لم تنته القضايا الخلافية بين منظمة الاوبك التي تضم كبريات الدول المنتجة للنفط الخام وبين الدول الصناعية الكبرى المستهلكة, فالدول المنتجة التي تعتمد على النسبة العظمى في دخلها القومي من مبيعات النفط, تحاول ابقاء اسعاره على معدلات تسمح لها باستخدام المداخيل في تقوية اقتصادها والانفاق على عمليات التنمية الاجتماعية, وتوجه اللوم لحكومات الغرب الذي يفرض ضرائب باهظة على المستهلك الاوروبي للوقود, اما الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الامريكية فتمارس ضغوطا سياسية واقتصادية مستمرة على الاوبك وتطالب الدول المنتجة للنفط بزيادة الانتاج حتى يتحقق خفض الاسعار ولايبشر المستقبل القريب بتقارب في وجهات النظر وحل القضايا الخلافية. وذلك لما تشكله هذه السلعة الاستراتيجية من اهمية بالغة وهو الامر الذي يبقي الصراع قائما من اجل تحقيق كل طرف لمصالحه. غدا السبت تعقد الدول الصناعية السبع الكبرى (امريكا, بريطانيا, المانيا, فرنسا, ايطاليا, اليابان, كندا) قمة وقد وضعت على رأس قائمة بنودها قضية النفط الخام, وقد كشفت مصادر (الملف السياسي) في هولندا عن جزء من مسودة البيان الختامي التي ستصدره قمة الدول الصناعية الكبرى غدا, والذي سيتضمن مطالبة هذه الدول لمنظمة الاوبك من جديد بزيادة انتاج النفط الخام. حول اسعار النفط ولعبة المصالح وعمليات الشد والجذب بين مختلف الاطراف والضغوط التي تمارسها الدول الكبرى على الاوبك التقى (الملف السياسي) في هولندا بخبير شئون النفط (آري فان دي فيلد) بسوق البترول في مدينة روتردام: وكان الحوار التالي: * لماذا تصل حدة الصراع للحصول على نفط خام رخيص الثمن لدرجة التهديد الامريكي المستمر لمنظمة الاوبك؟ ـ ليست وحدها التي تفعل ذلك, ربما تكون امريكا صاحبة الصوت الاعلى حينما تشعر باقتراب ضرر لمصالحها, لكن الدول الصناعية المتقدمة كلها تشترك في هذا التهديد وان اختلفت انواع الاساليب ووسائل الضغوط, والقضية هي صراع مشروع من اجل الحياة بالدرجة الاولى, اما السؤال المهم والقضية الواجب على العالم كله بحثها في هذا القرن هي تنظيم هذه المشروعية لكي يحل مكان الصراع شكل من اشكال المنافسة المقبولة من مختلف الاطراف, ولا اقول عدالة توزيع ثروات المعمورة لانه من وجهة نظري تحقيق هذا الامر يبدو مستحيلا, وأجد ضرورة الاشارة الى ان النفط الخام سلعة استراتيجية ضرورية ومتميزة لايستطيع الانسان الاستغناء عنها حى الآن فهي من مصادر الطبيعة التي يحتاجها الانسان للطاقة التي تلعب دورا رئيسيا في تشغيل حركة نقل البضائع وانتقالات المواطنين من مكان لآخر بالسيارات والسفن والطائرات وتعتمد كثير من دول العالم على النفط في توليد الكهرباء الضرورية لتشغيل المصانع لمختلف المنتجات, وكذلك عمليات التدفئة خاصة في المناطق الباردة, كما ان منتجات النفط تدخل في صناعات اخرى كثيرة ومتنوعة كمواد البلاستيك والالياف وحتى تستهلك منها مصانع السيارات كميات كبيرة, واستطيع ذكر مزيد من الصناعات التي تحتاج للنفط الخام, واكتفي بهذا التوضيح لتأكيد حقيقة تكشف مدى استمرارية احتياج الغرب المتقدم وخاصة الدول الصناعية الكبرى للنفط الخام, ولو كانت اي منظمة اخرى غير الاوبك ـ التي تضم دولا عربية خليجية منتجة للبترول ـ لحدث الصراع ذاته وتم ممارسة الضغوط نفسها من جهة على طرف او اطراف اخرى. * اسمح لي بان اختلف معك بخصوص هذه الفرضية وان كانت جدلية, واعتقد انك تتفق معي في ان دول الاتحاد الاوروبي على سبيل المثال قد توصلت لصيغة تكامل وتبادل في المصالح جعلت الكم الاكبر من الصراعات يتوارى, وذلك بفضل الاستخدامات الشبه عادلة للثروات الطبيعية والتكنولوجية المتطورة ويحكم ذلك تشريعات وقوانين واتفاقيات, بينما الامر مختلف تماما مع الدول الاعضاء في منظمة الاوبك... ما رأيكم؟ ـ بالطبع نجحت الدول الاوروبية في ذلك وهو نجاح جاء نتاج حربين عالميتين وسنوات طويلة من الصراعات, اما مسألة التكامل الاقتصادي وعدالة توزيع الثروات الطبيعية وتقاسم التكنولوجيا المتطورة فهذه قضايا اقتصادية وسياسية وامنية ليست سهلة, ولايوجد ما يمنع منظمة الاوبك من اتخاذ مبادرات والتقدم باطروحات تضعها على اجندة السياسة الدولية تطالب بكل ما تريده ولايجب ان نغفل حقيقة مهمة ان التقدم الصناعي الذي حدث في الغرب هو نتاج جهود وابحاث اوروبية. * لولا النفط الخام لما تمكنت اوروبا من تحقيق التقدم الصناعي, ولولا وفرته وسهولة امكانية حصول الغرب عليه لما اغلقت اوروبا مناجم الفحم باهظة التكاليف والتي تتسبب في تلوث البيئة وسؤالي: هل تتوقع حدوث مطالب جديدة من طرف الدول الصناعية الكبرى للاوبك؟ ـ بالتأكيد فالدول الصناعية السبع الكبرى ستجتمع في براج غدا السبت 23 سبتمبر وستطالب منظمة الاوبك مرة اخرى بزيادة انتاج النفط الخام, وموضوع ارتفاع اسعار النفط هو من اهم واول بنود قمة الدول السبع, التي ستأتي قبل لقاء هذه الدول بصندوق النقد الدولي في الاجتماع السنوي, وذلك لبحث القضايا التالية: ـ الفروق الكبيرة لقيمة اسعار العملات خاصة اليورو الاوروبي والدولار الامريكي والين الياباني. ـ العجز التجاري الامريكي والاقتصاد الامريكي المهدد بالتضخم. واستطيع القول ان البيان الختامي لقمة الدول الصناعية الكبرى سيتضمن جزءا خاصا تطلب فيه القمة من منظمة الاوبك اتخاذ اجراءات جديدة من اجل خفض اسعار النفط. * منظمة الاوبك قررت مؤخرا زيادة الانتاج لارضاء الغرب, الم يكف هذا؟ ـ بالفعل قررت منظمة الاوبك في اجتماعها الاخير في فيينا زيادة الانتاج بعدد 800 ألف برميل سعة 159 لترا يوميا, لكن هذه الزيادة لاترضي الغرب انطلاقا من كونها لاتحقق الاستقرار المطلوب لخفض الاسعار, فأوروبا تريد الحفاظ على معدلات اقتصادية منضبطة, ومعادلات مستقرة تربط بين كميات النفط المطلوبة للاستهلاك الكلي للصناعات الغربية من ناحية وبين الاسعار التي يدفعها المستهلك في المنتج النهائي مباشرة. * طالما انك تحدثت عن اسعار الوقود التي يدفعها المستهلك المباشر, تؤكد المعلومات الاقتصادية الرسمية ان قيمة الضرائب المرتفعة التي تفرضها الحكومات في اوروبا هي من اهم اسباب خلل المعادلة وليس منظمة الاوبك, وهي تطالبكم بخفضها من جانبكم, فما قولك؟ ـ القضية عندنا هي سياسية بالدرجة الاولى فقيمة الضرائب في اوروبا تحددها الحكومات وفقا لاجراءات وقرارات هي افراز للمنظومة الديمقراطية, فلا يمكن تنفيذ قانون ـ اي ان كان في بلد اوروبي ـ الا بموافقة البرلمانات الاوروبية, ويتم تحديد قيمة الضرائب على مختلف السلع تبعا لتكاليف الانتاج, ولقد شاهدنا جميعا مظاهرات واضرابات سائقي الشاحنات في فرنسا وبلجيكا وهولندا والمانيا احتجاجا منهم على ارتفاع اسعار الوقود, التي هي من نتاج ارتفاع اسعار النفط الخام. * هل ستنتهي ضغوط الدول الكبرى على الاوبك وتتحقق ولو نسبة من العدالة الاقتصادية؟ ـ كما ذكرت لك من قبل القضية لها محاور سياسية واقتصادية وامنية بالنسبة لاوروبا, اعترف لك بانه لايمكن لاوروبا ان تترك منظمة الاوبك ـ التي تتحكم في نسبة 42% من انتاج بترول العالم دون قيود وضغوط تفرضها المصالح ـ تتصرف بحريتها وتسبب ضررا للغرب ينتج عن ارتفاع اسعار النفط, فمنذ اعلان منظمة الاوبك في مارس 99 تحديد انتاج النفط تضاعفت الاسعار 4 مرات, اتصور ان العدالة الاقتصادية ممكن تحقيقها عن طريق المشروعات الاقتصادية والصناعية المشتركة بين الدول المنتجة والمستهلكة وربما لجوء الاوبك مستقبلا لربط قيمة النفط بالعملة الاوروبية الموحدة (اليورو) يساهم في تخفيف الضغوط. أجرى الحوار في روتردام: سعيد السبكي