رغم الزيادة التى قررتها منظمة أوبك فى اجتماعها الأخير فى فيينا بمقدار 800 ألف برميل يوميا فالملاحظ أن ذلك لم يؤد إلى انخفاض أسعار البترول, ومازالت تواصل ارتفاعها حتى تخطت حاجز الـ 35 دولارا وهو ما أدى الى حدوث هزة عنيفة فى أسواق النفط, وساهم فى حدوث اضطرابات ومظاهرات نظمها سائقو الشاحنات فى العديد من الدول الغربية وخاصة الأوروبية, الأزمة تزايدت فى اعقاب التصعيد الأخير بين العراق والكويت والاتهامات المتبادلة بينهما فيما يتعلق بسرقة النفط, والغريب انه وعلى الرغم من التظاهرات والاضطرابات التى تشهدها الكثير من الدول الأوروبية وغير الأوروبية التى زادت فيها أسعار الوقود فالملاحظ أن حكومات هذه الدول وبدلا من أن تعمل على خفض هذه الأسعار قامت بفرض الضرائب على الوقود ولم تعبأ بما تفعله شعوبها وحصرت المسألة كلها فى الضغط على الدول المستوردة من أجل زيادة الانتاج لخفض الأسعار, وهذا ماترفضه (أوبك) حتى الآن. (الملف) التقى د.حمدى عبدالعظيم مدير مركز البحوث الاقتصادية بأكاديمية السادات للعلوم الإدارية والخبير الاستراتيجى أحمد السيد النجار لإلقاء الضوء حول امكانية أن تلجأ أمريكا للاحتياطى الاستراتيجى مستقبلا لاخضاع الأوبك, واقتراب الشتاء ونقص المخزون بالنسبة للدول المستهلكة والتهديد باستمرار موجة الارتفاعات التى تشهدها الأسعار وتفاقم الوضع فى الفترة المقبلة والتهديد الأمريكى المستمر لأوبك باستخدام كل الخيارات, ومستقبل الأزمة الحالية وهل يمكن ان تنخفض الأسعار خلال الفترة المقبلة. وغيرها من الأمور الأخرى المتعلقة بتطورات الأزمة الحالية. أزمة طارئة بداية يرى د.حمدى عبدالعظيم مدير مركز البحوث الاقتصادية بأكاديمية السادات الإدارية إن الضغوط التى تقوم بها حاليا الحكومات الغربية على أوبك قد تؤدى فى الفترة المقبلة الى عودة الأسعار الى المستوى المعتاد فى حدود 28 دولاراً للبرميل نتيجة للزيادة التى تقررت مؤخرا فى مؤتمر أوبك فى فيينا ولقيام الدول المستوردة بإجراءات لترشيد الطاقة وفرض ضرائب على النفط فهذا يشير الى أن الأسعار يمكن أن تعود الى طبيعتها قريبا, أما مايحدث الآن فهو أزمة طارئة, ولكنه فى الوقت نفسه يشير الى أن مستقبل الأزمة الحالية يتوقف على وحدة دول أوبك وتماسكها والتنسيق فيما بينها بالنسبة للانتاج والاحتياطى, وحتى لا تنجح أية قوى دولية كبرى فى اختراق صفهم وتكتلهم, وهذا يتطلب منهم الالتزام بقرارات الأوبك نفسها لأنه لو حدث وشذت بعض الدول عن هذه القرارات فسوف يؤدى ذلك إلى ضعف قوة وتأثير المنظمة. ويشير د.حمدى عبدالعظيم الى أن موقف أوبك حتى الآن يوضح ان هناك درجة كبيرة من التماسك والتمسك بالقرارات وبسقف الانتاج ولم تخرج أى دولة عن هذه القرارات, وعموما لو حدث استمرار لزيادة الطلب وخاصة أن الشتاء على الأبواب فإن الأسعار سوف تزيد وتستمر الأزمة. وحول امكانية أن تلجأ الولايات المتحدة لمخزونها الاحتياطى فى محاولة لاغراق السوق وخفض الأسعار يقول د.