قنبلة اللاجئين على وشك الانفجار في سياق عملية التفاوض الجارية على قدم وساق بين الفلسطينيين والاسرائيليين, بيد ان انفجارها لن يقف عند حدود الرفض الاسرائيلي لعودة اللاجئين الفلسطينيين بل يمتد الى ماهو اخطر.. اي مطالبة اسرائيل بتعويض اللاجئين العرب اليهود. الحكومة الاردنية اعدت دراسة مفتوحة وحساسة حول هذا الموضوع, وذلك عبر وزارة الاعلام, وقد حصلت (البيان) على نسخة منها, وتأتي هذه المذكرة في الوقت الذي تتواصل فيه التفاعلات حول قضية اللاجئين خصوصا في فلسطين ثم في الساحات العربية التي تحوي عددا كبيرا من اللاجئين كالاردن التي تحوي العدد الاكبر فلبنان وسوريا. وتبدو الساحة الاردنية, هذه الايام, منشغلة بقضية اللاجئين , وتتجلى قمة التباين في المواقف بين تلك اللجان الساعية ليل نهار في مخيمات اللاجئين التأكيد بحق العودة, وما بين ذلك التيار الذي يطالب بمنح الاردنيين من اصل فلسطيني ـ اللاجئين ـ كامل حقوقهم باعتبارهم مواطنين اردنيين. اللاجئون حكاية فسيفسائية تمتزج فيها المشاعر الانسانية بالمصالح والصراع المستمر منذ عقود بين العرب واليهود. صندوق دولي وفي مقابلة اجرتها القناة الاولى للتلفزيون الاسرائيلي مع الرئيس الامريكي اواخر شهر يوليو الماضي, قال بيل كلينتون: انه ينوي المبادرة لاقامة صندوق دولي يعوض من خلاله اليهود الذين غادروا الدول العربية التي كانوا يقيمون فيها بعد الاعلان عن دولة اسرائيل عام ,1948 والذين تركوا وراءهم ممتلكاتهم وثرواتهم ليفهم ضمنا من هذا التصريح وجود عملية ربط بين التعويضات التي ستدفع للاجئين الفلسطينيين عن الممتلكات التي تركوها او تمت مصادرتها في المناطق التي اصبحت فيما بعد دولة اسرائيل, وبين الخسائر التي لحقت باليهود العرب لغايات تعويضهم عن الممتلكات التي خلفوها وراءهم, وليتضح من هذا التصريح كذلك ان هناك توجها رسميا من الادارة الامريكية الحالية لان تحصل اسرائيل على مكاسب اضافية وتعويضات حقيقية قد تفوق في مجموعها التعويضات التي تلقتها اسرائيل من عدد من الدول الاوروبية طيلة السنوات الماضية بحجة ان لهذه الدولة ممارسات تاريخية معادية للسامية. فكرة طارئة يبدو ان هذا التصريح للرئيس الامريكي هو نتاج فكرة طارئة او ورقة ضغط جديدة تمارس على الجانب الفلسطيني الهدف منها تعزيز الموقف الاسرائيلي في المفاوضات حول موضوع اللاجئين بشكل عام. غير ان هذا الطرح وبهذه الكيفية هو طرح قديم تم الاعداد له وبلورته طيلة فترة النزاع العربي ـ الاسرائيلي فقد عمل السياسيون والمفكرون الاسرائيليون لمدة تقارب الخمسين عاما على ترسيخ هذه الفكرة لتظهر اسرائيل امام الرأي العام في المجتمع الاسرائيلي اليهودي المنتشر في مختلف انحاء العالم مدى الحرص والاهتمام اللذين توليهما دولة اسرائيل للجاليات اليهودية المقيمة في مختلف الدول وتحديدا في الدول العربية. اما الهدف غير المعلن لهذا المخطط, فهو استخدام قضية اللاجئين اليهود بكل خلفياتها وحيثياتها التاريخية المفتعلة في مرحلة مستقبلية كوسيلة لاقتطاع مطالب الفلسطينيين سواء في مسألة التعويض المادي او في مسألة المطالبة بحق العودة للفلسطينيين للاماكن التي خرجوا منها عام ,1948 وبذلك يكون لدى المفاوض الاسرائيلي ملفات متعلقة باللاجئين اليهود اسوة بالمفاوض الفلسطيني الذي يعد ملفات خاصة بلاجئيه, ويأتي هذا الطرح متفقا مع الذهنية الاسرائيلية المستندة على التخطيط والاعداد المسبق لكل الاحتمالات قبل وقوعها بفترة طويلة. هذه الدراسة تتبعت الخلفية التاريخية لقضية التعويضات للاجئين (الفلسطينيين, اليهود) اضافة للمواقف المعلنة والحقيقية لكلا الطرفين تجاه, هذه القضية, وذلك استنادا