في حالة من حالات نزوات الغضب التي تعتري الحكام العسكريين اصدر الرئيس المشير جعفر نميري قرارا في منتصف السبعينيات بحل اكبر وأعراق ناديين رياضيين لكرة القدم في السودان (الهلال والمريخ) واستبدلهما بما اسماه (الرياضة الجماهيرية), وكانت النتيجة ان خلت الملاعب الرياضية من الجماهير حتى تراجع الرئيس عن قراره. وفي نهاية الاسبوع قبل الماضي الخميس 14/9 اصدر العميد يوسف عبدالفتاح, رئيس المجلس الاعلى للشباب والرياضة, قرارا مماثلا عزل بموجبه الضباط الثلاثة للاتحاد العام لكرة القدم السوداني وهم المهندس عمر بكري ابو حراز رئيس الاتحاد, المحامي مجدي شمس الدين سكرتير الاتحاد, والكابتن طيار عيسى كباشي امين الخزينة وذلك استنادا على تقرير لجنة تقصي الحقائق التي كونها مسجل الهيئات الرياضية بناء على قانون هيئات الشباب والرياضة لعام ,1990 وقد اتهم التقرير الضباط الثلاثة بمخالفات مالية وادارية. واشتملت العقوبة على حرمان الضباط الثلاثة من تولي المناصب في اية هيئة رياضية لمدة سنتين بالنسبة للسكرتير وأمين الخزينة وثلاث سنوات بالنسبة للرئيس, ثم احال رئيس المجلس الملف لوزير العدل الذي كون بدوره لجنة قانونية للتحقيق في المخالفات المنسوبة للضباط الثلاثة. والسؤال الذي يتبادر الى الذهن: ماهي قيمة اللجنة القانونية بعد ان تمت الادانة وصدر الحكم على الضباط الثلاثة بكل ما يعنيه ذلك من تشهير واساءة سمعة؟ وليت الدولة تقوم بمحاسبة ناجزة لاختلاسات بمليارات الجنيهات في طريق الانقاذ الغربي والمصارف وبعض المؤسسات وبعض الولايات! والجدير بالذكر ان هؤلاء الضباط الثلاثة وصلوا لهذه المناصب عبر انتخابات ديمقراطية في الجمعية العمومية التي تضم كل اتحادات كرة القدم المحلية في انحاء السودان, وقد تم انتخابهم لدورتين متتابعتين منذ عام ,1995 وكانت الجمعية العمومية على وشك الانعقاد في الفترة المقبلة وهي الاولى بمحاسبة ضباطها الثلاثة, وليست هذه المرة الاولى التي يعزل فيها رئيس المجلس الاعلى للشباب والرياضة ـ الذي لم ينتخبه احد ـ مسئولا رياضيا منتخبا فقد سبق له ان عزل الدكتور كمال شداد من منصبيه في رئاسة الاتحاد العام لكرة القدم ورئاسة اللجنة الاولمبية. والذي يعمل في مجال ادارة الهيئات الرياضية الطوعية يعلم جيدا انها قد تكسب المرء شهرة بين الناس, وتتيح له قدرا من الاسفار خارج القطر, ولكنها بالتأكيد لاتدر عليه مالا بل تأكل من ماله ووقته الكثير, كما ان في العمل الرياضي مجالات للصرف لا تكتب على الورق ولكنها معلومة للكافة. وقد خبرت ذلك عن تجربة عندما كنت سكرتيرا لنادي الاشبال الرياضي بمدينة الدويم في زمان مضى, لذلك قد تكون المخالفات المالية التي رصدتها لجنة تقصي الحقائق من تلك المجالات التي لا تصلح للتسجيل او انها تدخل في باب الاهمال او السهو, ولا أتوقع انها تعود الى انتفاع شخصي كما تشير بذلك العقوبة التي اوقعت على الضابط الثلاثة, ولعل التأييد العارم الذي لقيه هؤلاء الضباط من معظم اتحادات كرة القدم في السودان بعد قرار العزل