المزارعون وعمال الشاحنات المحتجون على ارتفاع أسعار الوقود فى البلدان الأوروبية, صبوا جام غضبهم على حكوماتهم وأسعارها الضرائبية المرتفعة ولم تخطر لهم أوبك على بال, ولكن على الرغم من ذلك فإن أجهزة الاعلام الأمريكية والغربية خصوصا الوثيقة الصلة منها بالحكومات ملأت الدنيا صياحا ضد أوبك فى محاولة ممجوجة لإلقاء أعباء الأزمة سياسيا واقتصاديا على عاتق بلدان أوبك عبر اضفاء أجواء سبعينية مستحيلة حاليا بعد أن صارت سوق النفط تخضع بصورة سافرة لسيطرة البلدان المستهلكة لاسواق المنتجين والبائعين مع كل التقدم الذى حدث على مدار العقود الثلاثة الماضية فى تطوير مخزونات احتياطية غربية كافية للتصدى لأى ضغوط حقيقية من جانب أوبك وبعد أن انخفض وزن مكافئ الطاقة بالنسبة للدولار فى اقتصاديات تتربع على قممها الهامة أسهم المعلوماتية والاقتصاد الجديد. ولقد برهنت الاستجابة التى تتالت من خلال القرارات الثلاثة على مدار العام (مارس, يوليو, سبتمبر 2000) بزيادة الانتاج من جانب منظمة أوبك على هذه الحقيقة بصورة غير مسبوقة. فرغم تتالى الزيادة حتى وصولها الى 800 ألف برميل كما جاء فى قرار سبتمبر. الا أن الأزمة تأبى الانفراج واندفع سعر برميل الخام متجاوزا 36 دولارا للبرميل وهى أسعار لحظة حرب الخليج. واذا كانت زيادة الانتاج تبرهن على عجزها عن التأثير السريع فى أسواق النفط فإن تخفيض الانتاج قبلها مباشرة وخلال ,98 99 والذى جربته بلدان النفط من أجل الخروج من دوامة الأسعار المنخفضة والتى هزت معظم موازين المدفوعات وأثرت بصورة حادة على جميع البلدان المنتجة للنفط هذا التخفيض لم ينجح فى احداث المطلوب, ورفع الأسعار الا عندما تواكبت معه عوامل أخرى كان من أهمها انضمام المكسيك وفنزويلا باعتبارهما موردين أساسيين للسوق الأمريكية الى سياسة خفض الانتاج.. بالإضافة الى حدة ضائقة بلدان أوبك والتى دفعت البعض للمطالبة بعدم الاعتماد على آلية تخفيض الإنتاج والتفكير فى رفع الأسعار وأحساس بلدان الغرب التى كانت تتمتم بتعويذة العرض والطلب على مدار أزمة انخفاض الأسعار كقدر ميتافيزيقى وخارج عن السيطرة, بأن الأمور قد تتطور لغير صالحها, وجاء الدور الحاسم والذى جعل من تخفيض مارس 99 فعالا, فى تحسن أوضاع الاقتصاديات الأسيوية خصوصا وأن المسألة (الأزمة الآسيوية) كانت قد لعبت الدور الأكثر تأثيرا فى انخفاض الأسعار آنذاك خصوصا مع أن أندونيسيا كانت قد اغرقت المنطقة الآسيوية عبر زيادة انتاجها بـ 5.2مليون طن. وبالنظر الى المسألة بالمقلوب فى حالتنا الراهنة, فإن زيادة انتاج نفط أوبك بصورة كافية كما ينادى الرئيس الأمريكى مهددا بالسحب من الاحتياطى الأمريكى, أو بالصورة التى حدثت بالفعل وعبرت عن الحد الأقصى لطاقة معظم بلدان أوبك على زيادة الانتاج (باستثناء السعودية تقريبا) من المنطقى تماما الا تعمل منفردة على تخفيض الأسعار, التى لم يكن وراء ارتفاعها تخفيضا مفاجئا من جانب أوبك فيمكن معادلته بالزيادة. فإذا كانت الضرائب البريطانية على المحروقات تستحوذ على 80% من أسعارها فماهى حدود تأثير زيادة الانتاج على أسعار الـ 20% المحولة للنقل والتوزيع ومنظمة أوبك (ثمن الخام) فحتى لو انخفض الانتاج فى هذه الحالة الى النصف فإنه لا يستطيع التأثير فى سعر لتر البنزين فى بريطانيا الا بنسبة 1%!! ان كلمة السر الحقيقية فى الأزمة الراهنة تكمن فى عدة عوامل رئيسية وعدة عوامل مساعدة, والعوامل الرئيسية يمكن اختصارها فى الآتى: أولا: السياسة الضريبية التى صارت تعتمدها البلدان الغربية عموما فيما يخص أسعار الوقود خاصة البنزين. حيث أصبحت ضرائب المحروقات مصدراً رئيسيا معوضا للخزائن العامة فى