لعدد من الوثائق السياسية المتعلقة بهذا الشأن. الموقف الاسرائيلي يمكن تلخيص الرؤية الاسرائيلية لمشكلة اللاجئين على النحو التالي: * ان قضية اللاجئين الفلسطينيين قد وجدت بسبب الدول العربية التي شنت حربا على اسرائيل لاحباط خطة التقسيم, فتسببت هذه الحرب بالدمار للفلسطينيين الذين تركوا اراضيهم بناء على طلب من هذه الدول وبعد انتهاء الحرب كرست الدول العربية ازمة اللاجئين من خلال رفضها استيعابهم كمواطنين حقيقيين, وابقتهم في مخيمات خاصة بهم ولم تعمل هذه الدول على اعادة تأهيلهم ضمن المجتمعات الجديدة التي التحقوا بها ولهذا فانها غير مسئولة عن مأساته. * ان مشكلة اللاجئين الفلسطينيين موازية تماما لمشكلة اللاجئين اليهود من الدول العربية, فكلاهما ترك وراءه املاكا وثروات, وان اسرائيل استوعبت عددا من اليهود العرب يوازي العدد الذي استوعبته الدول العربية من اللاجئين الفلسطينيين, اي ان العملية في نهاية المطاف لا تعدو اكثر من كونها عملية تبادل للسكان. انها قضية انسانية اكثر منها قضية حقوق معترف بها دوليا. بعيد الاعلان عن قيام دولة اسرائيل وضع كبار السياسيين فيها خططا اساسية الهدف منها طرد اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين وابعادهم عن ارضهم, واتخاذ سلسلة من الخطوات الهادفة الى تحسين موقف دولتهم الناشئة من حيث عدد السكان اليهود. فبدأت اسرائيل بتشجيع كل اشكال الهجرة اليهودية اليها, وتحفيز الجاليات اليهودية المقيمة في مختلف انحاء المعمورة ومن بينها الدول العربية على الهجرة الى فلسطين. ولتحقيق هذه الغاية تم اتباع مختلف الاساليب والطرق لدفع هذه العملية الى الامام. ومن بين هذه الاساليب تنفيذ عمليات ارهابية استهدفت مواقع يهودية في العديد من الدول العربية لحملهم على ترك اوطانهم التي عاشوا فيها منذ مئات السنين. وقد صورت اسرائيل فترة اواخر الاربعينيات واوائل الخمسينيات في الدول العربية على انها فترة مليئة بالعنف والارهاب الموجه من قبل هذه الدول للجاليات اليهودية التي تعيش فيها, وان خسائر جسيمة لحقت بهذه الجاليات نتيجة مصادرة املاكهم وثرواتهم او نتيجة لتلك التي تركوها خلفهم فرارا من العنف. خطط تكتيكية ولتحسين الموقف الاسرائيلي تجاه موضوع التعويضات بحيث يبدو هذا الموقف للعالم وصناع القرار مقنعا ومطلبا عادلا, كان لابد من اتخاذ خطوات اساسية واعتماد خطط تكتيكية لهذا الغرض, فبعد اعلان دولة اسرائيل, نشطت الحركة الصهيونية لتهجير معظم افراد الجاليات اليهودية الموجودة في الدول العربية وخاصة تلك المقيمة في العراق. حيث بدأت (الهاجاناه) بتهريب السلاح الى العراق وقامت حركة (الرواد البابليين) وهي واحدة من الحركات الصهيونية الموجودة في العراق بتدريب الشباب اليهود على استخدام السلاح, كما شهدت بغداد في الفترة 1950 ـ 1951 سلسلة من التفجيرات والعمليات الارهابية ضد المراكز اليهودية التي ثبت فيما بعد علاقة اسرائيل بها. ان مثل هذه الاحداث دفعت قسما من يهود العراق الى الهجرة لاسرائيل. الا ان القسم الاكبر لم يكن راغبا في المغادرة مما دفع بالحركة الصهيونية الى تصعيد هذه العمليات, فقامت بتفجير المراكز التى انشأتها السلطة العراقية من اجل تسجيل اسماء اليهود الراغبين في الهجرة, وكان على اليهودي الراغب في الهجرة ان يوقع على نص الوثيقة التالية: (اعلن بمحض ارادتي انني قررت مغادرة العراق نهائيا, مع ادراكي ان ذلك سيؤدي الى حرماني من المواطنة العراقية, ويؤدي الى ابعادي عن العراق, ويحرمني من العودة اليه نهائيا) . وفسر سماح العراق للجالية اليهودية بمغادرة البلاد والهجرة الى فلسطين على انه جاء نتيجة ضغط سياسي مارسته