بداية لابد من القول ان منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) كاطار جامع للدول المنتجة للنفط على المستوى العالمي, تعتبر من احدى المنظمات الفاعلة خلافا للكثير من المنظمات الاخرى, بما فيها بعض منظمات ومؤسسات الامم المتحدة التي غالبا ما يتشدق الاعلام العالمي في اظهار فاعليتها, ورغم التقصيرات والخروقات الواضحة في ادائها هنا او هناك. فقد قدمت هذه المنظمة الكثير من الخدمات على المستوى العالمي. وساهمت مساهمة فعالة بتنظيم العلاقة بين الدول المنتجة والدول المستهلكة للنفط, وارست علاقات مستقرة من خلال التفاهمات فيما بين اعضائها, وخففت المشاحنات والمضاربات في تحديد سقف الانتاج للاعضاء المنضويين في اطارها, بما يتوافق مع حجم الاستهلاك العالمي, بعيدا عن الاجواء السياسية المحمومة التي يمر بها عالمنا والمنازعات الطارئة. على الرغم من بعض الخروقات التي تظهر بين الحين والآخر من قبل بعض اعضائها وبعض الاختلافات السياسية, لكنها ومن خلال مواقف اعضائها تبقى الاقدر على القفز عن الجراح وتناسي الملمات التي تحيط بها, بل اكثر من ذلك تمثل طائر البطريق الذي يقدم لابنائه عندما يجوع احشائه حتى وان كان جائعا دون مقابل. وحتى لا نذهب بعيدا عن واقع الحال المعاش, لابد من الاعتراف ايضا وعلاوة على ما تقدم ان هذه المنظمة قدمت النموذج الذي يحتذى بالنسبة الى ما تعيشه الهيئات الدولية والاقليمية السياسية والامنية والاقتصادية من ازمات وانقسامات مدمرة في بناها وانظمتها وقوانينها النافذة. الا ان الغرابة بالامر حقا وبعيدا عن الفهم التآمري للاشياء, اننا بتنا نتلمس حالة من الترصد لهذه المنظمة ووضع العراقيل امام حركتها المنتظمة الفاعلة بهدف افشالها وشل حركتها لمنعها من تقديم دورها على اكمل وجه. وعلى ما يبدو ان الكثير من القوى العالمية المسيطرة باتت ترى ان النجاحات التي تقدمها (اوبك), تشكل حالة من الاحراج لها, باعتبارها منظمة مستقلة خارجة عن ارادتها ورؤيتها للكون والعالم, وانها تشكل احدى المؤسسات الموازية للمؤسسات الدولية المسيطر عليها من تلك القوى. وهذا الامر كان واضحا وجليا قبيل اجتماع المنظمة السابق بفيينا, حيث سعت الولايات المتحدة بكل ما بوسعها الى خلق حالة من الانقسام داخل صفوف المنظمة المذكورة بهدف تسيير دفة الامور في داخلها لكي تبقي سيطرتها على مناطق الانتاج والتصدير والترويج للاسواق. خاصة وان النفط لا يزال يكتسي اهمية كبرى بل اكثر من ذلك لا يزال يعتبر في المرتبة الاولى بالنسبة لمصادر الطاقة, رغم البحث الدائم عن وسائل طاقة اخرى لكنها لم تصل الى حلول مرضية تلبي حاجة المستهلك بقدر ما حافظ عليه النفط. وقد بات النفط يشكل اساسا بل ومرتكزا سياسيا بالنسبة للعديد من الدول الصناعية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية, خاصة بعد ان وصل العالم بأكمله الى حقيقة قد تكون غاية في الاهمية بأن النفط يشكل العصب الاساسي ليس لجهة الطاقة وحسب بل لاقتصاديات الدول مصدرة كانت او مستهلكة له حتى اصبح النفط يشكل احد المرتكزات السياسية للكثير من دول العالم, بما في ذلك الولايات المتحدة الامريكية على المستويين الداخلي والخارجي, على اعتبار انه احد الاسلحة الاستراتيجية الفاعلة الذي غالبا ما استخدم في الماضي, ولا يزال استخدامه ممكنا, والامثلة اكثر