حينما اتعرض لموضوع العولمة واثرها اقف مليا عند رأي احد اكبر مؤسسي علم الاجتماعيات الانسانية (السوسيوبيولوجيا) وهو (جورج فاشي دولابوج) (1836 ـ 1936م) ففي حديثه عن (الراتوب الطبيعي), وقلبه واحداث ما يسمى بالنخب الاجتماعي يرى دولابوج ان للاصطفاءات السياسية والاقتصادية والعسكرية والدينية وغيرها تأثيرا على الراتوب الاجتماعي, فإذا ما كانت الحرب مثلا باصطفاءاتها للذكور تدفع الى موت الآلاف منهم فمعنى ذلك ان مجتمعا تغلب فيه النساء عددا سيظهر بعد كل حرب واسعة وشرسة, وكذلك فإذا كانت حالة اقتصادية ما (ولتكن هنا العولمة) تصطفي النخبة الغنية فإن معنى ذلك ان الاغلبية التي لا يعمها هذا الاصطفاء ستدوسها آلة الفقد الرهيبة. ان هذا الاصطفاء في العولمة قد وضع شروطا لالحاق ندرة قليلة من النخب والدول بالأعلى (المدير) واسقاط البقية في الحضيض, ففي يونيو عام 1997م كنت اتأمل بإمعان المؤتمر الاوروبي المنعقد في مدينة تورين وهو ينهي اعماله بانتهاء رئاسة هولندا للمجلس الوزاري الاوروبي, وقد اشترط المؤتمر شروطا خمسة للانضمام الى الاتحاد النقدي المسمى ألايكو والذي سمي فيما بعد (باليورو) وكانت الشروط: 1ـ ألا يزيد عجز الموازنة على 3%. 2ـ ألا تزيد نسبة الدين العام على 60% بالنسبة لاجمالي الناتج القومي. 3ـ ألا يزيد التضخم على 5.1% مقارنة بالدول الثلاث النموذجية في الاتحاد. 4ـ ان تشارك الدولة العضو في السلة الاوروبية لمدة سنتين كتجربة. 5ـ ان تبقى اسعار الفائدة منخفضة (في حدود 2%). والملاحظة الدقيقة لهذه الشروط تبرز الى اي حد تبلور الفكر الاقتصادي (الليبرالي) الخاص, القائم على المصلحية, البعيدة كل البعد عن الرعاية وهو الامر الذي اطلق فيما بعد صرخات عالمية حادة للاهتمام بالرعاية الدولية والقطرية. وأمام هذا التصدع يظهر جليا تحطم الطبقة المتوسطة على المستوى العالمي والقطري, وتبقي فقط على المسرح الاقتصادي دول وكيانات متخمة, واخرى فقيرة مدقعة, وهو الامر الذي فتح الباب لصدامات سياتل ودافوس الشهيرة منذ اشهر في نهاية القرن الماضي. واصبح محكوما على كل قمة اقتصادية عالمية ان تكون قمة حوار وتجاذب بين الاغنياء والفقراء كما هو الشأن بالنسبة لقمة (اوكيناوا) مؤخرا. العولمة وصناعة الفقر يتساءل الكثيرون عن كيفية افراز العولمة للفقر, وتأثيرها على المقدرات الاقتصادية على المستويات العليا والدنيا, وللجواب نقول: يشهد العصر تكتلات اقتصادية تكاملية, فظهرت في هذا الاطار الكثير من الهيئات الاقليمية ففي افريقيا مثلا ظهرت اسماء منها المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا دء, والسوق المشتركة لجنوب شرق افريقيا ءسحد وغيرها, اما في آسيا فقد كانت التكتلات اكثر فاعلية ومنها (آسيان) ومنظمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادي (ذء) كما ظهرت في امريكا (النافتا) و(السيلا) و(الألادي) , وفي اوروبا (الاتحاد الاوروبي) وفي الخليج (مجلس التعاون الخليجي) وهكذا, وقد ادى الاذعان ومحاولة التكيف التي تضعها التكتلات الكبرى مثلما اشرنا سابقا الى شروط (اليورو) , ادى الى اتخاذ اجراءات كانت سببا في انكسار البنى الاقتصادية والاجتماعية لدى الكثير من الدول ومنها تلك التي تحولت من القطاع العام الى الخصخصة بتفكيك القطاعات القديمة وتسريح مئات الآلاف من العمال مما خلق انكسارا اجتماعيا فعليا, وهكذا فأمام مثل هذه الاوضاع تلجأ الدول الى الاقتراض احيانا ثم الى جدولة الديون, وهكذا الوقوع في سلطة نقدية لا ترحم, الامر الذي يفاقم ازماتها الداخلية لذلك فقد لوحظ ان دور قارة افريقيا بأكملها في قمة اوكيناوا كان دور الاستعطاف والمطالبة بإسقاط الديون, ثم ان تحرير التجارة معناه اعطاء فرصة لنخبة قليلة من اصحاب الرساميل الكبرى للانقضاض على التجارات الصغيرة والمتوسطة وقتلها, كما يضاف الى ذلك ارتفاع تكفل الدولة بمواطنيها واختفاء الرعاية الاجتماعية وهي امور تدفع بسرعة فائقة نحو اكتمال الدورة الاقتصادية التي تجعل الموارد العالمية في ايدي قلة يسميها البعض بمدراء العالم, ومنذ مدة قال توني بلير: ان التحدي الذي نواجهه كبير, ويتمثل في الاسواق العالمية