بريطانيا على العراق بهدف تقوية اسرائيل) . اسرائيل ويهود العراق وقد نشرت مجلة (هعولام هزيه) الاسرائيلية في عددها الصادر بتاريخ 29/5/1966 حقائق واعترافات مذهلة عن الاساليب التي اتبعتها السلطات الاسرائيلية ضد يهود العراق لحملهم على الهجرة الى فلسطين, ومن ضمنها قضية سلسلة المتفجرات التي القيت على مراكز يهودية في بغداد سنة 1951 واطلق عليها (العمل المشين) . حيث تصدر غلاف المجلة عنوان (متفجرات ضد اليهود) ومما جاء في هذا التحقيق الصحفي (ان قضية من هذا النوع لا يمكن ان يلفها الصمت, فقد كان الناس مضطرين للكشف عنها, وفعلا راح بعضهم يتكلم وقام البعض بالكشف عنها ليريحوا ضمائرهم وليزيلوا عن كاهلهم الاتهامات الخطيرة. وكان احد الذين قابلتهم المجلة وزير الدفاع (بنحاس فون) الذي اجاب على اسئلة المجلة بقوله: اثناء مزاولتي لمنصب وزير الدفاع سمعت شيئا عن فضيحة بغداد ولكني لا استطيع ان ارويه عن يقين وان اكشف المزيد .. كانت الفضيحة في العراق لم ادرس القضية ولم اطلع عليها .. وقد سبق لي في احدى المناقشات حول فضيحة الامن التي نسبت الي ان قلت: ان هناك فضائح سابقة, وكنت اقصد بذلك اشياء اخرى, اما بن جوريون فقد حاول ان ينكر كل علاقة له بالفضيحة لكنه لم ينف الحقائق وعلاقة اسرائيل بالاحداث الموجهة ضد اليهود. وحين وقوع هذه العمليات صور السياسيون الاسرائيليون, ما يجري في العراق على انه مذبحة جماعية اخرى ضد اليهود, وان الاملاك التي تركها اليهود وراءهم لابد ان يقدم العرب لهم تعويضات مناسبة عنها, فبعد ان انتهت عملية هجرة اليهود من العراق الى فلسطين, وقف وزير الخارجية موشي شريت امام الكنيست وقال: ان حكومة اسرائيل ترى بهذه القضية استمرار للسياسة القمعية ضد الاقليات البريئة, واضاف : ان قيمة الاملاك اليهودية في العراق سنستردها من التعويضات التي التزمنا بدفعها للعرب الذين تركوا املاكا في اسرائيل, واجرت اسرائيل بناء على ذلك, في الخمسينيات تسجيلا لاملاك اليهود في الدول العربية ليس من اجل المطالبة بتعويضات لهم في تلك المرحلة, بل من اجل اعداد قائمة المطالب الاسرائيلية تجاه الفلسطينيين حين يحين الوقت. وقد رفض مناحيم بيجن خلال اتفاقية كامب ديفيد 1978 النظر في مطالب الورقة اليهودية في استعادة الممتلكات الخاصة باليهود من مصر, ذلك لانه اراد الاحتفاظ بهذه الورقة للمفاوضات حول التسوية النهائية مع الفلسطينيين وفي المنطقة وبالفعل ففي عام 1996 فتحت اسرائيل ملف املاك اليهود في مصر وعرضت عبر القنوات الدبلوماسية مطالب الورقة اليهودية في استعادة الممتلكات الخاصة بهم, وبررت ذلك بحقها في الدفاع عن مصالح مواطنيها, وفي المقابل اعدت الادارة القانونية في وزارة الخارجية المصرية ملفا يتضمن 71 حالة صدرت لمصلحتها احكام قضائية بأحقيتها في ممتلكات باسرائيل. ومن ضمن الجهود الاسرائيلية العديدة في المطالبة بالاستحقاقات التاريخية المترتبة على هجرة اليهود الى فلسطين اواسط القرن الماضي, وهي جهود تسعى بالدرجة الاولى الى عرض الرؤية الاسرائيلية والتعامل على انها حقيقة تاريخية لا ترقى اليها الشكوك, ومن ثم تثبيت هذه الرؤية وتعميقها بشكل خاص في اذهان صانعي القرار في الادارات الغربية وخاصة لدى صانع القرار الامريكي. ومن ضمن هذه الجهود الدراسة التي قدمها موردخاي بن بورات الى الرئيس الامريكي السابق جورج بوش عام ,1992 والتي عرض خلالها الاسباب التي فرضت وجود ما يعرف بـ (تكتل المهاجرين اليهود في العالم العربي) فيقول: ان رفض العرب الاعتراف باسرائيل عام 1948 ادى الى وجود لاجئين فلسطينيين ويهود في الوقت ذاته, كما ان تهديد مندوب مصر في الجمعية العامة اثر صدور