حمدى عبدالعظيم: أن أمريكا لن تلجأ للاحتياطى الاستراتيجى فى الوقت الحالى وخاصة أنها دولة منتجة فى نفس الوقت ولديها بترول فنزويلا القريب منها, كما لديها بدائل عديدة للطاقة مثل الطاقة النووية والآخرى الناتجة من الفحم, كما انها تقوم حاليا بممارسة بعض الضغوط على الدول الكبرى المنتجة وقيل أن لقاءات حدثت بين الرئيس الأمريكى بيل كلينتون وقادة بعض هذه الدول على هامش قمة الألفية التاريخية وتم بحث هذا الأمر, وبالتالى فهى لن تلجأ الى الاحتياطى الاستراتيجى فى الوقت الحالى. نقص المعروض وحول اقتراب موعد الشتاء وامكانية ان يؤدى ذلك الى استمرار موجة الارتفاعات التى تشهدها اسعار النفط يقول د.حمدى عبدالعظيم: بالفعل الطلب يزداد عن المعروض خلال فصل الشتاء نتيجة للمناخ السيئ الذى تعانيه أوروبا والولايات المتحدة وهي الدول الكبرى المستوردة خلاله فغالبا ماتحدث الأعاصير وهذا كله يحتاج الى المزيد من الطاقة وحتى انه اذا أرادت هذه الدول أن تلجأ الى الدول المنتجة للبترول وغير الاعضاء فى أوبك لسد هذا النقص فى المعروض مثل بترول بحر الشمال فهناك مشكلة تتمثل فى أن بترول هذه المنطقة أقل فى الجودة ومن هنا تحرص الدول الصناعية سواء فى فصل الشتاء أو فى غيره بالحصول على بترول ذي جودة أكبر وسعر أقل وهذا موجود فى البترول العربى, ولذلك فمن المنتظر أن تستمر محاولات الدول الصناعية الكبرى وخاصة الولايات المتحدة من أجل دفع دول أوبك وخاصة الاطراف العربية لأجل زيادة الانتاج سواء بالترغيب أو بممارسة الضغوط وقد تردد مؤخرا ان الولايات المتحدة تحاول جاهدة اقناع دول أوبك ان التخفيض فى مصلحة الجميع على أساس ان الدول الأوروبية والولايات المتحدة عندما تحدث زيادة فى أسعار الطاقة تقوم هى الأخرى بزيادة تكلفة الانتاج وبالتالى تزداد قيمة الواردات التى تحصل عليها دول أوبك من الدول الصناعية المتقدمة, ولذلك فعندما تكون الأسعار معتدلة فإن ذلك سينعكس على الواردات وسيجعل أسعارها هى الأخرى معتدلة ومعروف ان دول أوبك خاصة دول الخليج تستورد السيارات والأجهزة والأدوات الكهربائية وحتى السلع الغذائية, وقد تردد أيضا ان الزيادة الأخيرة التى قررتها أوبك فى الانتاج جاءت بعد اقتناعها بهذا الرأى ولكن يبدو أن هذه الزيادة لم تكن على المستوى المطلوب لأن العرض مازال أقل من الطلب ومازالت الأسعار مرتفعة وهى مايهدد باستمرار الأزمة والاضطرابات. محاولة للضغط ومن ناحيته يوضح الخبير الاستراتيجى أحمد السيد النجار ان المشكلة الأساسية فى الأزمة الراهنة للنفط تعود أساسا الى الحكومات الغربية التى فرضت الضرائب على النفط وبالغت فى الأرباح بالنسبة لشركات التكرير وهى تدرك أن ذلك سيؤدى الى حدوث اضطرابات ومظاهرات وبدلا من أن تعود وتتراجع عن فرض الضرائب استمرت