من ان تحصى بداية من الحرب العالمية الثانية وانتهاء بحرب الخليج الثانية ايضا. وقد لا نغالي القول بأن هذه المادة الاقتصادية توازي في اهميتها لصانعي السياسة الامريكية مجمع الصناعات العسكرية البنتاجون, خاصة اذا ما علمنا ان الضرائب على البترول في الولايات المتحدة توازي 40% وان مدخلات الضريبة للميزانية الفدرالية عام ,1998 كانت على مادة البنزين وحدها 22 مليار دولار وعلى مادة الديزل 17 مليارا هذا دون رصد الارقام المتأتية من المواد الاخرى الملحقة والتي توازي ضعفين الى ثلاثة اضعاف هذه الارقام المسجلة وانه واحد من اربع قطاعات يتقاسمها كبار رجال الاعمال ومركزهم في تكساس. وعلى ما يبدو ان هذه الارباح الكبيرة والهائلة التي تجنيها الحكومات المستوردة والمصنعة للنفط الخام, خاصة الغربية منها اثارت الشهية لدى الكثير من اباطرة القطاعات الاخرى, وفي مقدمتها قطاع التسليح المتمركز في الجنوب الشرقي والغربي من الولايات المتحدة حيث رأى في الآونة الاخيرة وعلى خلفية ارتفاع اسعار النفط في العالم احد محللي صناعة الاسلحة والشركات المتخصصة في صناعة السفن والذخائر والدبابات بأن تخفيض البترول قد يساهم في انعاش المجمع الصناعي العسكري في ظل مرحلة يعيش فيها هذا القطاع (على مقومات دنيا للبقاء واذا لم توفر لها الحكومة اعمالا كافية فانها ببساطة ستختفي من الوجود) . لكن الاخطر من هذا كله تحاول الحكومات الغربية جاهدة من اجل الباس دول اوبك غير الحلة التي تلبسها فهي تحاول تسييس قضية النفط على المستوى العالمي, حتى يسهل ابتزاز الدول المصدرة للنفط, وهذا ظهر في بعض خطابات رؤساء الدول الغربية بما في ذلك الادارة الامريكية التي اعتبر رئيسها في تصريح له ان هذه المنظمة منظمة احتكارية وكأن لسان حاله يقول بفرض العقوبات على بعض دولها. علما ان هذه الدول بمجموعها ترى ان القضية النفطية بشكل عام هي مجرد سلعة تجارية خاضعة للارتفاع والهبوط حسب حاجة السوق ومتطلباته اليومية وانها ابعد ما تكون عن قضايا السياسة خاصة اذا ما علمنا ان دول منظمة اوبك لا ترتبط فيما بينها بأي رابط سياسي ذي طابع ايديولوجي او ما شابه وان العلاقة بمجملها مرهونة باتفاقات تعاقدية بين الاعضاء على الكمية المضخوخة والسعر الخاضع كما اسلفنا للارتفاع والهبوط اي انها مجرد عملية تنظيمية ـ ادارية تحكم العلاقة القائمة بين المنظمة والسوق العالمية. وبعيدا عن قيم المؤامرة والعقل التآمري كما اسلفنا بدأت العديد من الدول الغربية وفي المقدمة منها الولايات المتحدة الامريكية سعيها الحثيث باتجاه جعلها اللاعب الاكبر في السوق النفطية العالمية وهذا جاء على خلفية تصويت مجلس النواب الامريكي الذي سبق موعد اجتماع المنظمة في الربع الاول من العام الجاري والذي اقر مشروع قانون يمنح الرئيس صلاحية قطع المساعدات عن دول (اوبك) ووقف مبيعات الاسلحة عن الدول التي تشارك برفع اسعار النفط وتثبيتها. حتى باتت الولايات المتحدة تستخدم هذه الهيئة الدولية لخدمة صراعاتها الانتخابية على المستوى الداخلي وهذا الامر بالذات ما دفع نائب الرئيس الامريكي آل جور الى الاتصال بالرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة بسبب موقفه المعارض لأي زيادة في الانتاج في وقت سابق. كما تدرك اوساط (اوبك) ايضا ان الضغوط العلنية التي قام بها منذ اطلاق