في العاشر من ديسمبر عام 1948 اعلنت الدول الاعضاء في منظمة الامم المتحدة ولاول مرة في التاريخ ان لكل انسان حقوقا ثابتة, كما تعهدت هذه الدول في اعلانها هذا باحترام هذه الحقوق وحمايتها وتعزيزها, ليس في الدول الاعضاء في الامم المتحدة فحسب وانما في جميع بلدان العالم. ونستطيع القول بأن الاعلان العالمي لحقوق الانسان يعتبر من حيث المبدأ بمثابة نقطة تطور ثوري في القانون الدولي اذ انه وطد حق الانسان او بمعنى آخر حق الافراد في الحصول على حماية المجتمع الدولي الامر الذي دعا رئيس الجمعية العامة للامم المتحدة في ذلك الوقت الى التنبؤ بان ملايين الرجال والنساء والاطفال من جميع انحاء العالم سيلجأون في المستقبل الى هذه الوثيقة العالمية طلبا للمساعدة لاسيما وان الاعلان العالمي لحقوق الانسان ينقل اهتمام المجتمع الدولي وبالتحديد اهتمام القانون الدولي من تنظيم العلاقات بين الدول الى توفير الحماية للافراد والنظر في علاقة الحكومات مع مواطنيها وهي علاقة كانت بعيدة عن مساءلة القانون الدولي بحجة كونها قضايا داخلية بعيدة عن سلطة هذا القانون. ومنذ اللحظة التي اطلق فيها الاعلان العالمي لحقوق الانسان وحتى يومنا هذا تطورت العهود والمواثيق الدولية في هذا الاتجاه كما تطورت آليات العمل فيه حتى اصبحت قضية حقوق الانسان مجال اهتمام عالمي كبيرا وباتت هذه القضية قادرة على تحريك الرأي العام العالمي. الا ان الحقيقة التي تبعث على الاحباط هي انه وعلى الرغم من الطابع الاخلاقي الشفاف للاعلان العالمي لحقوق الانسان وجمالية الاهداف التي رسمها الا ان نظرة متفحصة لاحوال البشر بعد مضي اكثر من خمسين عاما على هذا الاعلان تبين مدى الفشل في تجسيد المبادىء التي طرحها على الارض وترجمة شعاراته الاخلاقية الى واقع ملموس, ففي تقرير قدمته منظمة العفو الدولية في عام 1988 بمناسبة مرور اربعين عاما على اعلان حقوق الانسان اكدت هذه المنظمة الدولية انه في نصف دول العالم على الاقل يسجن الاشخاص لمجرد التعبير عن آرائهم بعد محاكمات ليست اكثر من مهزلة واضافت منظمة العفو الدولية في تقريرها ايضا ان ثلث بلدان العالم على الاقل تشهد حالات تعذيب متعمدة لرجال ونساء وحتى اطفال وان الكثير من دول العالم تمارس فيها الحكومات عمليات القمع والخطف والتعذيب لمواطنيها في سبيل تحقيق اهدافها ناهيك عن الجرائم الفظيعة التي ترتكب في النزاعات الدولية او الحروب الاهلية والتي يذهب ضحيتها في الغالب اناس ابرياء. واذا عدنا للظروف التي جاء فيها اعلان حقوق الانسان والاسباب التي دعت الى التفكير في هذا الاتجاه نرى انه اي اعلان حقوق الانسان جاء بعد الاهوال التي شهدها العالم قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية حيث سحقت هذه الحرب المجنونة ملايين البشر وشهدت ابشع انواع الجرائم بحق الانسانية وبالتالي فانه جاء بمثابة رد فعل طبيعي للمجتمع الدولي على هذه الجرائم ومحاولة جادة لمنع تكرار هذه المآسي في المستقبل اذ تشير مقدمة ميثاق الامم المتحدة الى التأكيد على الايمان بحقوق الانسان الاساسية وبكرامته وجدارته والحقوق المتساوية للرجال والنساء وللامم صغيرها وكبيرها كما تشير المقدمة الى وجوب تعزيز التقدم الاجتماعي وتحسين مستويات الحياة في ظل المزيد من الحرية. اما المادة الاولى الخاصة باهداف الامم المتحدة والتي صدر عنها اعلان حقوق الانسان فانها تنص على تطوير العلاقات الودية بين الامم وتشجيع حقوق الانسان وحرياته الاساسية دون تمييز كما تلتزم الامم المتحدة في المادتين 55 