أوروبا عن خسائرها المترتبة على البرامج الضريبية التى استهدفت تخفيض الاعباء الضريبية بصورة عامة على الأفراد والقطاعات الاقتصادية الصناعية كحافز حكومى للسوق من أجل الالتحاق بالانتعاش الأمريكى وتقريبا للصورة فإن تكلفة البرنامج الألمانى الذى يباشره الرئيس شرويدر, تقترب من 45 مليار مارك ألمانى, على ضرائب المحروقات لعبت الدور الرئيسى فى توفيرها, وفى بريطانيا يدخل الخزانة وحدة يورو كاملة مقابل كل لتر بنزين يجرى تسويقه, ويكفى أن نعلم أن التنازلات الفرنسية أمام مطالب عمال الشاحنات والتى جرت فى أضيق الحدود, تعادل كلفتها ثلاثة مليارات فرنك فرنسى, وهى أمور تفسر فى حد ذاتها الحدة غير المشروعة التى أصبحت تنتاب تونى بلير. ثانيا: التأثير السياسى لأحزاب الخضر ومنظمات الحفاظ على البيئة بمالها من وضع مؤثر داخل الائتلافات, الأوروبية الحاكمة خصوصا فى بلدان كالمانيا وايطاليا وفنلندا وبلجيكا, حيث بلغت عائدات ضريبة الحفاظ على البيئة فقط فى ألمانيا قرابة الـ 17 مليار مارك خلال عام 2000. ثالثا: التدهور الحاد فى قيمة اليورو فى مواجهة العملات الرئيسية كالدولار واذا كان ذلك مفيدا فى زيادة القدرة التنافسية الأوروبية الا أن ثمنه الفادح يكمن فى الاعباء المالية والاضافية الخاصة بالواردات التى تزايدت قيمتها بنفس نسبة انخفاض اليورو (38%) وعلى رأسها بالطبع الواردات البترولية, وتفسر هذه المسألة حدة الأزمة فى أوروبا على وجه الخصوص وتأثير تدهور اليورو لن يتجه للتلاشى بل العكس فإنه يتجه للتصاعد خصوصا فى العام 2001 عندما يسمح للأفراد بالتعامل مع اليورو وعلى الأخص فى عام 2002 عندما تتاجر أوروبا فى الوقود عبر الحدود وهى مسألة ستجعل أوروبا عامة أكثر عرضة من غيرها لتذبذب أسعار البترول. أما فيما يتعلق بالعوامل الثانوية فى تقديرنا والتى أحاطت بالارتفاع الأخير وألهبت أجواءه فيمكن الحديث قبل كل شئ عن قرب مقدم الشتاء واتجاه الاحتياجات السكانية والاقتصادية للتزايد. كما يمكن الاشارة الى احتمال تعرض المكسيك للكوارث الطبيعية كما يمكن بالطبع التأكيد على تأثير التهديدات العراقية المتجددة للكويت والمذكرة بمقدمات الغزو فى اثارة اشباح أزمة النفط التى ترتبت على حرب الخليج ولكن تظل هذه العوامل فى التحليل الأخير عوامل ثانوية لا يجب ان تعمى المتابع عن جوهر وكلمة سر الأزمة, فهذه العوامل مجتمعة أكثر تأثيرا من المفروض على الاقتصاد الأمريكى قبل غيره, فلماذا تضرب الأزمة بحدة فى أوروبا, بينما يستهلك الاقتصاد الأمريكى قرابة 25% من البترول العالمى, ولماذا لا تصرخ اسيا نفس صراخ الصحافة الأوروبية ورؤساء الحكومات وتنطبق هذه الملاحظة الأخيرة بصورة أكثر بلاغة فيما يتعلق بدور زيادة انتاج أوبك أو انخفاض على مجريات الأمور فى سوق البترول التى لن تعد سوق بائعين. وتطرح هذه التداعيات على الفور, تراجع منظمة أوبك وضرورة المناقشة بصورة جادة فى اجتماعها نوفمبر المقبل, الآلية التى تعتمدها فى تقرير الزيادة والانخفاض فى الانتاج والتى تتحدد بالزيادة فى حال انخفاض الأسعار عن 28 دولارا للبرميل والتخفيض عندما تهبط الأسعار الى 22 دولارا للبرميل (فالعدالة) التى تتضمنها هذه الآلية لا يبدو أنها تعتمد على شيء سوى استمرار اقتصاديات أوبك فى الحدود التى تثير عجزا فى موازين المدفوعات (الميزانية السعودية تعتمد على اسعار 19 دولارا للبرميل فى العام 2000), ولكنها فعليا بعيدة كل البعد عن القيمة الحقيقية لأسعار نفطها وفقا لتطور الاقتصاد العالمى فالاسعار الراهنة على (ارتفاعها) لا تتجاوز ثلث أسعار بداية الثمانينيات وفقا لأسعار الدولار. واذا كانت فكرة عدم الحاق ضرر بمعدلات النمو العالمية