العملية الانتخابية والى يومنا هذا وزير الطاقة الامريكية بيل ريتشاردسون مرتبطة بكونه احد اكبر الداعمين للرئيس آل جور في حملته الرئاسية خلفا للرئيس بيل كلينتون اي ان القضية اصبحت من بين اولويات الحملة الانتخابية الرئاسية, لهذا السبب بالذات دفعت قضية النفط بصانعي السياسة الامريكية لتسييس قضية النفط بكل ما يمتلكون من ادوات للضغط على الدول المصدرة للنفط (اوبك) وهذا الابتزاز يهدف بطبيعة الحال وبشكل ميكانيكي إلى زيادة الانتاج الذي يؤدي بدوره الى تخفيف الضغط عن كاهل البنوك المركزية والكارتيلات المالية كي تحافظ على معدلات الفائدة وهذا الامر مشروط بهبوط اسعار المحروقات بعيدا عن الآليات والطرق المتبعة وبعيدا عن الانعكاسات السلبية التي قد تجرها على خزائن الدول المصدرة للنفط.. وعلى ما يبدو ان نجاح الولايات المتحدة قبل اشهر قليلة ماضية في تفتيت مواقف الدول المنتجة من اجل اشاعة حالة فوضى الانتاج والتصدير المحكوم بسقف رؤيتها لم يحقق لها غاية هدفها المنشود في خدمة قطاعاتها الاقتصادية بل تسعى هذه المرة الى السيطرة المطلقة على هذه المادة. وقد لا يفوتنا القول ان الولايات المتحدة من خلال سباقها مع عامل الزمن, تسعى بكل ما تملك من ادوات الضغط الى ابتزاز الدول المنتجة بهدف ايصالها الى خيار واحد بأن تتحمل الدول المنتجة عبء تعديل ميزان الاسعار بزيادة الانتاج بدلا من ان تقوم باستنزاف جزء من مخزونها الاستراتيجي وان تستفيد بأقصى ما عندها من اجل جلب الارباح من المنتج اي من دول اوبك لخدمة دافع الضريبة ما امكن للحفاظ على استقرارها الداخلي. اما اوروبا التي حاولت عبثا استنساخ التجربة الامريكية, فشلت فشلا ذريعا في انتهاج هذه السياسة على المستويين الداخلي والخارجي, فالشارع الاوروبي يعي جيدا ان لعبة ارتفاع الاسعار ليست متأتية من الكميات المنتجة على الصعيد العالمي, وأن ما ينتج ويضخ, يفوق حاجة السوق الاستهلاكية ويعي اكثر بأن الضريبة المفروضة على مادتي البنزين والديزل تساوي خمسة اضعاف السعر المطروح في الاسواق. لكن الغريب بالامر ان هذه الدول رغم انكشاف سرها ومطالبة جمهورها في تخفيض الضرائب الباهظة المفروضة من قبل حكوماتهم والتي تساوي 90% زيادة على ما يجب ان يكون عليه السعر المطروح ورغم المظاهرات والاحتجاجات والاضرابـات, لا تزال ممعنـة في ابتزازهـا للدول المصدرة للنفط انطلاقا من قناعة عندها انه لابد من ان تدفع هذه الدول وبشكل دائم ضريبة انتاجها للنفط لخدمة سياساتها الضريبية الغير متوازنة على النفط. مستغلة بذلك الضعف الذاتي الذي تعيشه هذه الدول على المستوى التكنولوجي وحاجتها الماسة للاعتماد شبه الكلي على المواد المصنعة التي تنتجها دول الغرب بما في ذلك تكنولوجيا التنقيب والاستخراج. لكن السؤال الاهم الى اي مدى ستبقى الدول المنتجة للنفط قادرة على تقديم مثل هذه التنازلات القائمة على اساس من اختلال التوازن؟ والى اي مدى يبقى تجاهل مصالحها الوطنية؟ وهل المطلوب من دول اوبك وحدها التنازلات.. ام ان شيئا يلوح في الافق وينذر بخلل على صعيد هذه التجارة العالمية ويدخل النفط حقا في لعبة السياسة؟ كل ذلك مرهون بمدى جدية المواقف عند الاطراف الغربية في التخلي عن سياساتها الابتزازية وخلق علاقة متوازنة بين المنتج والمستهلك. بقلم: عبدالكريم محمد كاتب فلسطيني مقيم بدمشق