و56 بالعمل على تعزيز تلك الحقوق في حين تلتزم الدول الاعضاء منفردة او مجتمعة بالتعاون مع الامم المتحدة من اجل الوصول الى ذلك الهدف. ومن دون الدخول في التفاصيل يمكننا القول ان اعلان حقوق الانسان وما نتج عنه من ولادة العشرات من المنظمات المدافعة عن هذه الحقوق ورغم الاهداف النبيلة التي عبر عنها الا ان هذه الاهداف لم تجد طريقها الى التطبيق الامين بالشكل المطلوب لعوامل كثيرة منها. اولا: ان ميثاق الامم المتحدة رغم مبادرته لتشجيع وتدعيم حقوق الانسان الا انه لم يقدم اي تعريف دقيق لتلك الحقوق وهكذا ارتبط الحديث عن حقوق الانسان منذ البداية بخلاف وجدل سياسي كبير حول طبيعة هذه الحقوق خاصة وان هناك فوارق كثيرة بين عقائد الشعوب وموروثاتها الثقافية والاخلاقية. ثانيا: استغلال بعض القوى الكبرى اعلان حقوق الانسان واستخدامه وسيلة للتدخل في شئون الدول التي تتعارض معها كما هو الحال وعلى سبيل المثال لا الحصر بالنسبة للولايات المتحدة الامريكية التي عانت سياستها وتعاني من تناقض واضح بين ادعائها حول سعيها الى ضمان حقوق الانسان واحترام هذه الحقوق والعلاقات الوثيقة التي ربطت هذه القوة العظمى بالعديد من الدول التي تمارس ابشع انواع الاعتداءات على هذه الحقوق كما هي الحال بالنسبة لعلاقاتها الاستراتيجية مع (الكيان الصهيوني) صاحب السجل الاسوأ في هذا المجال, زد على ذلك استخدام الولايات المتحدة لورقة حقوق الانسان ضد الاتحاد السوفييتي ابان الحرب الباردة ودعمها للعديد من الحكومات التسلطية آنذاك مثل حكومة الشاه في ايران او حكومة فرديناند ماركوس في الفلبين او الحكومات الاخرى في امريكا اللاتينية وغيرها من مناطق العالم. ثالثا: ان عجز الامم المتحدة وخضوعها لسيطرة الدول الاقوى في العالم افقدها امكانية ترجمة اهدافها على الارض بشكل نزيه وبدلا من ان تترجم المنظمة الدولية ما جاء في اعلان حقوق الانسان لمصلحة جميع البشر دون تمييز كما كان مأمولا تحولت هذه المنظمة المسلوبة الارادة الى مجرد غطاء قانوني تستخدمه الدول المتنفذة لمصالحها الخاصة. رابعا: ان خضوع وسائل الاعلام في الكثير من دول العالم للمؤسسات الحاكمة يفقد هذه الوسائل ولاسيما في الدول المتخلفة لمصداقيتها ويساعد على اخفاء المخالفات التي ترتكبها حكوماتها في مجال حقوق الانسان, ناهيك عن استخدام هذه الدول لقوانين الطوارىء وما يخلفه ذلك من تغييب للحريات العامة بحجة الدواعي الامنية زد على ذلك ارتفاع مستويات الجهل والتخلف بين شعوب هذه الدول المتخلفة وعدم مقدرة مواطنيها على تحديد حقوقهم الانسانية المختلفة والدفاع عنها والحقيقة اننا اذا حاولنا معرفة الاسباب التي ادت الى الاخفاق في تحقيق الاهداف التي حددها اعلان حقوق الانسان الصادر عن الامم المتحدة نرى انها كثيرة ومتشعبة يصعب حصرها في دراسة مقتضبة ولكن مايمكن استخلاصه من هذه التجربة ان حقوق الانسان لاتزال منتهكة بشكل خطير حتى في تلك الدول التي تدعي حمايتها القوية لتلك الحقوق الامر الذي يوجب في الواقع اعادة النظر من جديد في الآلية التي اتبعت لتحقيق اهداف اعلان حقوق الانسان وفي مقدمتها استخدام الامم المتحدة وقراراتها لمصلحة القوى الكبرى المتنفذة لان ماتقوم به هذه القوى من اشعال للفتن والحروب ودعم للقوى الديكتاتورية في العالم يشكل الخطر الاكبر على حقوق الانسان ويذكر بالاهوال التي شهدتها البشرية قبل واثناء الحرب العالمية الثانية والتي كانت احد الاسباب الرئيسية لولادة اعلان حقوق الانسان قبل اكثر من خمسين عاما. بقلم: نبيل سالم