التى سينعكس هبوطها على اقتصاديات أوبك دفعا آخر لدى المدافعين عن هذه الآلية حاسما, فإن واقع تحول سوق النفط الى سوق شراء لا بيع, يدحض هذه الأفكار التى صارت بالفعل أفكاراً قديمة بصورة شديدة الوضوح كما تؤكد تداعيات الأعوام الثلاثة الماضية (انخفاضا وارتفاعا). أما العدالة المعتمدة على سير أمور الاقتصاديات بدون عجوزات فى موازين المدفوعات, فيبدو انها لا تعتمد على شئ سوى أن النفط مورد دائم ومستمر فى تجدده, فيكفى لفضح مدى عدلها احصائية واحدة وبسيطة: كل 4 براميل تبيعها أوبك لا يقابلها سوى برميل واحد تجري اضافته للاحتياطي!! فإلى أين أوبك؟ لاستنزاف البترول حتى آخر قطرة من اقتصاديات تعتمد ميزانياتها بنسبة 80% على مبيعاته. ان تهور الاسعار عامين حول بلدان رئيسية من زاوية الانتاج الى أوضاع الأزمة الدائمة (أندونيسيا, نيجيريا, الجزائر).. الا يكفى ذلك جرسا للانذار خصوصا فى بلدان (أوبك). وتوضيحا للصورة القائمة التى تتعلق بالاحتياطى فإن النشرة الاحصائية لعالم الطاقة الصادرة فى يونيو 2000 تشير الى ان العلاقة بين الانتاج السنوى والمخزون العالمى للبترول تؤكد على انخفاض المخزون بصورة منتظمة منذ 44 عاما وكما يؤكد خبراء بترول فإن عصر الاكتشافات الكبرى لم يعد قائما, وكما يقول جون مارى بوردار فى هذا الصدد فإنه لم تعد هناك آبار تصل قدراتها الانتاجية عشرات المليارات من البراميل الآن باستثناء آبار قزوين وخليج المكسيك والبرازيل وخليج غينيا. فلقد ولت أوضاع الستينيات عندما كانت الاكتشافات تتجاوز الانتاج بمقدار 60 مليار برميل بل تحولت الأمور الآن الى وضع العجز الذى بلغ 20 مليار برميل. لقد نجح المستهلكون فى فرض تخفيض قهري لأسعار البترول على مدار العقدين الماضيين لا يتناسب بالمرة مع معطيات الاقتصاد العالمى ونزحوا عبر آلية هذا التخفيض واستفادة من لحظات انخفاض الأسعار لاحتياطات أوبك لصالح زيادة احتياطاتهم, التى أصبحت آلية دائمة للتهديد بها من أجل تخفيضات جديدة كما يهدد كلينتون مؤخرا. وإذا كانت جهودهم فى تطوير الطاقة النووية قد اصطدمت بالمخاطر البيئية الرهيبة, وجهود تطوير الطاقة المتجددة (شمسية, رياح الخ) لا تكفى حتى اللحظة فى سد أكثر من 20% فى أحسن التقديرات وأكثرها تفاؤلا من احتياجات الطاقة, فإن الغرب لم يتبق لديه مع ادراكه أكثر فأكثر لعجزه عن الاستغناء عن النفط من أوبك أو غيرها الا الضغط بورقة الاحتياطى بالاضافة طبعا لما يمكن التهديد به أسفل المناضد فى عالم القطبية الواحدة والاقتصاد المعولم. وتفرض هذه التداعيات والتطورات فرضا على بلدان أوبك وغيرها من البلدان المنتجة اذا كان هناك حرص حقيقى على تطوير الحد الأدنى من اقتصاد يفي بمتطلبات الشعوب ويحفظ الحد الأدنى من القدرة على الاستجابة لاحتياطات الاجيال القادمة التى يعتبر التسليم ازاء هذه الأوضاع تفريطا أنانيا فى حقوقها. وان تسارع للحفاظ على قيمة الباقى من الاحتياطات, فمن غير المعقول مطلقاً ومن الأنانية المسعورة أن تضبط أوروبا أوضاعها الاقتصادية على حساب بلدان ليست فقيرة فهذه ليست جديدة ولكنها أصبحت بلداناً فى مهب الرياح كما تؤكد أوضاع أندونيسيا والجزائر ونيجيريا. ان بلدان العالم الثالث عموما رغم انها أكثر تضررا من ارتفاع أسعار النفط ستحترم محاولات أوبك وجهودها من أجل المحافظة على حقوقها وحقوق شعوبها فمسألة البترول وأسعاره رغم انها خارج الجات الا انها فى حقيقة الأمر ليست سوى مظلمة أساسية من مظالم الشعوب ضد الاعتداء على ثروات الشعوب وفرض أوضاع احتكارية على العالم أجمع لا تصمد مطلقاً اذا عرضناها حتى لقوانين مكافحة الاحتكار الأمريكية. بقلم: عدلى الهوارى كاتب مصرى