قرار التقسيم, ادى الى حصول مجازر جماعية ضد اليهود في الاقطار العربية, ونتج عن هذه التهديدات حالة من الذعر ادت الى هرب 850 الف يهودي خلال عشرين عاما, فمن سوريا غادر 45 الفا ولم يبق منهم سوى 4500 تركوا خلال السنوات الثلاث الماضية. ومن اليمن هاجر الى اسرائيل 71 الف يهودي عام 1949 ولم يبق فيها اكثر من 1200 ومن العراق غادر 125 الف يهودي عام ,1951 ومن ليبيا هرب 40 الفا, ومن لبنان هاجر 20 الفا اثر اندلاع حرب ,1967 ومن الجزائر رحل 150 الف يهودي لم يتركوا وراءهم اكثر من 5 الاف, اما تونس قد هاجر منها 110 آلاف مع بقاء 3500 استمروا حتى عام ,1987 ومن المغرب هاجر 300 الف واستمرت الجالية اليهودية بعدد لا يزيد على سبعة آلاف, وعام 1948 كان عدد اليهود في مصر 76 الفا لم يبق منهم سوى 200 عام ,1984 وقدر موردخاي في دراسته الاراضي والمنازل التي تخلى عنها اليهود في الدول العربية بانها تعادل مساحة فلسطين تقريبا, وان الاموال والمجوهرات التي صودرت يقدر ثمنها في تلك الفترة بعشرة مليارات مارك الماني. اليهود والعرب كما قدرت دراسة اجرتها المنظمة العالمية لليهود في الاقطار العربية (WOJAG) واللجنة الامريكية ان مبلغ 88.10 مليارات دولار (قيمة الدولار عام 1986) قد انفق خلال الفترة 48 ـ 86 على خدمات نقل واستيعاب واسكان وتشغيل المهاجرين اليهود الذين قدموا الى اسرائيل من الدول العربية هربا من العنف والارهاب. وطرح موضوع ربط التعويض بين الطرفين الفلسطيني واليهودي مجددا في عهد رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو, ففي اطار الاستعدادات للمفاوضات حول التسوية الدائمة بدأ الفلسطينيون يجمعون معلومات حول الاملاك التي تركها فلسطينيو عام ,1948 وفي مكتب رئيس الحكومة قرر الاسرائيليون شن حملة مضادة للمطالب الفلسطينية, وتشكلت لجنة عرف باسم (اللجنة الدولية ليهود الدول العربية) التي بدأت بتوزيع الاستمارات على اليهود في مختلف انحاء العالم, لتعبئتها بمعلومات مفصلة عن الاملاك التي تركوها في الدول التي جاءوا منها, وخرجت اللجنة بتعديلات اولية عن حجم الخسائر التي لحقت باليهود العرب حيث تم تقدير خسائر اليهود جراء هجرتهم من العراق بـ 100 مليار دولار, ويهود مصر بـ 60 مليار دولار, وتحدث التقرير عن ارقام مماثلة تقريبا كتعويضات لكل من يهود لبنان وسوريا, ليبيا, تونس, المغرب, الجزائر, اليمن, بحيث يصل المبلغ الاجمالي للتعويضات حوالي الالف مليار دولار, وهو رقم يفوق الارقام التي تتحدث عنها السلطة الفلسطينية كتعويضات لرعاياها, والاخطر من ذلك ان هذه الارقام التي تدعيها اسرائيل تشمل بندا واحدا فقط الا وهو التعويض عن الممتلكات التي تركها اليهود في الدول العربية, وهو ما يعني ان الرقم سيتضاعف وفق التقديرات الاسرائيلية الموجهة, والتي يؤكد الخبراء انها تستخدم كسلاح في وجه الدول العربية, وخصوصا السلطة الفلسطينية باعتبارها الجهة العربية الوحيدة التي اعدت دراسات وخلصت الى ارقام محددة وتتحدث بقوة عن مطالبات بالتعويض. اما بنيامين نتانياهو فقد تبنى فكرة التبادل السكاني بين اليهود والعرب الفلسطينيين, وطرح هذه الفكرة في كتابه (مكان تحت الشمس) على النحو التالي: ولكن لا يمكننا معالجة مسألة اللاجئين العرب عام 1948 دون ان نأخذ بالحسبان عددا مماثلا من اللاجئين اليهود الذين طردوا في ذلك الوقت من الدول العربية, فقد انفقت الدولة اليهودية التي كانت آنذاك في مهدها, مبلغ 2.1 مليار دولار لاستيعاب مئات الآلاف اللاجئين اليهود الذين قدموا من الدول العربية. في حقيقة الامر جرت هنا عملية تبادل سكاني بين الدول العربية ودولة اسرائيل. العرب هربوا خوفا