والفقر المستمر والعزلة الاجتماعية واذا كان هذا حال بريطانيا فإن حال افريقيا أكثر سوءا ففي بوتسوانا تبلغ نسبة المصابين بالفيروس المسبب للايدز 8.35 بالمئة من مجموع السكان ولا تجد الحكومة ما تواجه به هذا الخطر, ومعنى ذلك ان شعبها يسير نحو الانقراض في الحين الذي تسجل فيه مايكروسوفت ارقاما تجارية خيالية وقد ادى كل هذا الى تزايد حدة المطالبة برجوع نمط دولة الرعاية الاجتماعية (شءشس زءئ جط) . ان دول العالم المندمجة في مشروع العولمة تتحول يوما بعد يوم الى مجرد حكومات ادارية في ظل تقلص مواردها المادية, بإلغاء الرسوم الجمركية والاتاوات وانعدام القطاع العام لذلك ستكون عاجزة عن امتصاص آثار الليبرالية التجارية على فئات اجتماعية تقدر بمئات الملايين. التزايد الديمغرافي وتناقص الفرص منذ مدة كان بول كنيدي رئيس مركز دراسات الامن الدولي في جامعة يال (جءع) يتساءل: (هل يوفر الازدهار التجاري العالمي مليارات فرص العمل المطلوبة؟! ويضيف: (الهند مثلا تزيد من سكانها سنويا بما يعادل اجمالي سكان استراليا اي نحو (11) مليون نسمة, فهل سيحصل هؤلاء على اية وظائف وفرص عمل بحلول عام (2020)؟ ان نمو قوة العمل في البلدان الغربية سيكون من الناحية العملية ساكنا من الآن حتى عام 2020 في حين ان قوة العمل في البلدان الافقر ستشهد ازدهارا كبيرا وعليه سيكون هذا الوضع اكبر تحد يواجه كوكب الارض, فهل نستطيع جلب عدة مليارات من العمال الجدد الى الانتاج لاجل سوق كونية, ورفع مستوياتهم المعيشية دون حصول كارثة بيئية؟ أم ان هذه الاعداد الهائلة اكبر من ان تستوعب؟) . ان هذا الوضع قد ولد ظاهرة خطيرة في كثير من البلدان تتمثل في الاضطرار الى الوظيفة التي لا يكاد مردودها يسد ضرورات وحاجات الانسان العائلية, ولا يخفى ما يعنيه ذلك من مدافعة الانسان للموت بجهده, وهي نقطة ليس بعدها الا ان ينتهي تدافع الحاجة والموجود الى ازدياد الحاجة وتضاؤل الموجود, وآنذاك يعلو خط الفقر كظاهرة عامة, بدأت كثير من المجتمعات تسقط في واقعها المرير. ولقد كانت مواجهات سياتل ودافوس بين الفقراء والنخب (رقصة ذبيح) اكثر منها ثورة تغيير, لأن قطار العولمة لا يتوقف رغم اقرار سياسيين (طيبي القلوب) بأن هناك فئة كبيرة متضررة فعلا, فبيل كلينتون اشار الى انه من الواجب اشراك المتظاهرين خارج القاعة في الاجتماعات في سياتل و(مايك مور) مدير عام منظمة التجارة العالمية, قال عن الدول الفقيرة التي واجهت ببيان ضعفها الهجمة الشرسة للرأسمالية في سياتل: لا يستطيع اي مراقب منصف لوم (129) وزيرا مثلوا بلدانهم الفقيرة كانوا يعقدون آمالا عريضة على قرارات ونتائج اجتماع سياتل. وهكذا فأمام الدول الغربية صاحبة الاستثمارات المباشرة تموت الدول الضعيفة الفقيرة. وامام احتكارات القلة تموت المؤسسات التجارية الضعيفة. وامام النخب ذات القدرة الشرائية العالية تموت مئات الملايين التي لا تملك ثمن الخبز والدواء. تأثير العولمة على منظمة الامم المتحدة امام اختفاء نمط (الدولة الراعية) وتزايد المآسي الانسانية ومنها مأساة الفقر, تتجه الانظار نحو اقامة هيئات رسمية واخرى شعبية خدمية في الاطار الاجتماعي ومن فكرة الجمعية الخيرية, الى هيئة الامم المتحدة هناك فوارق كبيرة وكثيرة لكن الرعاية تجمع بين هذه وتلك فقد ادت الكوارث والجفاف الى استفحال ظاهرة الفقر والمجاعة كما ادت العولمة الى بدء حملة تفقير اوسع استهدفت حتى الدول الغنية لذلك يكون دور اجهزة الامم المتحدة دورا بارزا مستقبلا. فوكالة الاغاثة والتشغيل وصندوق رعاية الطفولة (ئةخض) والمفوضية العليا للاجئين والبرنامج الغذائي العالمي والمجلس العالمي للتغذية (ءح) وغيرها ستجد امام ابوابها بعد سنوات عدة طوابير تعجز عن اطعامها الخبز المجرد خاصة امام تهرب الدول الكبرى ومنها امريكا عن دفع مستحقاتها للامم المتحدة وقد ادى هذا التدافع على الهيئة باسم الاغاثة واللجوء الانساني الى تدني الوضعية المادية للهيئة الامر الذي يجعلها هي الاخرى مسئولا رئيسيا عن امتصاص آثار العولمة وما خلفته من سحق لشرائح واسعة باسم الليبرالية الاقتصادية. بقلم: محمد جربوعة كاتب وصحفي جزائري مقيم بدمشق