فى ذلك فى محاولة للضغط على أوبك حتى تخفض الأسعار, وتزيد الانتاج, أيضا لابد أن ندرك أن أسعار كل السلع ترتفع فلماذا إذن تقوم الدنيا عندما يزداد سعر النفط؟! النفط هو الثروة الرئيسية لدول الأوبك وهو ثروة ناضبة وتتناقص وسوف يأتى اليوم الذى تنتهى فيه واذا لم تستطع هذه الدول بناء اقتصاديات قادرة على النمو الذاتى من عائد تجارة النفط الحالية فانها سوف تصبح فى حالة سيئة فى حال نضوبه, ومن هنا يجب الا نلوم دول الأوبك على بحثها عن سعر عادل للنفط لأن أسعار كل السلع ترتفع فى حين أن النفط السلعة الوحيدة التى تتذبذب أسعارها هبوطا وارتفاعا. كذلك يلاحظ أيضا فى هذه الأزمة وكل الأزمات السابقة أن الدول المستوردة تضغط دوما على الدول المصدرة لتخفيض الأسعار فى حالة زيادتها, فى حين انه فى حالة انهيار الأسعار لا تقوم هذه الدول بمد يد العون للدول المصدرة وتتركها تعانى ممايترتب على ذلك من آثار اقتصادية سلبية, وعموما فهذه الأزمة تعود بدايتها الى عام 98 عندما انهارت الأسعار الى أقل من 10 دولارات للبرميل وتعرضت الدول المصدرة لعجز رهيب فى موازين مدفوعاتها واضطرت للاقتراض كما عانت من عجز فى الموازنات العامة الداخلية ولم تجد أية مساعدة من الدول المستوردة والتى لم تتخذ أية اجراءات من أجل رفع الأسعار حتى تقل معاناة هذه الدول, وهو مادفع الدول المستوردة لتخفيض الانتاج من 8.27 مليون برميل يوميا الى 3.26 مليون برميل مما أدى الى تماسك السوق مرة أخرى وتحسن الأسعار وبكل قوة مع تحسن النمو العالمى والذى يعنى فى الوقت نفسه زيادة الطلب على البترول علما بان هذا التحسن ناجم بصورة اساسية عن تعافى اقتصاديات دول شرق وجنوب شرق أسيا واليابان بدءا من عام 1999 بعد أن كانت قد تعرضت لأزمة طاحنة فى العام ,98 هذه الزيادة على الطلب أدت بدورها الى زيادة الأسعار. حد أقصى للأسعار ويرى أحمد السيد النجار انه لكى تنتهى كل الاضطرابات التى تحدث فى سوق النفط مستقبلا فلابد ان يكون هناك اتفاق على حد أدنى وحد أقصى للأسعار, وعند الحد الاقصى تلتزم الدول المصدرة (أوبك) بالمزيد من عرض البترول حتى تتوقف أسعاره عند الحد الأقصى ولا تزداد, وفى المقابل تلتزم الدول المستوردة الكبرى وهى الولايات المتحدة الأمريكية واليابان والمانيا وايطاليا وهولندا وكوريا الجنوبية بانه عندما تنخفض أسعار البترول أن لا تسمح بانخفاض السعر عن هذا الحد الأدنى بان تشترى الفائض فى السوق حتى لو حولته الى مخزون, على ان تتحرك الاسعار سنويا باتجاه الارتفاع بنفس نسبة متوسط معدل التضخم فى الدول الصناعية المستوردة للبترول بحيث تتغير اسعاره انخفاضا وارتفاعا بنفس نسبة تغير أسعار السلع التى تنتجها, أما الأسلوب الذى تفرضه الدول المستوردة فهذا فيه ظلم كبير للدول المصدرة فمثلا فى شتاء 86 قامت الدول المستوردة بضخ كميات كبيرة من الاحتياطى مماأدى الى انهيار أسعاره