من الحرب, ينما طرد اليهود من الدول العربية في اعقاب تلك الحرب, لقد حدث تبادل سكاني مرات عديدة خلال القرن الحالي, ثم تبادل ملايين الناس بين بلغاريا وتركيا عام 1919 وبين اليونان وتركيا عام 1922 وبين الهند والباكستان عام 1948 . واستكمالا للجهود الحكومية في هذا الشأن خلال فترة رئاسة بنيامين نتانياهو, فقد صدر عن المكتب الصحفي الحكومي الاسرائيلي عام 1996 دراسة تفصيلية متخصصة حول موضوع اللاجئين والرؤية الاسرائيلية لهذه المشكلة, تناولت الدراسة في القسم الاكبر منها موضوع اللاجئين اليهود من الدول العربية والاسلامية الذين تدفقوا على اسرائيل منذ مايو 1948 في عملية هجرة جماعية وبشكل لم يشهد العالم الحديث له مثيلا, فيما اعتبرته النشرة بأن دولا اغنى واقدم كانت ستنكمش من هذا التدفق رعبا, وعرضت الدراسة وصفا لتجربة الجاليات اليهودية في 12 بلدا عربيا واسلاميا. وتعليقا على المعلومات الواردة في تقرير المكتب الصحفي الرسمي لاسرائيل وتركيزه على موضوع الاضطهاد الذي لاقاه اليهود في الدول العربية وتحديدا في دول المغرب العربي والعراق, نذكر بالحقائق التاريخية الآتية: المغرب العربي يرجع عهد الجالية اليهودية في بلاد المغرب العربي الى اواخر القرن الخامس عشر حين نزح اليهود عن اسبانيا عام 1492 هربا من محاكم التفتيش التي كانت تطارد المسلمين واليهود آنذاك, وقطن عدد كبير من اليهود في المدن المغربية ومارسوا نشاطهم (التجاري) والتحقوا بانواع مختلفة من الحرف والمهن الحرة, الامر الذي ادى الى تعاظم نفوذهم ولفترات تاريخية طويلة وحين استعمر الفرنسيون الجزائر والمغرب وتونس اقام اليهود علاقات قوية مع الفرنسيين بل انحازوا بالكامل الى القوات الفرنسية وكانوا من اوائل المرحبين بهذه القوات, وصور اليهود انفسهم للفرنسيين على انهم كانوا ضحايا للمجتمعات العربية التي كانوا يعيشون بينها, وعند ايام الثورة الجزائرية دعت جبهة التحرير الجزائري يهود الجزائر في رسالة مؤرخة يوم 2/5/1956 الى الالتحاق بالثورة ووصفتهم بالمواطنين الاعزاء, وعلى الرغم من تورط عدد كبير من اليهود مع ارهابيي المنظمة المسلحة السرية المعروفة بـ (سود) وقيام هذه المنظمة بعمليات عنف ضد السكان الجزائريين الا ان الثورة عزمت وبعد اعلان الاستقلال عام 1962 على فتح صفحة جديدة مع اليهود وطالبتهم بالبقاء باعتبارهم مواطنين جزائريين, غير ان اليهود اخذوا يجمعون حاجياتهم وممتلكاتهم لكي يرحلوا مع القوات الفرنسية. اما في المغرب حيث كانت تعيش اكبر جالية يهودية فقد اتبعت نفس النهج في تعاملها مع المجتمع المغربي بعد دخول القوات الفرنسية الى المغرب وعندما تشكلت في فرنسا حكومة موالية للنازيين عرفت باسم حكومة فيشي, طلبت هذه الحكومة من اليهود المغاربة تقديم قوائم بممتلكاتهم بغية مصادرتها, الا ان الملك المغربي محمد الخامس احتج لدى الحكومة الفرنسية وطالبها بالغاء تلك الاجراءات, التي وصفها بانها تعسفية وتدخل شخصيا لحماية الجالية اليهودية ضد الاجراءات الفرنسية. ويلخص الحاخام الاكبر موريس ازينث والذي احتل منصب الحاخام الاكبر من الثلاثينيات حتى الخمسينيات وضع اليهود في المغرب العربي حيث يقول: لم يكن اليهود ضحايا لاي صورة من صور القمع او اي معاملة استثنائية بل كانوا يتنفسون بحرية, وكان بامكانهم التنقل بكل امان فعاشوا في سلام ينعمون بحياتهم الخاصة ويسيرون اعمالهم. اما عن وضع اليهود في العراق فنكتفي هنا بالاشارة الى شهادتين: * في شهر نوفمبر 1934 ارسل السيرف, همفري السفير البريطاني في بغداد برقية سرية الى وزير الخارجية البريطانية تتعلق باوضاع الجالية اليهودية في العراق, ومما جاء في البرقية: ان