجه, عقد بعض وزراء خارجية دول في مجلس التعاون ((قطر, وعمان) اجتماعا في بعثة قطر, ضم طارق عزيز عن العراق, والوزير المصري عمرو موسى, والسوري فاروق الشرع, والاردني والتونسي), وقد جاء في رد الوزير العماني عن هذا الاجتماع, بأن ما حدث كان مجرد لقاء بين الوزراء, وتحدثنا عن كل شيء, العراق موقفه واضح فيما يتعلق بعلاقته مع مجلس الامن, وقرارات المجلس, واعتقد بأن العراق يهمه قبل غيره ان يرى مخرجا لعلاقاته مع الامم المتحدة, يخدم الامن والاستقرار في المنطقة. واذا كان هذا الحال في الاختلاف حول العراق, فماذا يكون الموقف تجاه مسيرة السلام؟ دعا الوزير السوري فاروق الشرع الى التنفيذ الكامل لقرارات الشرعية الدولية التي ترتكز على مرجعية مدريد والارض مقابل السلام, وشكك في نوايا اسرائيل, وانتقد الاتصالات التي تجري خارج اطار الشرعية الدولية, في نقد واضح للسلطة الفلسطينية. بينما ركز الوزير المصري في خطابه ولقاءاته على حق الفلسطينيين في السيادة على اراضي ,1967 مع دور مصري واضح في الدفع نحو تحقيق اتفاق ايجابي متكامل يصمد امام هزات التاريخ ويمكن القول ان الموقف المصري قريب جدا من دول مجلس التعاون الملتزمة بمسيرة السلام كخيار استراتيجي كما جاء في قرار القمة العربية ,1996 بينما تتخوف سوريا من اساليب ونوايا ياسر عرفات. من الواضح ان تصورات دول اعلان دمشق تأثرت وفق مصالح كل دولة, فهناك تباين حول مسيرة السلام, لاسيما بين الفريقين المصري والسوري, وتباين كبير حول الشأن العراقي بين كل من الكويت والمملكة العربية السعودية من جهة, وبين باقي دول مجلس التعاون, وبين كل من سوريا, ومجموعة دول المجلس, وهناك انعدام التنسيق بين هذه الدول لسبب غياب آليات تنفيذ الاهداف. ماهو العلاج لهذا الوضع المسكون بالتردد والاضطراب, وماهي مسببات الهموم التي عرقلت الشراكة بين دول الاعلان؟ من المؤكد بأن انعدام آلية التنفيذ, وانعدام الضخ الديناميكي الذي يرفع حجم الاداء, والخلاف حول الاولويات كلها عوامل ساعدت في المسيرة السلحفاتية, فضلا عن الشعور بأن اخراج الجانب الامني في الاعلان حوله الى لقاءات تشاورية, سياسيا مفيدة لكنها لا ترقى الى التوقعات التي جاءت مع ولادة الاعلان. الشراكة المضطربة متعبة للجميع, ولابد من ازالة عناصر الاضطراب فيها. بقلم: عبد الله بشارة