ثم أعادوا بعد ذلك تكوين المخزون الاحتياطى بنفط رخيص للغاية وهذه حالة من الأنانية المفرطة لدى الدول المستوردة فى تعاملاتها مع سوق النفط, هم يريدون العودة الى عصر الطاقة الرخيصة فى فترة ماقبل عام ,1973 وهناك تصريح لرئيس الوزراء البريطانى, حول الأزمة يوضح الكيفية التى يفكر فيها الغرب بالنسبة للتعامل مع الدول المصدرة للنفط, فقد قال تونى بلير فى تصريح له مؤخرا انه لن يخفض الضرائب على الوقود حتى تتوقف الاضطرابات والمظاهرات التى يقوم بها الشعب البريطانى ولكنه سيواصل الضغط على أوبك من أجل تخفيض الأسعار. وحول امكانية ان تحافظ أوبك على قوتها ووحدتها فى وجه الضغوط والتهديدات الغربية وخاصة من الولايات المتحدة يقول أحمد السيد النجار: موقف أوبك عادل تماما وعندهم الكثير من الأمور التى تجعل موقفهم قويا, ولكن هذا يعتمد فى النهاية على الدول الكبرى المنتجة للنفط وخاصة السعودية, فهذه الدول الكبرى إذا فعلت ذلك فسوف تضر بمصالحها, ولذلك يجب على أوبك أن تتماسك وتصر على المستوى الحالى من الانتاج حتى يظل السعر عند هذه الحدود المعقولة, ولكن اذا استجابت أى من الدول الكبرى المنتجة للضغوط وبدأت تحدث زيادات فى الانتاج فسوف يحدث انهيار فى الأسعار نتيجة للآلية التى يتم بها وصول النفط الى الأسواق المستهلكة والتى لا تظهر آثارها الا بعد فترة, ومن هنا يجب أن تكون هناك فترة كافية من 45 يوما حتى 3 أشهر قبل التفكير فى زيادة الانتاج حتى يكون هناك تأكد تام من أن الزيادة فى الانتاج لن تكفى العرض الفعلى, وبالتالى تكون هناك امكانية لزيادة جديدة فى الانتاج دون الاضرار بالأسعار, أى انه يجب التأكد من أن السوق يحتاج بالفعل لكميات اضافية من النفط. موجة الارتفاعات وفيما يتعلق باقتراب موعد الشتاء ونقص مخزون الدول المستهلكة وامكانية أن يؤدى ذلك الى استمرار موجة الارتفاعات التى تشهدها الأسعار يرى أحمد السيد النجار انه ممالا شك فيه أن الطلب على النفط يزداد فى فصل الشتاء نظرا لأن غالبية الدول الكبرى المستوردة تتميز بأن مناخها قارس فى الشتاء وبالتالى فهى تحتاج لكميات اضافية من النفط, وعموما فأوبك قد تعهدت انه اذا استمرت الزيادة فى الأسعار فسوف تزيد العرض بنحو نصف مليون برميل يوميا لمواجهة الزيادة فى الطلب. ويعتقد أن الحديث عن مستقبل الأزمة يتوقف على الأطراف الثلاثة المؤثرة فيها وهي الدول المستوردة, والدول المصدرة, والشركات العملاقة, فمثلا أوبك أخذت قراراً بعدم زيادة العرض وقامت احدى دول الأوبك ونتيجة لضغوط ما بزيادة انتاجها فهذا من الممكن أن يؤدى الى انخفاض الأسعار, أى ان المستقبل يتوقف على تصرفات الاطراف المختلفة خلال الفترة المقبلة واذا كان الظاهر حتى الآن ان هناك تماسكا بين دول الأوبك ورفضاً تاماً للرضوخ لأية ضغوط خارجية عليهم ولكن من يدرى ماذا يمكن أن يحدث مستقبلا؟. القاهرة ـ مكتب البيان