الجماعة اليهودية في العراق تتمتع بوضع موات اكثر من اية اقلية اخرى, وليس هناك أي عداء طبيعي بين اليهود والعرب. * من ضمن الدلائل التي استندت اليها مجلة (هعولام هزيه) في الكشف عن مسلسل الارهاب الاسرائيلي الموجه ضد اليهود في العراق, شهادات مهاجرين يهود بالاضافة الى شهادات لمشتركين في عمليات العنف الموجهة ضد اليهود ومن ضمن هذه الشهادات اقوال مردخاي ليفي, المهاجر اليهودي من العراق حيث قال: ان الاتهام الموجه الى المحكمة العراقية بانها استغلت القضية حتى النهاية للتنكيل باليهود كما دعى بذلك بن فرات عضو الكنيست وهو الذي قاد التنظيم السري الاسرائيلي في العراق آنذاك في مقابلته الصحفية مع جريدة (يديعوت احرونوت) هو ادعاء متناقض ومفضوح, لقد ادعى ان ادانة اعضاء التنظيم الذين تم القاء القبض عليهم من قبل الحكومة العراقية استندت الى افادات ملفقة, وكرجل كان على دراية واطلاع في شئون المحاكم العراقية اقول اني اعارض هذه الادعاءات. ومن بين الذين اشتركوا في عمليات العنف يهودي يدعى (شاشون صديق) حيث قال عن تجربته في المحاكم العراقية: ان جلسات المحكمة كانت علنية وحضرها مراسلو الصحف المحلية والاجنبية ونشرت الصحف حيثيات الحكم واثبتت المحكمة ان المتفجرات وضعت من قبل اعضاء التنظيم السري الاسرائيلي بعد بث موجة من الرعب ضد يهود العراق وارغامهم على الهجرة الى فلسطين. الرؤية الفلسطينية تعتبر السلطة الفلسطينية ملف اللاجئين مضافا اليه ملف القدس من اكثر الملفات سخونة وحيوية في مفاوضات الوضع النهائي, ويمكن تلخيص الرؤية الفلسطينية لمشكلة اللاجئين على النحو التالي: * يؤكد الجانب الفلسطيني اثناء مفاوضاته في هذا المسار على البعد القانوني والمرجعية الدولية التي قضت بحق العودة والتعويض. ومن الاهمية مكان الاشارة هنا الى ان الامم المتحدة كانت قد اصدرت العديد من القرارات التي تؤكد الحقوق الفلسطينية في العودة كحق ابدي للانسان الفلسطيني, وجاءت هذه القرارات تأكيدا وعطفا على القرار الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة في 11/12/1948 والذي يحمل رقم (194), ومما جاء في هذا القرار: (وجوب السماح للاجئين الراغبين في العودة الى ديارهم بان يفعلوا ذلك في اقرب وقت ممكن عمليا, ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة, وتوعز (الجمعية العامة) الى لجنة التوفيق لتسهيل اعادة اللاجئين وتوطينهم من جديد, واعادة تأهيلهم اقتصاديا واجتماعيا ودفع تعويضات لهم) . * استنادا للمرجعية الدولية, تطالب السلطة الفلسطينية بتنفيذ حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذين هاجروا قسرا من فلسطين عام ,1948 حيث بلغ التقدير الاجمالي لهم آنذاك من 150.714 ـ 150.744 الف لاجىء, اما التعداد الحالي لهم وفق احصائيات وكالة الغوث الدولية عام 1999 فهو000.574.3 مليون لاجىء, على اسرائيل ان تقر وتعترف بمسئوليتها الاخلاقية بانها طردت وشردت آلاف الفلسطينيين بالقوة والارهاب واتباعها لسياسات القهر والابعاد القسري عن ممتلكاتهم نتج عنها اوضاعا انسانية مأساوية عاشها اللاجئون الفلسطينيون اكثر من 52 عاما. * حق التعويض المادي لمن لا يريد العودة الى ارضه وممتلكاته, حيث تم تدمير اكثر من 418 قرية عام 1948 وبقيت اراضي الفلسطينيين في حوزة (هيئة اراضي اسرائيل) نتيجة تطبيق قانون املاك الغائبين, فمنذ عام 1948 سنت اسرائيل عدة قوانين لها علاقة مباشرة بالاراضي الفلسطينية, فوضعتها اولا تحت وصاية الحارس على املاك الغائبين, وعرف الغائب بانه كل شخص غير يهودي غير موجود في مكان اقامته المعتادة في يوم معين, وهي الايام التي كان يجري فيها الاحصاء, فلم