يدل على ان الثقة في ذمتهم المالية ليست موضع شك. والذي شد انتباهي لهذه القضية هو المغزى الديمقراطي الذي اتسمت به ردود الفعل من داخل السودان وخارجه التي استنكرت قرار العزل, فنحن اصحاب عشق قديم لمناصرة أهلية الجماهير في ممارسة حقها المشروع دينا ووضعا في ادارة شئونها العامة. كانت اول ردود الفعل على قرار العزل اجتماع مناديب من اثنين وثلاثين اتحادا محليا لكرة القدم في مدينة عطبرة, موطن اول تنظيم عمالي في السودان, واصدروا بيانا يتضمن قرارات رائعة: * نحن قيادات الاتحادات لكرة القدم بالسودان نجدد العهد لمحافظتنا التامة على اهلية وديمقراطية الحركة الرياضية. * نرفض حل اي اتحاد الا عبر السلطة الفعلية لاصحاب القرار وهي الجمعية العمومية لهذه التنظيمات. * نطالب بقوة وحزم بتعديل اي قوانين نسختها الدولة وتتعارض مع مبدأ اهلية وديمقراطية العمل الرياضي (المقصود قانون هيئات الشباب والرياضة لعام 90 الذي استند عليه رئيس المجلس الاعلى للشباب والرياضة في عزل الضباط الثلاثة المنتخبين وتعيين بديلا عنهم). * نلتزم ايضا في الاتجاه المقابل بعزل اي فرد منا ينحرف عن الأداء الرياضي القويم ويسيىء التصرف فيما أوتمن عليه. ليت الحركة السياسية السودانية تأخذ درسا في الوعي والنضج الذي تعكسه هذه القرارات: الحرص على ديمقراطية التنظيم, وشرعية السلطة المحاسبة (بكسر السين), ومعاقبة من يسيىء التصرف! ان اخذت الحركة السياسية بهذه المبادىء تكون وضعت لبنات قوية في بناء الديمقراطية المستدامة. وتبع مجلس ادارة الاتحاد العام لكرة القدم, الذي انعقد تحت اشراف الادارة الجديدة المعينة, ذات الاتجاه الديمقراطي السليم الذي اختطته الاتحادات المحلية في مدينة عطبرة, وقرر الاتي: * رفض قرار عزل وحرمان الضباط الثلاثة واعلان تضامنه وتحمله لكافة المسئوليات, وتصعيد الامر قانونيا وسياديا. * التأكيد على امانة ونزاهة الضباط الثلاثة حتى من خلال تقرير لجنة تقصي الحقائق. * العمل على نشر تقرير لجنة تقصي الحقائق. فقد زاد الاتحاد العام على الاسس الديمقراطية العطبراوية مبدأ التضامن في المسئولية الجماعية, فان كان هناك خطأ من الضباط الثلاثة فبقية اعضاء الاتحاد 33 عضوا يشتركون معهم في المسئولية, ومبدأ الشفافية اذ طالب الاتحاد بنشر تقرير لجنة تقصي الحقائق. ومن خارج السودان تحرك الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ليقول باختصار انه لا يعترف بعزل الضباط الثلاثة لانه صدر من جهة خارجية, اي من غير الجهة التي انتخبتهم وهدد بوقف دعمه المالي لكرة القدم السودانية وباخراج السودان من (مشروع الهدف) العالمي الذي ينظمه الاتحاد الدولي ما لم يعد الاعضاء المعزولين الى مواقعهم في ظرف عشرة ايام. ان كان نميري بقراره المذكور سابقا قد اخلى الملاعب السودانية من النشاط الرياضي فان قرار العميد يوسف عبدالفتاح يزيد على ذلك باخلاء الملاعب العالمية من الوجود السوداني. ان القرارات الهوجاء ليست حكرا فقط على والي الخرطوم!. بقلم: د. الطيب زين العابدين