تشمل هذه القوانين اللاجئين فقط بل والعرب الذين كانوا لحظة التعداد متواجدين في قرى مجاورة, وهم الذين اطلق عليهم فيما بعد (الحاضرين الغائبين) كما استولت اسرائيل على معظم املاك الوقف الاسلامي ما عدا القليل منها, وحولت هذه الاملاك الى (ادارة اسرائيل للاراضي) . وفي شهر يوليو الماضي تقدم 53 عضوا في الكنيست بمشروع قانون لتحويل ملكية 4 ملايين دونم قيمتها حوالي 60 مليار دولار الى 30 الف شخص هم سكان الكيبوتزات, وتمثل هذه الاراضي 80% من املاك اللاجئين المسجلة. وترى السلطة الفلسطينية في هذا المشروع ان تحقق انتهاكا واضحا للقانون الدولي وقرارات الامم المتحدة, ومن شأنه ان يضع عقبات جديدة امام استعادة الاملاك للفلسطينيين. ووفق الوثائق الفلسطينية, فان اللاجىء يستحق اربعة انواع من التعويضات هي: * التعويض عن الخسائر المادية الفردية, والتي تشمل السلب والنهب والتدمير, اضافة الى التعويض عن استغلال العقار مدة خمسين عاما, وتستند الوثائق الفلسطينية على ما اكده قرار الامم المتحدة الصادر في 5/12/1998 رقم 52/,644 والذي يشير الى حق اللاجئين في الحصول على عوائد ممتلكاتهم منذ عام 1948. * التعويض عن الخسائر المادية العامة ( طرق, موانىء, مياه, غابات.. ) وكذلك جراء استغلالها طيلة الفترة الماضية. * التعويض عن الخسائر المعنوية الفردية وتشمل التشرد, انفصال الاسر, المعاناة النفسية جراء التعذيب. * التعويض عن الخسائر المعنوية العامة وتشمل فقدان الهوية والوثائق, والطرد, والتطهير العرقي. وتقدر وثائق السلطة الفلسطينية قيمة الخسائر التي تندرج تحت هذه الابواب حوالي 562 مليار دولار كتقدير مبدئي مع استثناء بعض البنود التي لا تزال غير خاضعة للتقدير, بينما تتجاوز القيمة الحقيقية للتعويضات التي يجب ان يحصل عليها الشعب الفلسطيني, وفق عدد من الدراسات والتقارير 600 مليار دولار. اما الطروحات الاسرائيلية القائمة على التخوفات من البعدين الديمغرافي والجغرافي الناتجة عن عودة اللاجئين الى اراضيهم وممتلكاتهم وتصوير هذه العودة وكأنها قنبلة بشرية موقوتة تهدد امن اسرائيل, فان المفاوض الفلسطيني يؤكد ان عودة ثلاثة ملايين ونصف مليون, هذا على فرض عودتهم جميعا, نصف مليون, فان هذه العودة لن تؤثر على امن اسرائيل وبقائها ولن يتم احداث خلل حقيقي على بنية المجتمع هناك خاصة وان الاخيرة لا تزال تسعى الى استقدام 11 مليون لاجىء يهودي من مختلف انحاء العالم. رؤى مشتركة على الرغم من التأكيدات الرسمية للمسئولين الفلسطينيين بانه يجب ضمان تنفيذ حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى اراضيهم التي اخرجوا منها, الا انه لدى فلسطينيي الشتات شعور بانه لن ينتج عن تعليق القرارات الدولية الضامنة لحقهم في العودة الى وطنهم وتعويضهم عن الاضرار الناجمة عن هذا الابعاد طيلة 50 عاما, لن ينتج عن هذه القرارات تطبيقا كاملا ودقيقا لمضمونها وبشكل مفاجىء, وان عملية المفاوضات ستولي في نهاية المطاف وضع برامج ومشاريع يتم من خلالها تقديم الدعم والمساعدة للاجئين وتعويضهم بشكل او بآخر عن الاضرار التي لحقت بهم. ونتيجة للتعقيدات والتداخلات التي تحيط هذه المشكلة, والاختلافات البينية في المواقف ووجهات النظر بين الجانبين, وفي محاولات لتقريب وجهات النظر والخروج بدائل وحلول مقنعة ومرضية للطرفين, فقد برز مؤخرا عدد من المشاريع والسيناريوهات, المقترحة من قبل الشخصيات الفلسطينية والاسرائيلية, وهي مشاريع وافكار ليس لها ظاهريا صفة الرسمية, والذين تصدوا الآن لهذه المشاريع هم اشخاص اكاديميون او سياسيون سباقون, ومن ضمن هذه الطروحات, المشروع الذي تقدم به رشيد الخالدي والذي تقوم فكرته على ان تعترف اسرائيل بمسئولياتها الخفية عن نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين, وان تقبل من حيث المبدأ بحق الفلسطينيين واسلافهم في العودة الى منازلهم, والاعتراف بالقرارات الدولية. وفي المقابل يعترف الفلسطينيون بان هذا الحق لا يمكن ان يمارس واقعيا داخل اسرائيل ,1948 وانه من الصعوبة بمكان تطبيقه على ارض الواقع. غير ان المشروع الابرز في هذا الشأن هو التقرير الذي اعده فريق من الاكاديميين الفلسطينيين والاسرائيليين برعاية معهد فيترهد للعلاقات الدولية في جامعة هارفارد, ونشرت صحيفة (هآرتس) معلومات وافية عن هذا التقرير في عددها الصادر بتاريخ 9/9/1998. والتقرير يبدأ في رسم خطوط المواقف الابتدائية المتوقعة للاسرائيليين والفلسطينيين, وبعدها يطرح المواقف التسووية التي توصل اليها الطرفان, وهي المواقف التي تعتمد على قيام الدولة الفلسطينية الى جانب دولة اسرائيل. الموقف الفلسطيني الموقف الفلسطيني يمكن تلخيصه بالنقاط التالية: * لا يدور الحديث عن العودة الجماعية للاجئين الى اسرائيل بل عن الحق الاخلاقي المعترف به من قبل اسرائيل, واقرار اسرائيل بمسئوليتها عن قضية اللاجئين, فان الجانب الفلسطيني يقر بان التطبيق الفعلي لحق العودة مسألة اخرى, لتبدو في هذا المجال عودة عدد قليل من الفلسطينيين مسألة ممكنة. * يسمح للاجئين الذين لم يتمكنوا من العودة الى اسرائيل بالعودة الى الدولة الفلسطينية ان رغبوا في ذلك, وقدرة الدولة الفلسطينية على استيعابهم هي التي ستحدد حجم العائدين لحدود 1967. * اللاجئون المعنيون بالبقاء في الدول التي تستضيفهم بامكانهم ان يبقوا ان وافقت الدولة المعنية على ذلك, واولئك الذين لن يطبقوا حق العودة سيحصلون على تعويض شخصي, اما التعويض الجماعي فسيدفع للدولة الفلسطينية ليستغل في استيعاب العائدين واعادة تأهيلهم. الموقف الاسرائيلي اما الموقف الاسرائيلي في هذا التقرير, فيمكن تلخيصه بالنقاط التالية: * تعترف اسرائيل بان العملية التاريخية التي وصلت في ذروتها عام 1948 تسببت في معاناة كبيرة للشعب الفلسطيني, وكل الاطراف تتقاسم على الاقل بدرجة معينة المسئولية عن الظلم التاريخي وعن معاناة الفلسطينيين. * تعترف اسرائيل بحق الفلسطينيين بملاءمة قبول اللاجئين مع القدرة الفلسطينية على عاتقهم مسئولية ووفقا لذلك يأخذ الفلسطينيون على عاتقهم مسئولية وضع قيود على استيعابهم, مقابل ان تتنازل اسرائيل عن مبدأ الرقابة الجسدية على دخول اللاجئين للدولة الفلسطينية نتيجة صعوبة ذلك. * ترى اسرائيل ان عملية التعويض هي مسألة متبادلة, تدفع الدول العربية في اطارها تعويضا جماعيا لاسرائيل عن اللاجئين اليهود من عام ,1948 وترى اسرائيل في التعويضات التي ستحصل عليها وفي تلك التي ستعطى للفلسطينيين حقا جماعيا لكلا الطرفين. * اسرائيل مستعدة لاستيعاب عشرات آلاف اللاجئين في اطار مشروع لم شمل العائلات, وتقدر الاعداد التي ستستوعبها اسرائيل من اللاجئين قرابة 000.60 شخص. هذه النقاط الاربع تم طرحها في مؤتمر كامب ديفيد, وبشكل واضح ومباشر من قبل الفلسطينيين والاسرائيليين, فقد ذكرت صحيفة (هآرتس) (17/7/2000) ان باراك طرح في كامب ديفيد اقتراحا لاطار كل التفاهمات حول مشكلة اللاجئين وهي: استيعاب عشرات الآلاف في الدول العربية في اطار جمع شمل العائلات لاعتبارات انسانية, واستيعاب آخرين في الدولة الفلسطينية, وتعويض دولي لاعادة تأهيل اللاجئين في اماكن سكناهم, ونقلت الصحيفة عن مصادر اسرائيلية قولها: (ان ثمة مجالا لاعادة النظر في القرار 194 لانه لا يلقي على اسرائيل مسئولية واضحة عن خلق مشكلة اللاجئين) . عمان ـ البيان